بائعة الشاي لن تعود إلى منزلها.. قصة ضحية جديدة لقيادة القُصر

يعرفها الجميع.. تقف أمام سيارة صغيرة مستقرة أمام مسجد العوضي بشارع الجيش بحدائق الأهرام، من يمر عليها، تسأله إن كان يرغب في الشاي أو القهوة أو النسكافية، أو أي مشروب آخر بحسب المتاح، يطلبه منها من يمر بسيارته أو مترجلاً مشروب سريع بثمن بسيط، تعود به إلى منزلها بعد مرور يوم طويل من العناء، ثم تعاود مرة أخرى لعملها.
يوم الأربعاء،17 يونيو، في ذلك اليوم، لم يكن المشهد ككل يوم، وقفت الفتاة بجوار سيارة الشاي الصغيرة البيضاء التي تمثل مصدر رزقها الوحيد، بينما كانت حركة المرور تسير كالمعتاد، وفجأة، ظهرت من بعيد سيارة رمادية تنطلق بسرعة جنونية، وكان خلف عجلة القيادة طفل في الخامسة عشر من عمره، لا يحمل رخصة قيادة ولا يملك الخبرة الكافية للتعامل مع الطريق.

في ثوانٍ معدودة، تحول الشارع إلى ساحة مأساة مليئة بالدماء، اصطدمت السيارة المسرعة بسيارة الشاي بقوة هائلة، لتطير الفتاة مع أحلامها الصغيرة إلى السماء، وتصاب زميلتها الأخرى، بينما وقف شاب آخر يصغر بائعة الشاي بعامين يراقب المشهد المروع الذي صنعه بسبب السرعة والتهور وغياب المسؤولية، ومعه صديقته التي وقفت بجواره وهي تبتسم وتضحك في لامبالاة لفتت الانتباه، بينما تسارع شهود العيان في نفس مكان الحادث ليقروا بأن الفتاة هي من كانت تقود السيارة وقامت بدهس المجني عليها وليس الشاب.

على الطريق بقيت سيارتان محطمتان، الأولى كانت مصدر رزق لفتاة خرجت تبحث عن لقمة العيش وكافحت من أجل الحياة، والثانية سيارة يقودها طفل بلا رخصة قيادة ولا بطاقة شخصية، وبين السيارتين سقطت روح بريئة، في مشهد يكشف حجم الاستهتار وغياب المسؤولية، سيارتان تحطمتا، وحياة أزهقت، وكارثة كان يمكن تجنبها لو وُجدت رقابة حقيقية من الأسرة وتطبيق حاسم للقانون.

الحادث المروع لوفاة بائعة الشاي بحدائق الأهرام بمحافظة الجيزة، فتح ملف قيادة الأطفال لسيارات ذويهم دون الحصول على رخصة قيادة مما يتسبب في كوارث مرورية في غياب المسؤولين والقانون، حيث تباشر النيابة التحقيقات في الواقعة بعد القبض على متسبب الحادثة، واتخاذ الإجراءات القانونية اللازمة بحبس ثلاثة متهمين في الواقعة، والد الشاب والبنت والشاب، الذي أقر بأن الفتاة هي من كانت تقود، ووفقا لشهود العيان الذين أقروا بذلك أيضًا.

الحادث ليس الأول، وربما لن يكون الأخير، في ظل انتشار ظاهرة قيادة الأطفال للسيارات في بعض المناطق، بتشجيع أو تساهل من أولياء الأمور الذين يتعاملون مع الأمر باعتباره نوعًا من الترفيه أو إثبات المهارة، متجاهلين أن الطريق لا يعترف بالعمر ولا بالمجاملات، وأن خطأً واحدًا قد يكلف إنسانًا حياته.
الوقائع المتكررة تكشف أن المشكلة لم تعد مجرد تصرف فردي أو حادث عابر، بل ظاهرة تتسع في ظل تساهل بعض الأسر وضعف الردع المجتمعي، حتى باتت الطرق مسرحًا لتجارب قيادة غير قانونية يدفع ثمنها الأبرياء.

حوادث قيادة الأطفال للسيارات
ومن خلال رصد “ليبرالي” ومراجعة عدد من الحوادث المنشورة خلال الأعوام 2020 وحتى 2026، في الصحف أو المتداولة عبر وسائل التواصل الإجتماعي، تبين وجود نمط متكرر غير معلن لأطفال وقُصّر يقودون سيارات مملوكة لأسرهم، وسط تشجيع الاهالي وضحايا يدفعون الثمن، من رشيد إلى العاشر من رمضان، ومن أسيوط والإسماعيلية إلى حدائق الأهرام تتشابه التفاصيل بينما يبقى السؤال واحدًا: من سلم مفتاح السيارة لطفل لا يملك رخصة ولا أهلية قانونية للقيادة؟ وأين القانون والرقابة المرورية!.
رسم بياني يوضح الحصر المعلوماتي لحوادث قيادة الأطفال للسيارات من عام 2020 حتى 2026
الحصر والظاهرة
أثناء بحث “ليبرالي”، تبين عدم وجود سجل مركزي لعدد حوادث قيادة الأطفال للسيارات، حيث لا يوجد حصر محدد لهذه الحوادث، ورغم تكرارها، كما لا توجد إحصائية رسمية باسم هذه الظاهرة بشكل مستقل، رغم تكرار وقوعها في عدد من المحافظات.
ورغم ذلك، تستمر هذه الحوادث في الظهور بشكل متكرر، و لا تزال ظاهرة قيادة الأطفال للسيارات مستمرة في عدد من المحافظات، والمناطق التي ليس بها رقابة مرورية كافية، وتعكس المشكلة ارتباطها بالسلوك المجتمعي وتطبيق القانون.
وبينما يدفع الأبرياء الثمن في بعض الحالات، يظل السؤال مطروحًا: هل تكفي العقوبات الحالية، أم أن الأمر يحتاج إلى رقابة مرورية أكثر صرامة وتطبيق حاسم للقانون على كل من يسمح لطفل بقيادة سيارة؟.
القانون والعقوبة.. من يتحمل المسئولية قانونيًا؟
يقول أحمد حسن، المحامي والخبير القانوني :” لابد من وجود ردع لمثل هذه الحالات من الاستهتار للسماح بطفل لقيادة سيارة وتعرض الآخرين للخطر، مجتمعيًا لابد من التنظيم لتواجد أماكن تسمح بقيادة السيارات في أماكن مخصصة للتعليم بعيدًا عن التكتلات السكانية أو الشوارع الرئيسية، أما عن قانون المرور المصري فهو لا يحمّل المسؤولية لقائد السيارة فقط، بل يمتد إلى كل من سمح له بالقيادة دون وجه حق”.
وتنص المادة 81 مكرر “3” من قانون المرور على أنه مع عدم الإخلال بأي عقوبة أشد، يُعاقب بذات العقوبة المقررة للجريمة كل من سمح بقيادة مركبة لشخص يقل عمره عن 18 عامًا أو لشخص غير مرخص له بالقيادة، إذا ترتب على ذلك إصابة أو وفاة أو أضرار للغير، كما يعاقب القانون على القيادة بدون رخصة، مع تشديد العقوبات في التعديلات الأخيرة، بهدف الحد من الحوادث الناتجة عن القيادة غير القانونية.







