
القاهرة أثينا… كيف تبني السينما جسورا بين الفن والسياحة والثقافة؟
بين أمواج خليج كورنث باليونان وأضواء السينما الصيفية المفتوحة، تتحول مدينة لوتراكي اليونانية إلى منصة عالمية للحوار الثقافي، يجتمع المخرجون وصناع الأفلام والفنانون من مختلف دول العالم في مهرجان “الجسور” السينمائي الدولي، ليؤكدوا أن الفن ما زال قادرًا على بناء جسور بين الشعوب في وقت تتزايد فيه الانقسامات.
يوفر المهرجان مساحة فريدة تلتقي فيها الثقافات، ويتم فيها تبادل الأفكار، وتُعرض قصص سينمائية من دول وخلفيات مختلفة، مما يبرز دور السينما كلغة عالمية قادرة على تعزيز التفاهم والتسامح والتواصل الإنساني خارج حدود الجغرافيا.
من مصر إلى اليونان، يظل البحر المتوسط شاهدًا على قصص إنسانية وثقافية مشتركة، بينما تؤكد السينما مرة أخرى قدرتها على تجاوز الحدود واللغات وبناء جسور جديدة بين الشعوب، فإذا كان البحر المتوسط قد ربط بين ضفتي الدول عبر آلاف السنين من التجارة والحضارة، فإن السينما في مهرجان الجسور بمدينة لوتراكي تحاول اليوم أن تربط بين شعوب المنطقة من جديد عبر القصص الإنسانية المشتركة.
في الحلقة الثانية من سلسلة تحقيقات أسرار المتوسط ” القاهرة – أثينا”، نزور مدينة لوتراكي بمهرجان جسور الدولي باليونان BRIDGES، في أجواء تجمع بين سحر البحر المتوسط ودفء الليالي الصيفية، تستضيف المدينة اليونانية وعلى بعد ساعة من العاصمة أثينا المهرجان الدولي في سينما ألكترا الصيفية على شاطىء البحر المتوسط.
“الجسور” مهرجان دولي على سواحل اليونان
تكتسب مشاركة الأفلام القادمة من دول البحر المتوسط والدول الأوروبية أهمية خاصة داخل مهرجان “الجسور” BRIDGES، إذ تعكس قضايا مشتركة تجمع شعوب المنطقة، من الهجرة والهوية إلى البيئة والبحر والثقافة الشعبية، وبينما يفصل البحر المتوسط جغرافيًا بين عشرات الدول، تبدو السينما في لوتراكي وكأنها تعيد وصل هذه الضفاف من جديد عبر قصص إنسانية تتجاوز الحدود واللغات.
ويأتي المهرجان بفعاليات الدورة الثامنة و الذي يقام خلال الفترة من 13 إلى 21 يونيو 2026 بمشاركة واسعة من صناع السينما والفنانين من مختلف دول العالم، وتشارك دول بعدد من الأفلام ومنها بيرو، سويسرا، اوغندا، كندا، بريطانيا اليونان.

أكثر من عشرة دول تُشارك في المهرجان الدولي “جسور” في اليونان
يشارك في مهرجان “جسور” الدولي للأفلام في لوتراكي 2026 مجموعة واسعة من صناع السينما من دول متعددة، ما يعكس طابعه العالمي والإنساني، يمتد الحضور ليشمل مخرجين من اليونان، كندا، الولايات المتحدة، اليابان، رومانيان أوكرانيا، المكسيك، سويسرا، أوغندا، إسبانيا وألمانيا، إضافة إلى مشاركات أوروبية وآسيوية وأفريقية أخرى، ما يجعل المهرجان مساحة التقاء ثقافات وتجارب سينمائية مختلفة.
ومن أبرز صناع الأفلام المشاركين في البرنامج: المخرجة لیزا ثيملي عن فيلم Coming Soon الذي يوثق الأيام الأخيرة لمسرح “إيذال” التاريخي في أثينا، والمخرجة ساندرا بوهلر عن الفيلم الوثائقي WE PUSH – For a World Without Barriers الذي يتناول قضية الإعاقة والنضال الإنساني في أوغندا.
كما تشارك ستلا مايكل بفيلم Centaurs الذي يناقش العلاقات السامة والدورات النفسية المعقدة، إلى جانب غولسيل أوزكان بفيلم Homelandsickness الذي يعالج قضية التهجير التاريخي بين اليونان وتركيا.
ويبرز أيضاً عمل Little Time Travelers لكل من إلبيدا كوكينوجيني وجيورجيوس بابادوبولوس، وهو مشروع تعليمي يوثق ذاكرة قرية عبر مشاركة الأطفال.
كما تضم القائمة أفلاماً لافتة مثل BRIDGE – My Little Friends للمخرج كازويكي إيشيهارا من اليابان، وPhotons in Love لأليكسا تسوني، وPulp من رومانيا الذي يستعيد ذاكرة الطفولة في أجواء ما قبل انهيار الشيوعية، إضافة إلى أفلام مثل Play Along من المكسيك وFace-off من كندا، وغيرها من الأعمال التي تجمع بين الدراما والأنيميشن والوثائقي.

من حيث المحتوى، يمكن القول إن مهرجان “جسور” يقدّم برنامجاً متنوعاً يضم أفلاماً قصيرة روائية ووثائقية وأنيميشن، مع حضور قوي للأفلام الاجتماعية والإنسانية التي تناقش قضايا مثل الحرب والهجرة والذاكرة والطفولة والإعاقة والعنف الأسري، كما يفتح مساحة واضحة للأصوات الشابة والمشاريع الطلابية، وهو ما يمنحه طابعاً تعليمياً وثقافياً إلى جانب كونه منصة عرض سينمائي.
وبشكل عام، يظهر مهرجان “جسور” كمهرجان يهتم بالأفكار والقضايا الإنسانية العميقة، فهو يسعى إلى بناء “جسور” حقيقية بين الثقافات من خلال السينما، عبر ربط أوروبا بالشرق الأوسط وأفريقيا وآسيا، وخلق حوار ثقافي حيّ بعد العروض من خلال جلسات النقاش مع المخرجين، لذلك يمكن وصفه بأنه مهرجان سينمائي فكري وإنساني وتجريبي، يمنح الأولوية للمضمون والتجربة الفنية أكثر من الشهرة التجارية للأفلام.

يحمل المهرجان اسم “الجسور” في إشارة إلى دوره في تعزيز التواصل الثقافي بين الشعوب من خلال الفن السابع، حيث يقدم عشرات العروض السينمائية التي تشمل الأفلام الروائية والوثائقية والقصيرة وأفلام الرسوم المتحركة، إلى جانب ورش العمل والندوات المهنية وحفل جوائز.
ومن داخل سينما “إلكترا” الصيفية المفتوحة، تُعرض عشرات الأفلام القادمة من مختلف أنحاء العالم، يلتقي الجمهور اليوناني بزوار ومخرجين وفنانين من ثقافات متعددة، في مشهد يؤكد أن الفن لا يزال أحد أهم أدوات الحوار والتفاهم بين الشعوب.
ويعد المهرجان فرصة مهمة للحوار بين الثقافات، إذ يجمع مخرجين ومنتجين ونقادًا وجمهورًا من خلفيات مختلفة تحت مظلة واحدة، ما يخلق مساحة لتبادل الخبرات والأفكار حول قضايا المجتمع والهوية والبيئة وحقوق الإنسان.
الثقافة والسياحة والفن في لوتراكي اليونانية
وخلال جولة ليبرالي في لوتراكي، بدا واضحًا أن المهرجان لا يقتصر على كونه حدثًا فنيًا، بل أصبح جزءًا من هوية المدينة الثقافية والسياحية، حيث ينعكس حضوره على الحركة الاقتصادية والسياحية ويمنح المدينة حضورًا دوليًا متزايدًا على خريطة الفعاليات الثقافية الأوروبية.

ورحب مسؤولي المهرجان بـــ ليبرالي في حضور وتغطية الفعاليات، كما رحبت مديرة المهرجان بتواجدنا وتواجد الحضور وقالت: أنها زارت مصر في أحد المهرجانات الدولية مما يعكس القبول والتعاون الدولي بين الثقافة السينمائية الممتدة لدول البحر المتوسط.

كما وصفت مؤسسة ومديرة المهرجان بيترا تيرزي دور المهرجانات السينمائية بأنها ليست مجرد واجهة لعرض الأفلام، بل ورش عمل للأفكار والإبداع و الثقافية”، في إشارة إلى قدرة الفن على خلق حوار يتجاوز الحدود والجغرافية.

أما عن بيترا ترزي فهي مخرجة ومنتجة وسينمائية، درست إدارة الأعمال، والدراسات الكلاسيكية، والتدريب على الحياة، والإخراج السينمائي، والكتابة، والإنتاج السينمائي، وقد تم اختيار أفلام بيترا، التي أنتجتها بين عامي 2016 و2019، للمشاركة في أكثر من 60 مهرجانًا، كما حصلت بيترا على جوائز ووصلت إلى المرحلة النهائية في أكثر من 20 مهرجانًا سينمائيًا، ومن أهمها: فيلم “الاستوديو – أن تنتمي إلى نفسك” – وهو بمثابة إثبات لفكرة فيلم روائي طويل – هو أول فيلم قصير من إخراج بيترا خلال دراستها، وقد تم اختياره رسميًا في ركن الأفلام القصيرة في مهرجان كان السينمائي التاسع والستين في مايو 2016.
وتم تأسس مهرجان “جسور” السينمائي الدولي عام ٢٠٠٨ ضمن احتفالات مرور ١٥٠ عامًا على تأسيس مدينة كورينث، أقيم المهرجان برعاية وزارة النقل والاتصالات في اليونان، ونُظّم بالتعاون مع المركز الثقافي لمدينة كورينث، وقد استقبله كل من وزير النقل والاتصالات، ووزير الثقافة، وعمدة مدينة كورينث، ورئيس المركز الثقافي، ومحافظ البيلوبونيز ،يتعاون مهرجان “بريدجز” السينمائي الدولي مع مهرجان قبرص السينمائي الدولي، ويقدم كلاهما فئتين: “أفلام نسائية” (مخرجة و/أو منتجة) وأفلام “50/50” التي تضم 50% من المخرجين والمخرجات، وذلك لتحقيق تناغم في الأفكار المطروحة وتوازن في البرنامج والتوازن النوعي والجندري.
وتتنافس بعض أبرز الأفلام الحديثة على الجائزة الكبرى لمهرجان جسور الدولي، “بيغاسوس الذهبي’، والتي ستُمنح للفيلم الذي تختاره لجنة تحكيم دولية مرموقة من خبراء السينما.
مهرجان جسور السينمائي الدولي في الصحافة
وتؤكد الصحافة الثقافية اليونانية أن مهرجان الجسور يمنح مساحة للأفلام التي تتناول قضايا إنسانية واجتماعية مثل السلام والبيئة والتنوع والمساواة وحقوق الإنسان، وهي موضوعات مشتركة بين شعوب المتوسط رغم اختلاف اللغات والثقافات.
كما توضح التغطيات الإعلامية اليونانية الخاصة بالمهرجان أن “BRIDGES” لم يعد مجرد حدث محلي لعرض الأفلام، بل تحول إلى منصة سينمائية دولية تستضيف أعمالًا من عشرات الدول، وتمنح مساحة للأفلام المستقلة والقصيرة والوثائقية، إلى جانب فعاليات النقاش ولقاءات ما بعد العرض بين الجمهور وصناع الأفلام، وهو ما يعزز فكرة السينما كحوار مباشر وليس مجرد عرض بصري.

وتبرز الصحافة الثقافية اليونانية أن المهرجان يعتمد على مفهوم “الدبلوماسية الثقافية عبر السينما”، حيث يتم استخدام الأفلام كوسيلة لفهم القضايا المشتركة بين الشعوب والتقاطع بشكل واضح بين دول البحر المتوسط، خصوصًا بين جنوب أوروبا وشمال إفريقيا والشرق الأوسط.
فكما كان البحر المتوسط عبر التاريخ جسرًا للتجارة والثقافة والحضارات، تحاول السينما اليوم أن تقوم بالدور نفسه، ناقلةً قصص الشعوب وآمالها وتحدياتها من ضفة إلى أخرى، لتؤكد أن ما يجمعنا أكبر بكثير مما يفرقنا وذلك الجمع عبر السينما والفن والبحر.












