محمد فؤاد
محمد فؤاد

الاقتصاد المصري.. والدواء المر الذي طال

بينما تتحدث المؤشرات الرسمية عن تحسن نسبي في معدلات النمو، وارتفاع الاحتياطيات، وتحقيق فوائض أولية، يبقى السؤال الأكثر حضورًا في الشارع المصري: لماذا لا يشعر المواطن بهذا التحسن؟.

لسنوات طويلة، جرى تقديم الإصلاح الاقتصادي باعتباره “دواءً مرًا” لابد منه، وأن كلفته مؤقتة، وأن نتائج الاستقرار ستنعكس تدريجيًا على مستوى المعيشة وفرص العمل وجودة الحياة، لكن المشكلة أن هذا “المؤقت” طال أكثر مما ينبغي، حتى أصبح قطاع واسع من المواطنين يشعر أن الألم مستمر، بينما التعافي لا يزال مؤجلاً.

هذا السؤال لم يعد مجرد انطباع شعبي عابر، بل أصبح معضلة اقتصادية وسياسية حقيقية، تكشف عن فجوة متسعة بين الاقتصاد، كما يظهر في التقارير، والاقتصاد كما يعيشه الناس يوميًا.

الواقع أن جزءًا كبيرًا من الأزمة لا يتعلق فقط بحجم الضغوط الاقتصادية، وإنما بطبيعة النموذج نفسه، فحين يصبح النجاح الاقتصادي مُقاسًا فقط بالمؤشرات الكلية المجردة، دون النظر إلى أثرها على معيشة المواطن، تظهر حالة الانفصال الحالية بين “الاستقرار المالي” و”الاستقرار الاجتماعي”.

كما أن هذا المسار الاقتصادي تعرض خلال العامين الأخيرين لاختبار شديد القسوة بفعل التوترات والحروب الإقليمية، سواء عبر اضطراب حركة التجارة والطاقة، أو تراجع إيرادات قناة السويس، أو ارتفاع تكلفة التأمين والشحن، أو زيادة الضغوط على النقد الأجنبي وتمويل الواردات، وهو ما كشف هشاشة الاعتماد المفرط على التدفقات قصيرة الأجل والمصادر غير المستقرة للعملة الأجنبية.

البيانات نفسها تكشف هذه المفارقة بوضوح، فرغم تحقيق فائض أولي بالموازنة، ما زال العجز الكلي مرتفعًا، وخدمة الدين تلتهم الجزء الأكبر من الإيرادات والإنفاق العام، بينما تتراجع المساحة المتاحة للصحة والتعليم والدعم والاستثمار الاجتماعي الحقيقي.

وفي الوقت ذاته، يعتمد جزء مهم من الاستقرار النقدي الحالي على تدفقات قصيرة الأجل في أدوات الدين الحكومية، وهي تدفقات شديدة الحساسية للفائدة وسعر الصرف، سبق أن خرجت من السوق المصرية في موجات عنيفة خلال أعوام 2018 و2020 و2022، ثم عادت حالة القلق مجددًا مع تصاعد التوترات والحرب الإقليمية المرتبطة بإيران وما صاحبها من اضطرابات في أسواق الطاقة والشحن والمخاطر الجيوسياسية في المنطقة، واليوم عادت هذه التدفقات إلى مستويات تاريخية تقترب من 53 مليار دولار.

المشكلة هنا ليست في وجود هذه التدفقات بحد ذاتها، وإنما في تحولها تدريجيًا إلى أحد أعمدة الاستقرار الاقتصادي، بما يربط بين استقرار سوق الدين واستقرار سعر الصرف بصورة شديدة الحساسية، وكلما تضخم الحجم، تضاعفت المخاطر.

كما أن الاقتصاد المصري شهد خلال السنوات الماضية نموًا غير متوازن، تركز بصورة أكبر في قطاعات لا تولد أثرًا تشغيليًا واسعًا أو تحسنًا متكافئًا في توزيع العوائد، بما ساهم في تعميق الفجوة بين النمو الاقتصادي والتنمية الشاملة.

وفي نوفمبر 2024، صدرت عن مركز العدل لدراسات السياسات العامة ورقة بعنوان “الفجوة الهيكلية: لماذا لا يشعر المواطن بأثار النمو الاقتصادي في مصر؟”، حاولت توصيف هذه الحالة باعتبارها أزمة هيكلية ممتدة، لا مجرد أزمة مؤقتة مرتبطة بالتضخم أو سعر الصرف، بل فجوة بين النمو الرقمي والتنمية الفعلية وجودة الحياة. 

صندوق النقد الدولي نفسه، في مراجعاته الأخيرة، لم يتحدث عن أزمة عابرة، بل أشار بوضوح إلى تباطؤ الإصلاحات الهيكلية، وتعثر برنامج التخارج، واستمرار مزاحمة الدولة للقطاع الخاص، وضعف بيئة المنافسة، وتأخر الإصلاحات الضريبية، إلى جانب اختلالات هيكل الدين العام. 
وهنا تظهر الأزمة الاعمق: الاقتصاد يتحسن ماليًا بصورة جزئية، لكنه لم ينجح بعد في إعادة بناء دورة إنتاجية حقيقية قادرة على خلق شعور عام بالتحسن.

فالنمو الذي لا يصل إلى التشغيل، ولا يرفع الدخول الحقيقية، ولا ينعكس على جودة الخدمات، يتحول تدريجيًا إلى “نمو بلا أثر اجتماعي”.

ولهذا، لم يعد غريبًا أن يشعر المواطن بأن الأسعار تتحرك أسرع بكثير من دخله، فالتضخم التراكمي خلال السنوات الأخيرة كان عنيفًا بصورة غير مسبوقة، بينما ظلت القدرة الشرائية تحت ضغط مستمر، وفي المقابل، تركز جانب كبير من السياسات على إدارة الاستقرار المالي والنقدي، لا على إعادة بناء القوة الشرائية للأسر.

الأخطر أن هذا الوضع يخلق مع الوقت حالة إنهاك مجتمعي صامت؛ حيث يشعر المواطن أن كل مؤشرات التحسن تدور حوله دون أن تمسه فعليًا.

جزء مهم من الأزمة أيضًا يرتبط بطبيعة هيكل الاقتصاد نفسه، إذ ما زالت مساهمة القطاع الخاص الإنتاجي أقل من المطلوب، وما زال الجهاز المصرفي يوجه نسبة كبيرة من موارده إلى أدوات الدين الحكومية، بما يضعف التمويل الموجه للنشاط الإنتاجي الحقيقي. 

وفي المقابل، تستمر الاختلالات الهيكلية في قطاع الطاقة، وتتكرر أزمات الإمدادات والتكلفة، بما يضيف ضغوطًا إضافية على الصناعة والتنافسية والمالية العامة في الوقت نفسه. 

ولهذا، فإن الحديث عن الإصلاح لم يعد يمكن اختزاله في سعر صرف مرن، أو خفض عجز، أو رفع احتياطي فقط، الإصلاح الحقيقي هو الذي ينجح في خلق اقتصاد أكثر انتاجية، أقل اعتمادًا على التمويل قصير الأجل، وأكثر قدرة على توليد فرص العمل والدخل المستدام.

كما أن إدارة الدين نفسها تحتاج إلى مراجعة أعمق، لأن الاعتماد المستمر على أدوات قصيرة الأجل، أو الصفقات المالية المؤقتة، أو الضغط على الإنفاق الاستثماري والخدمي لحماية المؤشرات، لا يحل الأزمة بقدر ما يؤجلها. 

المواطن لا يطلب قراءة تقارير مالية معقدة، ولا ينتظر فهم تفاصيل المراجعات الدولية، ما يهمه ببساطة هو: هل تحسنت قدرته على الحياة؟ هل أصبح أكثر أمانًا اقتصاديًا؟ هل أصبح قادرًا على التخطيط لمستقبل أسرته دون قلق دائم؟.

وهنا تحديدًا تكمن الفجوة، فالدولة نجحت نسبيًا في تجنب سيناريوهات أكثر خطورة، ونجحت في استعادة قدر من الاستقرار المالي، لكن الانتقال من “منع الانهيار” إلى “تحقيق التحسن الملموس” ما زال المهمة الاصعب، خصوصًا في بيئة إقليمية مضطربة تفرض ضغوطًا مستمرة على الاقتصاد المصري وتقلص هامش المناورة أمام صانع القرار.

ولمن يسال: أين الحل؟

ربما نتحدث عن ذلك مرة أخرى، لكن في كل الأحوال، يظل فهم المشكلة كما هي، دون تجميل أو تبسيط مخل، هو بداية أي حل حقيقي.

لأن الاقتصاد، في النهاية، لا يقاس فقط بما تقوله المؤشرات… بل بما يشعر به الناس.