انتقادات للعنف “الصامت والهيكلي”.. حقوقيون يطالبون بتحرك شامل لمواجهة العنف في المجتمع وضبط أولويات الحكومة
جاء ذلك خلال اليوم الثاني من ورشة العمل التي نظمها المجلس القومي لحقوق الإنسان اليوم الخميس
شهد اليوم الثاني من ورشة العمل التي نظمها المجلس القومي لحقوق الإنسان، اليوم الخميس، بالتعاون مع المعهد الدنماركي لحقوق الإنسان، بالقاهرة، جلسة حوارية موسعة ناقشت سبل مواجهة العنف ضد النساء والفتيات والأطفال، والفجوات القائمة بين الحماية القانونية والتطبيق الفعلي، بمشاركة عدد من الخبراء والحقوقيين والمتخصصين.
أدار الجلسة الحقوقي الدكتور مجدي عبد الحميد مدير المشروع الأوروبي بالمجلس القومي لحقوق الإنسان، بحضور ومشاركة عدد من أعضاء المجلس منهم محمد عثمان ومي التلاوي، وعدد من المحامين والحقوقيين ومهتمين بالقضايا المهنية. وذلك بحضور الدكتور أحمد جمال الدين رئيس المجلس القومي لحقوق الإنسان.
العبد: تحليل النماذج المشابهة
وأكد الدكتور حاتم العبد، الأمين العام للمجلس القومي لحقوق الإنسان، أن الإصدارات التشريعية استهدفت إحداث نقلة نوعية واستباقية نحو توفير حماية شاملة للمرأة، من خلال إدخال المساعدة القانونية، وتضافر خدمات الرعاية الاجتماعية والصحية، وتعزيز التنسيق بين الجهات الحكومية ومؤسسات المجتمع المدني.
واستعرض العبد عدداً من التجارب العربية والدولية في هذا المجال، من بينها التجربة المغربية بموجب القانون رقم 103.13 لسنة 2018 بشأن محاربة العنف ضد النساء، والتجربة الأردنية في قانون الحماية من العنف الأسري لسنة 2017، والتجربة اللبنانية بالقانون رقم 293 لسنة 2014، مشيراً إلى تأثر بعض هذه التجارب بالنموذج الإسباني للقانون الأساسي رقم 1 لسنة 2004، الذي يقوم على التكامل بين الأجهزة التنفيذية والسلطة القضائية ومؤسسات المجتمع.
وشدد الأمين العام على أهمية دراسة هذه النماذج بصورة تحليلية، والاستفادة من التجارب التي تتناسب مع طبيعة المجتمع المصري وتطوراته، بالتعاون مع خبراء وأساتذة علم الاجتماع.

عبد الجواد : غياب الدور الحكومي
من جانبها، أكدت الدكتورة ثريا عبد الجواد، أستاذ علم الاجتماع، أن تصاعد العنف في المجتمع المصري ليس ظاهرة عارضة أو وليد الصدفة، وإنما يرتبط بما وصفته بـ«العنف الهيكلي» المتجذر في بنية المجتمع، مشيرة إلى أن غياب الحريات ومكتسبات حقوق الإنسان، إلى جانب الأوضاع الاقتصادية والمنظومة التشريعية، يسهم في إنتاج العنف على مستويات متعددة.
وانتقدت عبد الجواد ما اعتبرته تكريساً لعدم المساواة في بعض قوانين الأحوال الشخصية، موضحة أن انعكاساتها لا تقتصر على العلاقة بين الرجل والمرأة، بل تمتد إلى تشكيل ثقافة مجتمعية تبرر الهيمنة وتغذي صوراً مختلفة من العنف، بدءاً من التحرش والاعتداء وصولاً إلى الانتقاص من مكانة المرأة ودورها.
وأضافت أن مواجهة ما وصفته بـ«العنف الصامت»، الناتج عن بنية الدولة وممارساتها والمنظومة القانونية، تتطلب مراجعة جادة وشاملة للتشريعات والسياسات الاجتماعية، بما يضمن صون كرامة الإنسان وحماية حقوقه.
روكسي : احذر من الوصمة الاجتماعية
وفي السياق ذاته، سلط الحقوقي أشرف ميلاد روكسي الضوء على الصعوبات التي تواجه النساء عند الإبلاغ عن جرائم الاعتداء والتحرش، محذراً من أن معاناة الضحايا تبدأ بالوصمة الاجتماعية، وقد تتضاعف داخل أقسام الشرطة بسبب غياب الكوادر المؤهلة للتعامل مع البلاغات الحساسة ومراعاة الآثار النفسية للاعتداء.
وطالب روكسي بتوفير عناصر نسائية مدربة للتعامل مع بلاغات العنف على مدار الساعة، وإنشاء آليات رسمية لإحالة الضحايا إلى متخصصين اجتماعيين ونفسيين، فضلاً عن إتاحة اختيار جنس المحقق، بما يعزز شعور الضحايا بالأمان ويحد من تعرضهن لصدمة نفسية إضافية.
كما انتقد ظاهرة التشكيك في روايات الضحايا وغياب التعاطف معهن عبر المنصات الرقمية، داعياً إلى مراجعة بعض الجوانب التشريعية، ومنها تنظيم حالات الإجهاض في الظروف الإنسانية والطبية الحرجة، مثل حالات الاغتصاب والتشوهات الجنينية والخطر المباشر على حياة الأم، وفقاً للمعايير الطبية والحقوقية.
الألفي: تغيير الأولويات
من جانبها، شددت الحقوقية سمية الألفي، الخبيرة في مجال الأمومة والطفولة، على ضرورة وضوح أولويات الدولة فيما يتعلق ببناء الإنسان والأجيال القادمة، معتبرة أن الصحة والتعليم والرعاية الاجتماعية تمثل ركائز أساسية لأي مشروع تنموي.
ودعت الألفي إلى إعادة النظر في توزيع مخصصات الموازنة العامة، وطرح تساؤلات واضحة بشأن حجم الإنفاق الموجه للمرأة والطفل والتعليم والصحة والرعاية الاجتماعية، مؤكدة أن برامج المساعدات النقدية، مثل «تكافل وكرامة»، رغم أهميتها في تقديم الدعم للفئات الأكثر احتياجاً، لا يمكن أن تكون بديلاً عن التنمية الحقيقية وبناء القدرات.
كما أثارت قضية العنف المرتبط بالإجبار على الزواج، وطرحت مقترحات تشريعية تتعلق بالتعامل مع حالات الاغتصاب وزنا المحارم وما يرتبط بها من أزمات إنسانية، في إطار النقاش حول تطوير الحماية القانونية للنساء والفتيات.
الشناوي: 11 مقترحًا لتطوير الأداء
من جانبه ، طرح الكاتب الصحفي معتز الشناوي 11 مقترحًا لتطوير أداء المجلس القومي لحقوق الإنسان، وتعزيز دوره في مواجهة العنف المجتمعي.
وتضمنت المقترحات إنشاء وحدة متخصصة لتلقي شكاوى العنف ضد المرأة والطفل، ومرصد وطني للعنف المجتمعي، وآليات لحماية الأطفال ومواجهة العنف الرقمي، إلى جانب مراجعة التشريعات الأسرية، وإطلاق مبادرة «مؤسسات تعليمية بلا عنف».
كما دعا إلى تفعيل فروع المجلس بالمحافظات، وتأهيل مقدمي الخدمات للتعامل مع الضحايا، وربط أداء المجلس بمؤشرات قابلة للقياس، وإطلاق يوم وطني لنبذ العنف، بما يعزز ثقافة احترام المرأة والطفل.
وأكد الشناوي أن المجلس جهة وطنية مستقلة للرصد والتوصية والمتابعة، وليس جهة ضبط أو تحقيق جنائي، مشددًا على ضرورة تفعيل صلاحياته القانونية دون الحلول محل النيابة العامة أو أجهزة إنفاذ القانون.
شاوريم : تضافر تشريعي مجتمعي
وأكدت النائبة هبة شاوريم، عضوة مجلس الشيوخ، أن قضية العنف بمختلف أشكاله، لا سيما الموجه ضد المرأة والطفل باعتبارهما الفئات الأكثر عرضة للخطر، تمثل أولوية تشريعية ومجتمعية هامة. وأوضحت أن تزايد بعض مظاهر العنف يعود أحياناً إلى قصور في آليات التنفيذ والتطبيق على أرض الواقع، وليس لقصور في النصوص التشريعية بحد ذاتها، مشددة على أن الاتفاقيات الدولية والمواثيق العالمية تضع مصر في مرتبة متقدمة من حيث حماية حقوق النساء.
وأشارت النائبة إلى ضرورة تبسيط الإجراءات القانونية وتقديم الدعم الفوري للنساء اللاتي تتعرضن لأي أشكال العنف أو التهديد، لافتة إلى أهمية استمرار التنسيق والتعاون المستمر بين أعضاء غرفتي البرلمان (النواب والشيوخ) والحكومة لمراجعة وتطوير التشريعات القائمة.
وفي هذا السياق، استشهدت “شاوريم” بجهود مجلس الشيوخ في متابعة الأثر التشريعي للقوانين، مشيرة إلى تعديلات قوانين الأحوال الشخصية وقانون الختان، ومؤكدة على ضرورة إعادة النظر في تشديد العقوبات الخاصة ببعض جرائم العنف الأسرى لضمان تحقيق الردع الفعال وتقليل معدلات البلاغات الكيدية إن وجدت، أو تفعيل سبل الرقابة والابلاغ السريع لحماية الأسرة.
كما شددت عضوة مجلس الشيوخ على أهمية التحرك الوقائي وبدء التوعية بمفاهيم حماية الجسد ومواجهة التحرش والعنف من داخل المدارس وفي المراحل التعليمية البسيطة، وصولاً إلى بناء وعي مجتمعي حقيقي يحمي الأجيال القادمة.
وفيما يخص التهديدات الحديثة، حذرت النائبة من مخاطر الألعاب الإلكترونية وبعض التطبيقات التي تُبنى على محاكاة وتغذية غرائز العنف والعدوانية لدى الأطفال والمراهقين، مشيرة إلى أن مجلس الشيوخ سبق وأن ناقش دراسة متكاملة حول الألعاب الإلكترونية وطالب بتوطينها وزيادة الرقابة على المحتوى المحلي بما يتناسب مع الهوية والقيم المجتمعية.
وشددت النائبة هبة شاوريم على أن أعضاء مجلس الشيوخ مستمرون في تحويل المقترحات البرلمانية والدراسات المجتمعية إلى أدوات عمل وتشريعات فاعلة، داعية إلى استمرار التواصل والتنسيق الدائم بين البرلمان ومؤسسات الدولة المعنية والمجتمع المدني للوصول إلى بيئة آمنة ومستقرة لجميع المواطنين.
وعكست المناقشات تعدد أبعاد قضية العنف ضد النساء والأطفال، والحاجة إلى تجاوز المعالجة القانونية وحدها، نحو منظومة متكاملة تشمل الإصلاح التشريعي، والتأهيل المؤسسي، والدعم النفسي والاجتماعي، وتطوير السياسات الاقتصادية والتعليمية، بما يضمن الانتقال من النصوص القانونية إلى حماية فعلية على أرض الواقع.






