محمد فؤاد
محمد فؤاد

٤٢ مليار دولار.. الطاقة: البند الأغلى في مصر

منذ أكثر من عامين وأنا أحذر، فيما أطرحه، من أن أكبر خطر يواجه الاقتصاد المصري لم يعد سعر الصرف أو التضخم أو حتى الدين العام في حد ذاته، وإنما ملف الطاقة، إذ كتبت عن تراجع الإنتاج المحلي، وتحدثت عن مخاطر الاعتماد المتزايد على الواردات، وقدمت استجوابًا لوزير البترول، كما تقدم نواب حزب العدل بطلبات إحاطة متعددة حول مستقبل أمن الطاقة واستدامة القطاع، ورفعنا أوراق عمل ومقترحات تفصيلية إلى مجلس الوزراء وإلى وزارة البترول نفسها.

لكن المشكلة أن هناك قناعة راسخة لدى دوائر الإدارة التنفيذية بأن الأمور تسير في الاتجاه الصحيح، رغم أن الأرقام نفسها تقول شيئًا مختلفًا تمامًا، لدرجة أنني تصورت أن هناك شيئا خفيا تعلمه الحكومة ولا تكشفه عنه، بما يطمئنها وسط هذه الأرقام المفزعة.

فاليوم تشير التقديرات إلى أن فاتورة الطاقة التي تتحملها مصر تقترب من 42 مليار دولار سنويًا، وهنا الحديث ليس فقط عن الغاز المسال، وإنما عن منظومة كاملة تشمل واردات النفط الخام، والمنتجات البترولية، والغاز المستورد عبر الخطوط، ومستحقات الشركاء الأجانب، وغيرها من الالتزامات المرتبطة بتأمين احتياجات الطاقة.

هذا الرقم ليس رقمًا عابرًا في موازنة دولة كبيرة، بل هو أحد أكبر البنود التي تستنزف النقد الأجنبي في الاقتصاد المصري بأكمله، فوفقًا للبيانات المتاحة، تستورد مصر ما يقارب 1.1 مليار دولار شهريًا من الغاز المسال وحده، وما يقارب نصف مليار دولار من النفط الخام، ونحو مليار دولار من المنتجات البترولية المختلفة مثل البنزين والسولار والمازوت والبوتاجاز.

يضاف إلى ذلك ما يقرب من 250 مليون دولار شهريًا لواردات الغاز عبر الخطوط، فضلًا عن التزامات تتراوح بين 750 مليونًا إلى مليار دولار شهريًا تجاه الشركاء الأجانب، وبذلك يقترب إجمالي المطلوب شهريًا من 3.5 مليار دولار، أي نحو 42 مليار دولار سنويًا.

الأخطر أن هذه الفاتورة الضخمة ليست نتيجة توسع اقتصادي استثنائي أو طفرة صناعية كبرى تبرر هذا الحجم من الاستهلاك، وإنما نتيجة اتساع الفجوة بين ما ننتجه وما نستهلكه.

ففي بداية عام 2024 كان إنتاج الغاز الطبيعي يقترب من 5 مليار قدم مكعبة يوميًا، أما اليوم فقد انخفض إلى نحو 3.7 مليار قدم مكعبة يوميًا فقط، أي أن مصر فقدت خلال عامين ما يزيد عن مليار قدم مكعبة يوميًا من الإنتاج المحلي، بما يعادل تراجعًا يتجاوز 20%.

وفي الحقيقة فهذه ليست أرقامًا مفاجئة، بل إن مسار التراجع كان واضحًا، إذ كانت الحقول العملاقة تدخل مراحل النضج الطبيعي، والاستثمارات الجديدة لم تكن كافية لتعويض التناقص، ومستحقات الشركاء ظلت لفترات طويلة تمثل عبئًا على عمليات التنمية والاستكشاف.

لكن بدلاً من التعامل مع المشكلة باعتبارها أزمة هيكلية تحتاج إلى تدخل مبكر، جرى التعامل معها باعتبارها مشكلة مؤقتة يمكن تجاوزها بشحنة غاز إضافية أو تعاقد جديد أو مؤتمر صحفي أو صورة جماعية جديدة.

لكن الأثر كان أن كل انخفاض في الإنتاج المحلي يتحول تلقائيًا إلى واردات إضافية، وكل واردات إضافية تعني طلبًا أكبر على الدولار. وكل دولار إضافي يخرج لتأمين الطاقة يضغط على ميزان المدفوعات والاحتياطي النقدي وسعر الصرف والمالية العامة في الوقت نفسه.

والأمر لم يعد مجرد ملف يخص وزارة البترول أو وزارة الكهرباء، حيث تحول إلى قضية اقتصادية وطنية شاملة تمس كل جوانب الاقتصاد، فحين تنفق الدولة عشرات المليارات من الدولارات سنويًا على الطاقة، فإن ذلك ينعكس على قدرتها على الإنفاق الاستثماري وعلى قدرتها على تمويل الخدمات العامة وعلى حجم الاقتراض المطلوب لتغطية الاحتياجات المختلفة.

كما أن الضمانات الحكومية المرتبطة بقطاع الطاقة ارتفعت بصورة كبيرة خلال السنوات الأخيرة، وأصبحت تمثل الجزء الأكبر من الضمانات الحكومية القائمة، وكذلك ارتفعت مديونيات قطاعات الطاقة المختلفة إلى مستويات غير مسبوقة، وهو ما يعكس حجم الضغوط المالية المتراكمة داخل القطاع.

ورغم كل ذلك ما زلنا نرى إدارة للمشهد يغلب عليها الطابع الإعلامي أكثر من الطابع التنفيذي، فالوزير يلتقط الصور مع اكتشاف جديد أو توقيع جديد، ورئيس الوزراء يكرر أن الأمور تحت السيطرة وأن الدولة تجاوزت الأزمة، بينما تشير البيانات الفعلية إلى استمرار انخفاض الإنتاج وارتفاع فاتورة الاستيراد واتساع الاعتماد على الخارج.

والمشكلة ليست في التصوير ولا في التواصل الإعلامي، بل في أن الصورة أصبحت أحيانًا بديلًا عن مواجهة الواقع نفسه، وكأن المطلوب هو إدارة الانطباع العام لا إدارة الأزمة، أو أن هذه السياسة سوف تحل الأزمة!

لقد ناقشنا هذه القضية مرارًا داخل حزب العدل، وطرحنا مقترحات تتعلق بتسريع تنمية الحقول المكتشفة، وإعادة هيكلة إدارة ملف الطاقة، وتعزيز التنسيق بين البترول والكهرباء، وتوسيع برامج كفاءة الطاقة، وتنويع مصادر الإمداد، ورفع كفاءة التخطيط طويل الأجل، كما قدمنا هذه الرؤى في أكثر من مناسبة رسمية.

لكن ما زالت هناك فجوة بين ما تقوله الأرقام وما يبدو أن بعض دوائر صنع القرار ترغب في تصديقه، والسؤال الحقيقي اليوم ليس كيف سنتدبر شحنات الغاز للشهر المقبل أو كيف سنعبر الصيف الحالي، لكنه كيف سنوقف هذا المسار بالكامل.. كيف سنعيد الإنتاج المحلي إلى النمو؟ وكيف سنمنع تحول مصر إلى مستورد دائم ومتزايد للطاقة؟ وكيف سنحمي الاقتصاد من أن يصبح رهينة لفاتورة طاقة تقترب من 42 مليار دولار سنويًا؟ رقم يزيد سنويا داخل اقتصاد يعاني من فجوة تمويلية عميقة.

خطورة الرقم لا تتوقف عند حجمه المطلق. ففاتورة الطاقة التي تقترب من 42 مليار دولار أصبحت تعادل تقريبًا ما تحققه مصر من السياحة وقناة السويس والأموال الساخنة مجتمعة في بعض السنوات. وهي تقترب من حجم تحويلات المصريين العاملين بالخارج، وتمثل ما يقارب 80% من إجمالي الصادرات السلعية المصرية، كما تعادل نحو ربع الدين الخارجي للدولة. نحن نتحدث عن بند واحد فقط يستهلك موارد هائلة من النقد الأجنبي ويزاحم كل القطاعات الأخرى على التمويل.

لقد حذرنا من هذا المسار مرارًا، وطرحنا بدائل ومقترحات ورؤى في البرلمان والحزب وفي النقاش العام. وما زلت أتمنى أن تكون تقديراتنا خاطئة، وأن تكون لدى الحكومة معطيات أكثر تفاؤلًا مما نراه في البيانات المنشورة. لكن حتى الآن، تظل الأرقام تتحدث بلغة مختلفة.

وإذا كان هناك درس واحد تفرضه علينا هذه الأرقام، فهو أن إدارة الانطباعات لا تنتج جزيئًا واحدًا من الغاز، وأن المؤتمرات والصور والتصريحات لا تخفض فاتورة الاستيراد دولارًا واحدًا. وحدها السياسات الصحيحة والاستثمار الكافي والإدارة الرشيدة قادرة على تغيير المعادلة.

ومع استمرار المسار الحالي، لن تكون المشكلة أننا لم نر الخطر قادمًا، بل أننا رأيناه بوضوح كامل، وواصلنا التصرف وكأنه غير موجود.