مواطنون يروون لـ”ليبرالي” مآسي القبض والمنع من السفر وأحكامًا فوجئوا بها بعد سنوات

خبراء قانون: الإعلان التدليسي يهدر حق الدفاع ويصيب المحاكمة العدالة في مقتل
وزارة العدل تراهن على المنصات.. والتكنولوجيا ليست عصا سحرية ضد الثغرات
ليس كل حكم قضائي عنوانه العدالة، فقبل أن يصل الحكم بين الخصوم، يجب أن يعلم كل طرف بوجود دعوى مرفوعة ضده وأن تتاح له فرصة حقيقية للدفاع عن نفسه، لكن الواقع يكشف آلاف الحالات التي فوجئ أصحابها بأحكام قضائية وإجراءات تنفيذية لم يعلموا عنها شيئًا، بسبب ما يُعرف في الأوساط القانونية بـ”الإعلان الأمريكاني”، وهو إجراء شكلي قد يبدو صحيحًا على الورق، لكنه يؤدي إلى غياب العلم الحقيقي بالدعوى وحرمان الخصم من الدفاع.
وفي خطوة مهمة لحماية حق التقاضي، أرست محكمة النقض المصرية في الطعن رقم ٣٧١٨٩ لسنة ٩٢ قضائية الصادر بجلسة ٢٥ يناير ٢٠٢٢ مجموعة من المبادئ القانونية المهمة، أكدت فيها أن إعلان صحيفة الدعوى يعد ضمانة جوهرية لصحة الخصومة، وأن بطلان الإعلان يؤدي إلى بطلان الحكم نفسه إذا ترتب عليه حرمان الخصم من حقه في الدفاع.
وراء المصطلح القانوني عشرات القصص الإنسانية المؤلمة

ورغم ذلك مازال الكثير يعانون معاناة حقيقية فيجد أحدهم أن يتم إيقافه بأحد الكمائن الأمنية، ويفاجأ بصدور حكم ضده ويتم القبض عليه وترحيله ليقف حائرًا متعجبًا ماذا يحدث وأي حكم وما هي القضية؟.
هذا بالفعل ما حدث مع تامر رمسيس، الشاب الثلاثيني من محافظة سوهاج، الذي يتنقل بين المحافظات بحثا عن لقمة العيش حيث يلجأ لمصانع محافظة الدقهلية للحصول على الملابس الجاهزة وتوزيعها بمحافظات أخرى، وخلال استقلاله أحد السيارات فوجيء بإيقافه بأحد الكمائن وبالبحث برقمه القومي تبين أنه صادر ضده حكم في قضية إيصال أمانة، ليقف مصدومًا لما يحدث معه.
يقول “تامر” لـ”ليبرالي”:” وأنا على بوابة سوهاج تفاجأت بالأمر وقاموا بسؤالي عن عنوان لي في المنصورة بشارع عمر بن عبدالعزيز المتفرع من شارع الترعة وأنه محرر ضدي 5 محاضر بقسم أول المنصورة على هذا العنوان الوهمي وأنا عنواني تابع لقسم أول سوهاج، الأمر الذي لم أكن أعلم عنه شيئا ولم يتم إخطاري من قبل، لم أجد نفسي إلا مكبل الأيادي، وبقيت يومين في أسيوط، ثم تم ترحيلي من قبل تنفيذ الأحكام إلى المنصورة، ولم يكن أحد يعلم عني شيئا، ثم تقدمت بمعارضة وخرجت”.

أما عم محمد الحسيني، 70 عامًا، فيروي معاناته التي بدأت عام 2019 أثناء سفره لأداء العمرة مع زوجته، عندما أوقفه أحد أفراد الشرطة بالمطار قبل أن يتبين أن المطلوب هو نجله كريم، حيث علم لاحقًا بصدور أمر وقتي بمنع نجله من السفر وترقب وصوله على خلفية قضايا رفعتها طليقته بمحكمة الزنانيري.
ويقول إن نجله كان يمر بضائقة مالية تسببت في تأخره عن سداد النفقات، بينما كانت طليقته تقيم الدعاوى على عنوان مسكن الزوجية رغم حصولها على حكم تمكين منه، مع علمها بإقامة كريم خارج البلاد وعدم إخطاره أو إخطاره هو بصفته وكيلاً عنه بالعناوين الصحيحة.
وأضاف أنه أرسل إنذارًا على يد محضر يطالب بإخطاره بأي دعاوى جديدة، إلا أنه فوجئ باستمرار نظر القضايا وصدور أحكام دون علمه المسبق، مشيرًا إلى أنه اكتشف مؤخرًا دعوى مصروفات علاجية تم تأجيلها للحكم، إلى جانب دعاوى أخرى تتعلق بزيادة النفقات.
واختتم حديثه قائلًا:” أنا رجل سبعيني، أرهقني التنقل بين المحاكم ومفاجآت الأحكام. لو تم إخطاري مبكرًا لما تحملت كل هذه المعاناة، وأتمنى تطبيق الإعلانات عبر رسائل الهاتف المحمول”.
أما هند 54 عاما فتروى حكايتها قائلة:” كنت مسافرة خارج مصر لمدة 7 سنوات ولدي شقة بأحد المساكن الحكومية في قرية بحقيرة ، وفور عودتي إلى مصر فوجئت ببيع شقتي بين طرفين من ذات المنطقة رغم أن هذه الشقق غير مصرح بيعها ولكن الأهالي يتحايلون على القانون، وتم تحرير صحة توقيع على العقد باسم محمود عبالحميد قضية رقم 7969″.
وأضافت أن الأطراف التي تتهمهم قاموا ببيع الشقة أكثر من مرة وأكثر من قضية صحة عقد توقيع، وكانوا يعلمون أنها خارج مصر فكانوا يكتبون عنوانًا وهميا، الأمر الذي تسبب في ضياع حقها، ومنذ عودتها منذ 4 سنوات وهي في دوامة، ومازالت تعاني في إثبات حقها بسبب الإعلان الأمريكي.
كيف يسقط الإعلان الباطل حق الخصومة؟

الدكتور هيكل الراوي، المحامي الحاصل على دكتوراه في القانون الجنائي، يرى أن الإعلان الأمريكاني يبدو صحيحًا من الناحية الشكلية لكنه يفتقد الهدف الأساسي للتشريع من إجرائه، وهو إعلام الخصم علمًا يقينيًا بالدعوى، مضيفًا:” في بعض الحالات نشهد توجيه أوراق الدعوى إلى عناوين قديمة أو غير مسجلة أو يتم الإعلان فيها بالاعتماد على بيانات قديمة وغير دقيقة، ما يحول الإجراء من وسيلة لحماية حق الدفاع إلى أداة لإخفاء الخصومة عن صاحبها، فيفاجأ بعد سنوات بحكم نهائي أو إجراء تنفيذي دون أن تتوفر له فرصة للدفاع عن نفسه”.
وتابع في حديثه لـ”ليبرالي” أن خطورة الظاهرة في بعض المنازعات التي تعتمد بصورة كبيرة على إجراءات الإعلان، مثل دعاوى الأحوال الشخصية، والنفقة، والتمكين، والإيجارات، والمطالبات المالية، وأوامر الأداء، وبعض منازعات التنفيذ، وفي هذه القضايا قد يؤدي الإعلان الوهمي إلى صدور أحكام وآثار قانونية خطيرة قبل أن تتاح للخصم أي فرصة حقيقية للدفاع عن نفسه أو تقديم مستنداته.
عبء إضافي على منظومة القضاء
ولا تقتصر آثار الإعلان الوهمي على المتقاضين وحدهم، بل تمتد إلى منظومة العدالة بأكملها، إذ تؤدي الأحكام التي تصدر بناءً على إعلانات معيبة إلى زيادة أعداد الطعون وإعادة نظر القضايا، بما يضيف أعباءً إضافية على المحاكم ويؤثر على سرعة الفصل في المنازعات.
وحول إدراك حجم الأزمة، قال يكفي أن نتخيل مواطنًا يعمل خارج البلاد لسنوات طويلة، ثم يعود ليكتشف صدور أحكام نهائية ضده في دعاوى لم يعلم بوجودها أصلًا، أو زوجًا يفاجأ بعد سنوات بأحكام نفقة ومتجمد نفقة وإجراءات تنفيذية لم تتح له فرصة مناقشتها أمام المحكمة، أو مالك عقار يجد نفسه أمام حكم أو إجراء تنفيذي لم يسمع عنه من قبل، فهذه ليست وقائع خيالية، وإنما نماذج واقعية تكررت داخل ساحات المحاكم وأصبحت سببًا في كثير من المنازعات المتعلقة ببطلان الإعلانات والأحكام.
تحديات منتظرة
وأوضح “الراوي” أن التحول الرقمي لن يقضي على المشكلة بالكامل، إذ لا تزال هناك تحديات تتعلق بعدم تحديث بعض المواطنين لبياناتهم الشخصية، والفجوة الرقمية لدى كبار السن وبعض الفئات الأقل تعاملًا مع التكنولوجيا، فضلًا عن احتمالات نشوء منازعات حول مدى كفاية الإخطار الإلكتروني لإثبات العلم بالإعلان.
وأضاف أن المنظومة الرقمية تواجه أيضًا تحديات مرتبطة بالأمن السيبراني وحماية البيانات، إلى جانب الجدل القانوني المتوقع بشأن حجية الإعلانات الإلكترونية خلال المرحلة الانتقالية. ورغم ذلك، فإن التجارب الدولية أثبتت نجاح الإعلان القضائي الإلكتروني في تعزيز الكفاءة والشفافية وتقليل النزاعات.
واختتم “الراوي” بالتأكيد على أن تطوير وسائل الإعلان وحده لا يكفي، بل يتطلب الأمر تشريعات أكثر صرامة لمواجهة حالات الإعلان التدليسي المتعمد، ومعاقبة من يستخدم بيانات غير صحيحة بقصد حرمان الخصم من حقه في الدفاع، مشددًا على أن جوهر القضية هو تحقيق العلم الحقيقي بالإعلان وليس مجرد استيفاء الشكل القانوني.
الإعلان الإلكتروني.. فرصة للإصلاح
في مواجهة هذه الإشكالية، تتجه وزارة العدل بالتعاون مع وزارة الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات إلى تطبيق منظومة الإعلان القضائي الإلكتروني اعتبارًا من الأول من أكتوبر المقبل.

قال الدكتور حسين عمر، المحامي بالاستئناف، إن الإعلانات الوهمية أو الموجهة إلى عناوين غير صحيحة تسببت في صدور أحكام ضد مواطنين لم يكونوا على علم بالإجراءات القضائية، وهو ما يظهر في عدد من القضايا المدنية والجنائية والأسرية.
وأوضح أن التوسع في تطبيق الإعلان الإلكتروني يمثل خطوة مهمة للحد من هذه الإشكاليات، لكنه يثير تساؤلات تتعلق بحماية البيانات الشخصية، خاصة إذا أصبح رقم الهاتف وسيلة رسمية للإعلان القضائي، ما يستلزم توفير ضمانات قانونية وتقنية تمنع إساءة استخدام البيانات.
وأشار إلى أن المنظومة الإلكترونية، المقرر بدء تطبيقها في أكتوبر المقبل، لن تقضي على جميع المشكلات لكنها ستحد من جزء كبير منها، مؤكدًا أن نجاحها يتوقف على توفير الحماية القانونية للبيانات، ووضع آليات واضحة لمعالجة النزاعات، إلى جانب تدريب وتأهيل العاملين بالمحاكم للتعامل بكفاءة مع النظام الجديد.
الإعلان الأمريكاني يفتح باب التلاعب

قالت المستشارة هايدي الفضالي، رئيس محكمة الأسرة وجنايات الطفل سابقًا، إن ما يُعرف بـ”الإعلان الأمريكاني” يمثل إشكالية حقيقية، إذ قد لا يصل الإعلان فعليًا إلى محل إقامة الزوج، ما يؤدي أحيانًا إلى علمه بالدعوى أو الحكم الصادر ضده بعد فوات الأوان، مشيرة إلى أن بعض الحالات قد تشهد استغلالًا لهذا الأمر، بما يترتب عليه اتخاذ إجراءات أو الحصول على مستحقات دون إخطار الطرف الآخر على النحو الصحيح.
الرقمنة حل أمثل
وأكدت في حديثها لـ”ليبرالي” أن مواجهة هذه الإشكالية تتطلب التوسع في الرقمنة، موضحة أن مشروع قانون الأسرة الجديد يتضمن تنسيقًا بين وزارتي العدل والاتصالات لإنشاء قواعد بيانات متكاملة وإرسال الإخطارات مباشرة إلى المواطنين، بما يعزز الشفافية ويتيح للمتقاضي متابعة قضيته إلكترونيًا والاطلاع على مواعيد الجلسات والإجراءات الخاصة بها.
وأضافت أن نجاح المنظومة يتطلب لوائح تنفيذية دقيقة وضمانات تمنع الاعتماد على بيانات قديمة أو غير محدثة، مع دور فني وتقني لضمان وصول الإعلانات إلى أصحابها الحقيقيين، مشيرة إلى أنه في الوقت الحالي يتم أحيانًا اللجوء إلى الإعلان عن طريق جهة الإدارة أو البريد المسجل عند تعذر الوصول إلى الشخص، وهو ما قد يفتح الباب لبعض صور التلاعب رغم خضوعه للرقابة القضائية.
وأشارت إلى أن المشكلة لا تقتصر على قضايا الأسرة، بل تمتد إلى القضايا المدنية والجنائية وغيرها، ما يستدعي إلزام المواطنين بتحديث بيانات الاتصال الخاصة بهم بصورة مستمرة، حتى لا يفاجأ أي شخص بإجراءات أو أحكام غيابية دون علمه.
كما شددت على ضرورة مواجهة الدعاوى والبلاغات الكيدية من خلال جزاءات رادعة على من يسيء استعمال حق التقاضي، مؤكدة أن الرقمنة يجب أن تبدأ منذ قيد المحاضر والدعاوى في أقسام الشرطة والنيابات، بما يتيح للمواطن معرفة أي إجراءات متخذة ضده في مراحلها الأولى.
التحايل في إقامة الدعوى
وعن إقامة دعاوى في محافظات أخرى، أوضحت أن الاختصاص المكاني يحدد وفق العنوان الرسمي للمواطن، إلا أن بعض الحالات قد تشهد تحايلاً أو تدليسًا في البيانات، ما يعزز الحاجة إلى تمكين المواطنين من متابعة أي إجراءات أو دعاوى ضدهم منذ بدايتها.
وأكدت أن المحاكم تمتلك كوادر فنية جيدة، إلا أن نجاح التحول الرقمي يتطلب مزيدًا من التدريب والتأهيل للعاملين، إلى جانب تطوير البنية الإدارية والتنظيمية وتسريع تفعيل المنظومة لتحقيق الاستفادة الكاملة من الرقمنة في منظومة العدالة.
بين عدالة الشكل وعدالة الحقيقة
ورغم أهمية التحول الرقمي، يؤكد الخبراء أن المعركة الحقيقية لا تدور بين الإعلان الورقي والإلكتروني، بل حول قدرة أي نظام على تحقيق العلم الحقيقي للخصم، وأخرى تكتفي باستيفاء الإجراءات الشكلية.
فالتكنولوجيا قد تقلل فرص التلاعب، لكنها ليست وحدها كافية لمواجهة حالات الإعلان التدليسي المتعمد، ويقع العبء الأكبر على كاهل المشرّع في وضع الجزاءات المناسبة على كل من يتعمد إعلان غير صحيح أو يتحايل على المحكمة بقصد الحصول على حكم في غيبة خصمه.







