
وقع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، والرئيس الإيراني، مسعود بيزشكيان، مساء الأربعاء، اتفاقًا مبدئيًا لإنهاء الحرب بمشاركة رئيس الوزراء الباكستاني، شهباز شريف، وكجزء من بنود الاتفاق الأربعة عشر، ستجرى محادثات إضافية للتوصل إلى اتفاق نهائي خلال الستين يومًا القادمة، يعاد خلالها فتح مضيق هرمز، ويدرك النظام الإيراني الآن أن هذا الممر الملاحي الحيوي سلاح يمكن استخدامه، بينما مازالت تحركات إسرائيل وسعيها لاستمرار الحرب مع لبنان، وهو ما يعرقل الاتفاق مع لبنان التي تشترط وقفت القتال على جميع الجبهات بما فيها لبنان، وهو ما يُعني أن الاتفاق مازال معلق، خاصة بعد إرجاء جفل التوقيع الرسمي، والذي كان مقرر اليوم الجمعة في سويسرا، لأسباب قيل أنها فنية.
وتعطي هذه الملابسات سواء المتعلقة بلبنان أو تأجيل توقيع التفاق، أنه لا توجد حتى الآن يدعليا تدير الأمور مع وجود حالة الربيبة بين الطرفي الأمريكي والإيراني، خاصة أن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، دخل الحرب على إيران بمجموعة أهداف طموحة وغير واقعية، منها إسقاط النظام الإيراني، والقضاء على البرنامج النووي وتدمير برنامج الصواريخ الباليستية، وإنهاء الدعم لوكلائها في المنطقة بما فيهم حزب الله وحركة حماس، وخرج منها بتعهد إيراني بعدم بناء سلاح نووي، وإعادة فتح مضيق هرمز الذي كان مفتوحًا قبل العمليات العسكرية.
نقاط الاتفاق
وبعيدًا عن طموحات وتطلعات “ترامب” حيث أن الاتفاق لم يلبي طموحاته، بل حققت إيران مكاسب من خلال الاتفاق طبقًا للبنود والتي جاء فيها:
- أن الولايات المتحدة تتعهد، بالتعاون مع الشركاء الإقليميين، بوضع خطة نهائية متفق عليها، مع تخصيص ما لا يقل عن 300 مليار دولار أمريكي لإعادة إعمار إيران وتنميتها الاقتصادية.
- أن الولايات المتحدة ستنهي جميع أنواع العقوبات المفروضة على إيران.
- إيران تؤكد مجددًا أنها لن تحصل على أسلحة نووية أو تطورها، لكن لا تزال بنود أخرى من البرنامج قيد التفاوض، واتفق الطرفان على مناقشة مسألة التخصيب وغيرها من المسائل المتفق عليها والمتعلقة باحتياجات جمهورية إيران الإسلامية النووية.
- عند التوقيع، وحتى رفع العقوبات، ستصدر وزارة الخزانة الأمريكية تراخيص لتصدير النفط الخام الإيراني ومشتقاته، وجميع الخدمات المرتبطة به.
- تتعهد الولايات المتحدة بإتاحة الأموال والأصول المجمدة أو المقيدة لإيران بالكامل للاستخدام.
- بعد التوقيع – رهناً بتنفيذ البنود 1 و4 و5 و10 و11 – ستبدأ الولايات المتحدة وإيران مفاوضات بشأن الاتفاق النهائي حصرًا فيما يتعلق بالبنود الأخرى.

تهديدات “هيجسيث”
على الجانب الآخر، هدد وزير الدفاع الأمريكي بيت هيجسيث، بإعادة فرض الحصار البحري المحكم إذا لم تنفذ إيران ما وعدت به وتتخلى عن طموحاتها النووية.
ودعا “هيجسيث” المملكة المتحدة تحديدًا إلى “تكثيف جهودها، وبذل المزيد من الجهد، وزيادة الإنفاق”، ويشير تحديدًا إلى ضرورة مساعدة الولايات المتحدة إذا احتاجت الأخيرة إلى الوصول إلى قواعدها العسكرية في المملكة المتحدة ودييغو غارسيا -جزء من جزر تشاجوس في المحيط الهندي، وتضم قاعدة عسكرية سرية مشتركة بين الولايات المتحدة والمملكة المتحدة-، وقد علق رئيس الوزراء كير ستارمر، خططه لنقل ملكية الجزر إلى موريشيوس وسط معارضة من “ترامب”.

مكاسب طهران
ينص الاتفاق على عدم امتلاك طهران سلاحًا نوويًا، وهو ما كانت تردده الجمهورية الإسلامية منذ سنوات، وورد ذكره في اتفاق العام 2015 الذي انسحب منه الرئيس ترامب في ولايته الأولى، معلنًا أنه قادر على إبرام اتفاق أفضل بكثير.
وفي الإطار المكون من 14 بندًا، ترد الإشارة الوحيدة إلى طبيعة البرنامج النووي الإيراني في ذكر “تخفيض نسبة التخصيب” في الـ440 كيلوجرامًا من اليورانيوم الإيراني، المخصب بنسبة 60% تقريبًا، وهي النسبة القريبة جدًا من نسبة التخصيب اللازمة لصنع الأسلحة، وهو تنازل قدمته إيران في محادثات جنيف في فبراير 2026 قبل يومين من هذه الحرب، ولا يوجد أي ذكر لمطالبة الرئيس “ترامب” المتكررة بشحن ما يسميه “الغبار النووي” إلى الولايات المتحدة.
كانت إيران قبل الهجوم الأمريكي الإسرائيلي مهددة بتغيير النظام بالقوة، والآن بعد الوصول للاتفاق أصبحت على قدم المساواة مع واشنطن، فقد شهد النظام الإيراني أسوأ كوابيسه، هجوم مشترك من واشنطن وتل أبيب، وها هو قد نجح في تجاوزه، كما اكتشف النظام الإيراني ورقة ضغط رابحة وأرخص وأكثر فاعلية، وهي إغلاق مضيق هرمز، مجرد إطلاق بضعة صواريخ على عدد قليل من ناقلات النفط كفيل بإعادة إغلاق مضيق هرمز إذا أرادت إيران ذلك، وهو أمر معروف للجميع، وهذا بالتأكيد سيمنح النظام في طهران قوة كبيرة.

الخليج تنفس الصعداء
تتنفس دول الخليج مجددًا وإن كان بحذر، فالاتفاق الأمريكي الإيراني يعني إعادة فتح مضيق هرمز أمام حركة الملاحة البحرية الطبيعية، ونهاية وصول المسيرات والصواريخ الإيرانية للأجواء الخليجية، لكن على الرغم من نجاح التفاوض على مذكرة التفاهم، لا تزال هناك بعض الأسئلة الجادة التي يتعين حلها.
أهمها الملف النووي، فالأيام الستون القادمة فترة قصيرة جدًا للتوصل إلى آلية لمراقبة البرنامج النووي الإيراني، بما يمنع أي احتمال لانخراطه سرًا في تطوير سلاح نووي، وقد استغرق التوصل إلى اتفاق العمل الشامل المشترك لعام ٢٠١٥، الذي انسحب منه الرئيس ترامب في ولايته الأولى، عشرة أضعاف هذه المدة.
كما يبقي خطر محاولة إيران فرض نموذج جديد على حركة الملاحة البحرية، بفرض “رسوم” بدلا من “رسوم عبور”، وهما في الواقع شيء واحد، وكذلك آلية تمويل صندوق إعادة الإعمار، فمن المقرر أن تحصل إيران على صندوق بقيمة 300 مليار دولار أمريكي لإعادة الإعمار، ممول في معظمه من دول الخليج العربي نفسها التي شنت عليها الهجمات.

الانتقادات للاتفاق
يواجه هذا الاتفاق انتقادات واسعة، بما في ذلك انتقادات من المتشددين من كلا الجانبين، تأتي بعض أشد الانتقادات حدة من وزير الخارجية الأمريكي الأسبق أنتوني بلينكن، وكتب بلينكن على موقع X:” الإنجاز الوحيد لوقف إطلاق النار هو إعادة فتح مضيق هرمز على الأرجح، والذي كان مفتوحًا قبل اندلاع الحرب، ويبدو أننا سندفع لإيران مقابل ذلك”.
وأثار عضو الكونجرس توماس ماسي، مخاوف بشأن مبلغ الـ 300 مليار دولار المخصص لإيران في الاتفاق، حيث نشر على وسائل التواصل الاجتماعي أن “300 مليار دولار تعادل خمسة أضعاف ما ينفقه الكونجرس على الطرق والجسور سنوياً”.
ومن المتوقع أن تستفيد إيران بمليارات الدولارات من إعفاءات مبيعات النفط وتحرير الأصول المجمدة، قبل تقديم أي تنازلات حقيقية بشأن البرنامج النووي، لكن المسئولين الأمريكيين الذين أطلعوا الصحفيين في واشنطن أمس أكدوا أن الإغاثة المالية ستعتمد على سلوك إيران خلال المفاوضات.
وقال مسئول في الإدارة الأمريكية:” إذا أبدوا حسن سلوك، على سبيل المثال، زودونا بالغبار النووي أثناء انخراطنا في هذه المفاوضات النهائية، فسوف نفرج عن بعض الأصول المجمدة استجابةً لذلك”.

لبنان.. الحجرة العثرة
وفي غضون ذلك، لا تزال العمليات العسكرية الإسرائيلية في لبنان نقطة خلاف حادة مع الولايات المتحدة، ويقول الجيش الإسرائيلي إن قواته لا تزال تمارس عملياتها في جنوب لبنان ضمن منطقة أمنية تمتد حوالي 10 كيلومترات داخل البلاد، لأسباب تتعلق بـ”الضرورات العملياتية”، على الرغم من أن المذكرة تنهي أي أعمال عدائية أخرى.
ولم يدل بنيامين نتنياهو بأي تصريحات علنية منذ توقيع الولايات المتحدة وإيران مذكرة تفاهم لوقف الحرب الخميس، وقد نأى نتنياهو بنفسه عن الاتفاق، إذ صرح للتلفزيون الإسرائيلي الإثنين الماضي، بأن ترامب هو من يقود المفاوضات.
ولم تشارك إسرائيل بشكل مباشر في محادثات السلام، لكن ترامب قال خلال مؤتمر صحفي يوم الأربعاء، قبل التوقيع إنه أرسل لهم نسخة من النص النهائي، وراهن بنيامين نتنياهو بمستقبله السياسي على الحرب مع إيران، ولا يزال يصر على نجاح هذه الحملة، حتى مع سرد منتقديه للأسباب التي جعلت إيران تخرج أقوى من هذا الصراع، وعلى ما يبدو أنه خسر الرهان.
في غضون ذلك، تظهر تعليقات أعضاء حزب الليكود الذي يتزعمه نتنياهو، ووزراء من اليمين المتطرف في حكومته الائتلافية، الضغوط التي يواجهها من داخل حزبه، الداعية لتحدي ترامب ومواصلة القتال ضد حزب الله في لبنان، وكتب وزير الأمن القومي الإسرائيلي اليميني المتطرف إيتامار بن غفير، على وسائل التواصل الاجتماعي الإثنين الماضي:” اتفاق ترامب لا يلزمنا، لسنا شركاء في هذا الاتفاق الذي لا يضمن أمننا”، كما أنه عاد يوم الجمعة، وهدد بسحق لبنان، مما يهدد الاتفاق مع إيران، كما أطلق “بن غفير” تصريحات الجمعة، مهددًا بضرب لبنان كله، مما يشكل تهديدا خطيرًا على مستقبل الاتفاق.
كما وصف داني دانون، سفير إسرائيل لدى الأمم المتحدة والحليف المقرب لنتنياهو، اتفاق وقف إطلاق النار بأنه “سيئ للغاية لإسرائيل”.

النفط يواصل انخفاضه
واصلت أسعار النفط انخفاضها بعد توقيع الولايات المتحدة وإيران مذكرة تفاهم الليلة الماضية، حيث بدأ خام برنت -المعيار العالمي للنفط- الأسبوع بتداول حوالي 86.80 دولارًا، ويتداول حاليًا عند 77.90 دولارًا، بانخفاض قدره 1.6% تقريبًا خلال الخميس.
ألحقت الحرب الأمريكية الإسرائيلية ضرر بالغ بإيران، فأسطولها البحري يرقد في قاع الخليج العربي، وقواتها الجوية مدمرة، واقتصادها في حالة يرثي لها، لكنها خرجت بوضع مالي أفضل مما كانت عليه قبل الحرب، وذلك من خلال الامتيازات التي ستحصل عليها من بيع النفط بحرية، ورفع التجميد عن الأصول، والاستثمارات الضخمة لإعادة الإعمار، ما يُعني أن كل تلك الامتيازات تخضع لمدى قدرة الاتفاق على الصمود.
يمكن وصف الاتفاق الإيراني الأمريكي، بأنه أسوأ خطأ في السياسة الخارجية الأمريكية، ولربما يتقلب ريغان في قبره غضبًا كما وصفه السيناتور الأمريكي المنتهية ولايته بيل كاسيدي، فالاتفاق الذي وقع في عهد أوباما ووصفه ترامب بالسيئ، وقع الأخير على اتفاق يتيح لطهران الوصول لأموال أكثر من التي اتفق عليها سلفه، لكن يمكن القول أنها أفضل خيار مطروح لإنهاء حرب كانت من البداية خاطئة.
لذا فالجميع في انتظار ما ستنتجه الأيام القادمة سواء في الداخل الإيراني أو على طاولة المفاوضات، كما لدينا العامل الأهم الذي لم يختبر بعد، مجتبى خامنئي، حيث لا نعرف بعد كيف سيكون كمرشد أعلى للجمهورية الإسلامية، وكيف ستتعامل الحكومة الإيرانية مع كل الطوائف الداخلية المتشددة والإصلاحية منها.





