تحديث الرئيسيةشريط الأخبارملفات

«ما البديل لو عدنا؟».. حظر سفر النساء للعمل يحفظ كرامتهم أم يحرمهم من طوق النجاة؟

30 ألف تصريح للنساء فقط من 1.18 مليون..«المفوضية» تنتصر لحق المرأة في السفر والعمل

تفتح القرارات المتعلقة بـ «حظر سفر النساء للعمل» بالخارج بابًا واسعًا حول مفهوم الكرامة الإنسانية وحق المرأة في البحث عن رزقها بحرية وأمان، كون العمل في المهن المنزلية والمقاهي بالنسبة للعديد من النساء، يُعد أمر مرفوض قطعًا، إلا أنه في أحيان كثر لا يُعد مجرد اختيار، بل طوق نجاة اقتصادي وأمل لتوفير حياة كريمة لكثير من النساء وأسرهن.

ورغم تبرير وزارة العمل قرارها الصادر في أبريل الماضي بالحرص على حماية العاملات من الاستغلال والاتجار بالبشر بناءً على تقارير مكتب التمثيل العمالي بالرياض، إلا أن حرمان المرأة من فرصة العمل يمس حقها الأصيل في السفر والمساواة.

«المفوضية» تنتصر لحق المرأة في السفر والعمل

وفي هذا السياق، انتصرت هيئة مفوضي الدولة بمحكمة القضاء الإداري للحقوق الدستورية، حيث أصدرت تقريرًا قضائيًا حديثًا أوصت فيه بطلان قرار وزارة العمل وإلغاء حظر سفر النساء المصريات لشغل تلك المهن بالخارج.

ووصفت الهيئة القرار الوزاري بأنه «غير دستوري» ويشكل خرقًا صريحًا لمبادئ المساواة وحظر التمييز بين الجنسين، مؤكدةً أن حماية المواطنين وصون كرامتهم لا يتأتيان بفرض الحظر والتقييد، بل بتوفير الحماية القانونية والرعاية اللازمة لهن أثناء العمل.

وتوافقًا مع رفض هيئة مفوضي الدولة للقرار، لم يلقى القرار قبول شريحة كبيرة من العاملات في الخارج، وهو ما تترجم على لسان، شهد محمد، الحاصلة على دبلوم سياحة وفنادق، وتعمل في مجال السياحة بإحدى الدول الخليجية، حيث انتقدت قرار وزارة العمل حظر سفر المصريات للعمل في عدد من المهن بالخارج، متسائلة عن البديل المتاح أمامها وأمام غيرها من السيدات اللاتي يعتمدن على العمل بالخارج لتوفير احتياجاتهن المعيشية.

السفر ليس اختيار.. وإنما وسيلة لمساعدة أنفسهن وأسرهن

كما تساءلت «شهد» في حسابها الشخصي على «تيك توك»، عن ماذا يمكن أن تفعله إذا اضطرت إلى العودة لمصر، في ظل محدودية فرص العمل المناسبة ومستويات الرواتب التي لا تكفي، لتلبية احتياجات العاملات وتوفير حياة كريمة لهن.

وأكدت «شهد»، أن العمل في قطاع السياحة والفنادق داخل مصر لا يضمن دخلًا مناسبًا للعاملات، منوهة بأن السفر بالنسبة لهن ليس مجرد اختيار، وإنما وسيلة لتحسين الدخل ومساعدة أنفسهن وأسرهن.

ووفقًا لبيانات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء، بلغ إجمالي تصاريح العمل الصادرة للمصريين للعمل بالخارج 1.1825 مليون تصريح خلال عام 2025، مقابل 1.0836 مليون تصريح في 2024، بزيادة 9.1%..

30 ألف تصريح عمل للنساء

وحصلت النساء على 30.1 ألف تصريح عمل، بما يمثل 2.5% من إجمالي التصاريح، مقابل 1.1525 مليون تصريح للرجال، وبلغ عدد التصاريح الصادرة لأول مرة نحو 892.8 ألف تصريح، بينما بلغ عدد تصاريح التجديد 289.8 ألف تصريح، واستحوذت الدول العربية على 96.5% من إجمالي التصاريح، بنحو 1.1417 مليون تصريح.

قرار وزارة العمل الذي رفضته هيئة مفوضي الدولة بمحكمة القضاء الإداري، صدر للتصدي لبعض شركات إلحاق العمالة التي تدفع السيدات تدفع للعمل في مهن لا تليق بالمرأة المصرية، فضلًا عن تعرضهم لمضايقات وتقديم شكاوى مريرة في السفارات المصرية.

ما دفع لتجديد قرارتها الملزمة لشركات إلحاق العمالة بالخارج، بحظر سفر السيدات المصريات للعمل في مجموعة من المهن المحددة، وذلك في إطار تنظيم سوق عمل المصريات وضمان توافق فرص العمل المقدمة مع الضوابط المهنية المعمول بها.

حظر عمل المصريات في الأعمال المنزلية

ووجهت الإدارة العامة لشؤون شركات إلحاق العمالة التابعة لوزارة العمل، خطابًا رسميًا إلى شعبة شركات إلحاق العمالة، تضمن حظر عمل السيدات المصريات في الأعمال المنزلية، شاملة جميع الأعمال التي تؤدى داخل منزل صاحب العمل أو من في حكمهم، ومنها على سبيل المثال، رعاية منزلية، طاهية، مديرة منزل، مساعدة شخصية، ممرضة منزلية.

كما شدد الخطاب على حظر عمل السيدات المصريات في أعمال المقاهي والكافيهات، ويشمل الحظر مهن ساقية، نادل أو ويتر، ومقدم مشروبات ومأكولات، عامل كونتر، وغيرها من المهن المماثلة في الكافيهات.

وفي السياق ذاته، قال الدكتور هاني سامح، المحامي، إن حظر عمل المصريات بالخارج في عدد من المهن، على رأسها العمل داخل المقاهي والكافيهات، إلى جانب أعمال التمريض المنزلي والتدبير والرعاية المنزلية، يُمثل تمييزًا ضد النساء، لحرمانهن من العمل في مهن مشروعة لمجرد كونهن نساء، دون الاستناد إلى معايير مهنية موضوعية تتعلق بالكفاءة أو المؤهل أو السن أو اللياقة أو شروط التعاقد.

استبعاد فئة كاملة من سوق العمل على أساس الجنس

وأضاف المحامي، أن حماية العاملات من مخاطر الاستغلال لا ينبغي أن تتحول إلى مبرر لحرمانهن بصورة عامة من فرص العمل، مشيرًا إلى أن دور الجهات الإدارية، يتمثل في التحقق من سلامة عقود العمل وشروط التشغيل، ومراقبة شركات إلحاق العمالة، وضمان توافر الحماية القانونية للعاملات، وليس استبعاد فئة كاملة من سوق العمل على أساس الجنس.

وأكد «سامح»، أن مواجهة أي تجاوزات أو ممارسات استغلالية يجب أن تتم من خلال تطبيق القانون ومحاسبة المخالفين وتشديد الرقابة على إجراءات التوظيف والتعاقد، بدلًا من حرمان النساء من فرص العمل بصورة جماعية، منوهًا بأن التوسع في القيود المفروضة على عمل المرأة يُحول إجراءات الحماية إلى عائق أمام مشاركتها الاقتصادية، ويحد من قدرتها على اختيار المهنة المناسبة لها وفقًا لمؤهلاتها وظروفها.

المبادرة المصرية للحقوق الشخصية، بدورها، انتقدت قرار وزارة العمل بحظر إلحاق النساء المصريات بعدد من المهن في الخارج، من بينها العمل داخل المنازل والمقاهي والمطاعم، معتبرة أن القرار يتعارض مع الحقوق الأساسية للمصريات في العمل والتنقل، ويكرس التمييز ضدهن من خلال فرض قيود إدارية على فرصهن المهنية دون المرور بمسار تشريعي.

سياسات اقتصادية غير رشيدة

ووصفت المبادرة القرار بأنه يعبر عن السياسات الاقتصادية غير الرشيدة التي تحد من فرص العمل المتاحة للنساء داخل مصر، ثم تفرض قيودًا إضافية على الراغبات في تحسين ظروفهن المعيشية ومعيشة أسرهن من خلال العمل بالخارج.

وأشارت إلى أن القرار يستهدف بصورة خاصة النساء اللاتي لم يحصلن على فرص التعليم العالي، ويعملن في مهن يتركز كثير منها في القطاع غير الرسمي، معتبرة أن حماية حقوق العاملات لا تتحقق بحرمانهن من فرص العمل، وإنما بضمان حقوقهن وتوفير الحماية القانونية اللازمة لهن.

وأكدت المبادرة، أن توجيه وزارة العمل يتعارض مع قانون العمل الموحد رقم 14 لسنة 2025، الذي يتضمن نصوصًا لمناهضة التمييز ضد النساء في مجال العمل، مطالبة الوزارة بالالتزام بالحقوق الدستورية الأساسية للمواطنات، وإلغاء القيود المفروضة على سفر النساء للعمل، كما دعت إلى إنشاء مفوضية المساواة ومنع التمييز، باعتبارها استحقاقًا دستوريًا لم يُنفذ بعد.

الإسلام أكرم المرأة

وجهات النظر الرافضة للقرار، لم تكن وحدها، بينما كانت هناك وجهات نظر ترى القرار جيد، لصون وحفظ كرامة المرأة المصرية، وفي مقدمتها دار الإفتاء، مؤكدة على أن الإسلام أكرم المرأة، فأعطاها حقوقها كاملة، وأعلى قَدْرَها ورفع شأنها، فتولت القضاءَ، وجاهدت، وعلّمت، وأفْتَت، وباشرت الحِسبَة، وأوصانا النبي صلى الله عليه وآله وسلم بهنَّ فقال: “ألا واستوصوا بالنساء خيرًا، فإنما هن عوانٌ عندكم” أخرجه الترمذي، وهذه الوصية تشمل دعمهنَّ وحماية كرامتهنَّ، وفعل كل ما تحمله الوصية بهنَّ من معنىً.

وأضافت الدار عبر صفحتها الرسمية على موقع التواصل الاجتماعي «فيسبوك»، أن الشريعة الإسلامية لم تمنع المرأة من العمل، بل أباحته لها ما دام موضوع العمل مباحًا، ومتناسبًا مع طبيعتها، مع تحقق التزامها الديني والأخلاقي وأمنها على نفسها حال قيامها به.

البرلمان كان له تأييد للقرار، عبر النائبة نجوى الألفي، قائلة:«إن القرار لا يجب النظر إليه باعتباره مجرد إجراء تنظيمي، بل هو رسالة واضحة بأن الدولة المصرية تضع كرامة المرأة المصرية فوق أي اعتبار، وترفض تعريضها لأي أوضاع مهنية أو إنسانية تمس مكانتها أو تفتح الباب أمام أي شكل من أشكال الاستغلال أو الإهانة».

وظائف لا تتناسب مع طبيعة المرأة المصرية

وأضافت أن تنظيم سفر السيدات للعمل بالخارج، أصبح ضرورة حقيقية، خاصة في ظل ما كشفته بعض الوقائع والتقارير من وجود وظائف لا تتناسب مع طبيعة المرأة المصرية أو لا توفر الحد الأدنى من الحماية والأمان الوظيفي والإنساني، وهو ما يتطلب ضوابط أكثر حسمًا ووضوحًا تضمن أن تكون فرص العمل المتاحة لائقة وآمنة ومحترمة.

وأكدت عضو مجلس النواب، أن القرار يعكس فهمًا عميقًا لمسؤولية الدولة تجاه المرأة المصرية، لا سيما أن الدولة خلال السنوات الأخيرة اتخذت خطوات واسعة في تمكين المرأة سياسيًا واقتصاديًا واجتماعيًا، ومن ثم فإن حمايتها من أي ممارسات غير لائقة في سوق العمل الخارجي يُعد امتدادًا طبيعيًا لهذا التوجه الوطني.

وأوضحت أن المرأة المصرية كانت دائمًا عنوانًا للكرامة والكفاح والعطاء، ولا يجوز أن تُترك فريسة لفرص عمل غير منضبطة أو بيئات مهنية تسيء إليها أو تنتقص من قيمتها، مشددة على أن الحفاظ على صورة المرأة المصرية وحقوقها في الخارج لا يقل أهمية عن تمكينها وتوسيع فرصها.

كما شددت النائبة نجوى الألفي على أن القرار لا يستهدف التضييق على فرص العمل، وإنما يهدف بالأساس إلى ضبط المسار، وحماية السيدات من الانخراط في مهن قد تحمل مخاطر اجتماعية أو إنسانية أو مهنية، مؤكدة أن الدولة مطالبة دائمًا بأن توازن بين إتاحة الفرص وتوفير الحماية.

زر الذهاب إلى الأعلى