
من المتوقع أن يعلن كير ستارمر، غدًا الإثنين، استقالته من منصب رئيس الوزراء، بعد ضغوط هائلة من نواب حزب العمال لإفساح المجال أمام آندي بورنهام لتولي زعامة الحزب، لتكون المملكة المتحدة قد شهدت سابع رئيس وزراء لها في عشر سنوات، وهو أعلى معدل تغيير في نحو قرنين من الزمان، مما يعكس الغضب من إخفاقات الحكومات المتعاقبة في تحسين الخدمات العامة ومعالجة قضايا مثل الهجرة غير الشرعية.
كان رئيس الوزراء وحلفاؤه قد أصروا لأسابيع، قبل الانتخابات الفرعية في ماكرفيلد، التي فاز فيها “بورنهام” بمقعد في البرلمان، على أنهم سيخوضون معركة شرسة ضد أي تحد على الزعامة من “بورنهام” أو أي شخص آخر، بينما بدأ آخر الموالين لستارمر بالانشقاق بعد فترة وجيزة من استقالة “جون هيلي” المفاجئة من منصب وزير الدفاع، بسبب فشل رئيس الوزراء مرة أخرى في اتخاذ القرار.
لكن صباح الأحد، صرح وزير الأعمال “بيتر كايل” لشبكة سكاي نيوز بأن “ستارمر” سيقضي عطلة نهاية الأسبوع في التفكير مليًا في الواقع السياسي الذي يواجهه، ورفض “كايل” الإفصاح عن رأيه في خطط “ستارمر”، أو ما طلبه من رئيس الوزراء.

السخط الشعبي على “ستارمر”
يتزايد السخط الشعبي على رئيس الوزراء منذ أشهر، حيث يسعى نواب حزب العمال جاهدين إلى عكس تراجع شعبية الحكومة منذ أن قاد “ستارمر” حزب يسار الوسط إلى فوز ساحق في انتخابات يوليو 2024.
ويواجه “ستارمر” صعوبات في تحقيق النمو الاقتصادي الموعود، وإصلاح الخدمات العامة المتهالكة، وتخفيف غلاء المعيشة، وقد أعاقته أخطاء متكررة، من بينها قراره بتعيين “بيتر ماندلسون” صديق جيفري إبستين، المتورط في فضائح، سفيرًا للمملكة المتحدة لدى الولايات المتحدة.

تحذيرات لتلافي مصير المحافظين
في تحذير مبطن لأولئك الذين يتوقعون من “بيرنهام” أن يغير مسار الحزب، قال “كايل” إن حزب العمال بحاجة أيضًا إلى التعلم من المحافظين، الذين عندما يروا تحديًا في حزبهم، كانوا يعتقدون دائمًا أن تغيير الشخص في القمة سيصلح كل شيء، وهو بشكل واضح ليس صحيحًا.
يأتي ذلك التحذير في الوقت الذي يجادل نواب حزب العمال بأن المشكلة ليست بالضرورة في الحزب، بل في الشخص الذي يقوده، كما يعتقدون أن رئيس الوزراء لا يحظى بشعبية شخصية، وأن كير ستارمر هو من يعيق تقدم حزبه.
كما أفادت إحصاءات رويترز أن أكثر من 100 نائب منتخب من حزب ستارمر، أي ما يقرب من ربع ممثلي حزب العمال في مجلس العموم ، صرحوا علنًا برغبتهم في استقالته أو وضعوا جدولًا زمنيًا لرحيله.

انتخابات ماكرفيلد.. القشة التي قصمت ظهر البعير
لم يكن فوز آندي بورنهام، متقاربًا على الإطلاق، فقد تغلب على حزب الإصلاح بسهولة، وبالنسبة لنواب حزب العمال الذين يشعرون باليأس حيال كيفية مواجهة حزب الإصلاح بزعامة “نايجل فاراج”، مهندس خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، فإن لديهم الآن مرشح للقيادة يمكنه الادعاء بأنه يمتلك سجلًا حافلًا في تحقيق ذلك.
كان عشرات النواب قد طالبوا “ستارمر” بالاستقالة، وقد ازدادت هذه القائمة منذ يوم الخميس الماضي، بانضمام وزراء كبار في الحكومة إلى الأصوات المطالبة بذلك سرًا.
إن حقيقة أن وزراء، من بينهم وزيرة الخارجية “إيفيت كوبر”، ووزيرة الداخلية “شبانة محمود”، ووزيرة النقل “هايدي ألكسندر”، قد طالبوا رئيس الوزراء بالرحيل، ومع ذلك ما زالوا في مناصبهم، هي دليل قاطع على انهيار سلطة “ستارمر”.

هل هناك منافسة على منصب رئيس الوزراء في حال استقال “ستارمر”؟
يعد “بورنهام” السياسي المخضرم البالغ من العمر 56 عامًا، الآن المرشح الأوفر حظًا لتولي منصب رئيس وزراء المملكة المتحدة المقبل، لكن لطالما صرحت ويس ستريتينج، وزيرة الصحة السابقة، بأنها ستترشح، لكن حلفاءها يطالبون الآن بإجراء حوارات بين المرشحين لمنصب رئيس الوزراء.
كما هناك تلميحات إلى إمكانية التوصل إلى اتفاق، مع أن فريق ستريتينج، يؤكد حاليًا أن موقفه لم يتغير، ومن الممكن أن يترشح شخص آخر، لكن لن يتاح له وقت طويل لحشد 81 نائبًا لدعمه والترشح للقيادة.
لم يعلن “بيرنهام” تحديًا رسميًا لستارمر على الفور، لكنه استغل خطاب فوزه ليعد بمسار جديد للبلاد، وقد حث حلفاؤه “ستارمر” على الموافقة على التنحي وتسليم السلطة طواعية.

متي سيتولى رئيس الوزراء الجديد منصبه؟
هناك بعض الخلافات داخل حزب العمال البرلماني حول شكل الانتقال المنظم للسلطة، وتحديدًا المدة الزمنية اللازمة لذلك، حيث ترغب بعض الشخصيات المؤثرة في معسكر “بورنهام” أن يتولى منصبه بالتزامن مع المؤتمر السنوي لحزب العمال في أواخر سبتمبر المقبل، معتقدين أن ذلك سيمنحه مزيدًا من الوقت للاستعداد للحكومة ويضمن له القدرة على بدء العمل فور توليه رئاسة الوزراء.
لكن هناك مؤيدين بارزين آخرين يرون أن هذا الجدول الزمني بطيء للغاية، بحجة أن فترة انتقالية مدتها ثلاثة أشهر ستشل عمل الحكومة تمامًا، إذ ستتحول التكهنات حول خطط بورنهام للحكومة إلى حالة من الهياج.

مرشح “بورنهام” لوزارة الخزانة
من المسائل التي تثار حولها تكهنات واسعة النطاق، مسألة من سيعينه بورنهام وزيرًا للخزانة، ففي الأيام الأخيرة، رأى بعض النواب أن المنافسة محصورة بين وزير الطاقة “إد ميليباند”، ووزيرة الداخلية “شبانة محمود”، لكن من المتوقع الآن أن تبقى شبانة محمود في منصبها الحالي إذا أصبح “بورنهام” رئيسًا للوزراء.
وذكرت صحيفة التايمز يوم السبت الماضي، أن “بورنهام” سيقيل وزيرة المالية راشيل ريفز إذا تولى رئاسة الوزراء، وذلك بعد أن خلص مستشاروه إلى أنها لا تمثل تغييراً كافياً في التوجه.
ويثير احتمال تولي “ميليباند” منصب وزير الخزانة قلقًا بالغًا لدى يمين حزب العمال، الذين سيرون في تعيينه تحولًا واضحًا نحو اليسار، وقال أحد الوزراء:” إذا اختير ميليباند، فسيغضب نحو مائة نائب من حزب العمال منذ البداية”، وقد حثت “شارون غراهام” الأمينة العامة لنقابة “يونايت” العمالية، بورنهام علنًا على عدم تعيين “ميليباند”.

موقف “بورنهام” من ملف الهجرة
أيد “بورنهام” في ماكرفيلد إصلاحات وزيرة الداخلية “شبانة محمود” المتشددة، لكن ثورة عمالية تلوح في الأفق ضدهم، حيث تقود أنجيلا راينر، حملة شرسة ضد سياسة تضييق الخناق على الأشخاص الذين قدموا إلى المملكة المتحدة للعمل كمقدمي رعاية، وإجبارهم على الاستقرار الدائم، وهل يريد وزير الدولة في حكومة برونهام حقًا طرد العاملين المهاجرين في مجال الرعاية الصحية من نظام منهك أصلًا؟.
كما لا تزال هناك تساؤلات كبيرة عالقة حول الاقتراض والضرائب والإنفاق على الرعاية الاجتماعية والدفاع مقابل الوصول إلى الحياد الكربوني، بخاصةً إذا أصبح “إد ميليباند” وزيرًا للمالية، هل سيلتزم بورنهام بالالتزام بالقواعد المالية التي وضعتها راشيل ريفز؟ .
سيؤدي “بيرنهام” الذي حقق فوزًا ساحقًا على حزب الإصلاح البريطاني في الانتخابات الفرعية التي جرت الأسبوع الماضي في دائرة مانشستر الكبرى، اليمين الدستورية كنائب في البرلمان يوم الإثنين، ومن المقرر أن يلتقي برئيس الوزراء مطلع هذا الأسبوع، ويزعم مؤيدوه أنه حصل على دعم أكثر من 201 نائبًا من حزب العمال لمنافسة ستارمر على زعامة الحزب في حال عدم استقالة رئيس الوزراء طواعية.
وسواء خاض “بورنهام” الانتخابات أم لا، يجب على حزب العمال إيجاد طرق لاختبار أفكاره خلال الصيف، وسد الثغرات التي قد تنكشف بشكل مؤلم في حال توليه السلطة، والأهم من ذلك في سبتمبر يجب عليه بذل قصارى جهده لجعل ما تبقى من أفكاره فعالًا، ربما يكون آندي بيرنهام، قد منح حزب العمال فرصة ثانية، لكن إذا أضاع هذه الفرصة فلن تكون هناك فرصة ثالثة.
كان هناك وقت يسخر فيه البريطانيون من الإيطاليين لتغييرهم قادتهم كل عامين تقريباً، أما الآن فهم يبدون كنموذج للاستقرار، وستضطر بريطانيا قريبًا إلى إفساح مساحة أكبر في موكب إحياء ذكرى الأحد لنصب سينوتاف التذكاري، لصفوف رؤساء الوزراء السابقين.





