
وصل الرئيس الإيراني، مسعود بزشكيان، إلى باكستان في زيارة دولية على متن طائرة خاصة تحمل اسم “ميناب 168″، تخليدًا لذكرى 168 شخصًا قتلوا في هجوم شنته القوات الأمريكية والإسرائيلية على مدرسة للبنات، في مدينة ميناب الإيرانية، في اليوم الأول من تفجر الحرب في فبراير الماضي.
وتعد أول رحلة خارجية لبزشكيان منذ أن شنت الولايات المتحدة وإسرائيل غارات على إيران، واستقبله نظيره الباكستاني آصف علي زرداري، ورئيس الوزراء شهباز شريف، ونائب رئيس الوزراء ووزير الخارجية “إسحاق دار”، في قاعدة عسكرية قرب العاصمة إسلام آباد الثلاثاء الماضي.
وتعد هذه الزيارة الثانية للرئيس “بزشكيان” إلى باكستان، وجاءت زيارته الأولى في أغسطس 2025، بعد أيام من الحرب الإيرانية الإسرائيلية التي استمرت 12 يومًا، وكانت أيضًا أول رحلة خارجية له عقب ذلك الصراع، ويواجه الاتفاق الإيراني الأمريكي نفس الانقسامات الداخلية التي طغت على مفاوضات خطة العمل الشاملة المشتركة لعام 2015.

دلالات الزيارة
تأتي زيارة “بزشيكان” لإسلام آباد على حاجته إلى تحويل هذه الاتفاقية الهشة إلى رصيد سياسي، محليًا ودوليًا وإقليميًا، فهو في أمس الحاجة لهذه الزيارة أكثر من باكستان نفسها.
يُنظر إلى هذه الزيارة على نطاق واسع على أنها تعبير عن الامتنان لدور باكستان في التوسط في توقيع مذكرة تفاهم إسلام آباد، التي وقعها الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، والرئيس بزشكيان في 18 يونيو، حيث وقع رئيس الوزراء الباكستاني شريف الوثيقة كوسيط.
وقالت وزارة الخارجية الباكستانية في بيان لها:” ستتيح هذه الزيارة أيضًا فرصة مهمة لمناقشة الجهود الدبلوماسية الجارية في أعقاب توقيع مذكرة تفاهم إسلام آباد، فضلا عن التطورات الإقليمية والدولية ذات الاهتمام المشترك”.
ووصف رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف، العلاقات الإيرانية الباكستانية في المؤتمر الصحفي، بعبارة فارسية مفاداها “نجاح إيران نجاحنا، وخسارتها خسارتنا، هذا الشعور يعكس بعمق مشاعر الشعب الباكستاني”، أعلن رئيس الوزراء شهباز أنه سيقوم بزيارة إلى طهران الأسبوع المقبل لتقديم واجب العزاء في وفاة المرشد الأعلى الراحل آية الله علي خامنئي، ولتأكيد تضامن باكستان مع الشعب الإيراني الشقيق.
وقد استقبل الرئيس الإيراني في مقر رئاسة الوزراء مع حرس شرف، كما غرس شتلة في الحديقة هناك، وأثناء الزيارة منح رئيس الوزراء شهباز، الرئيس بزشكيان زمالة فخرية من كلية الأطباء والجراحين الباكستانية في جراحة القلب.

شعرة معاوية بين طهران وإسلام آباد
تتشارك إيران وباكستان حدودا برية طويلة تمتد لنحو 900 كيلومتر، من منطقة سيستان وبلوشستان الإيرانية وإقليم بلوشستان الباكستاني، وتعاني هذه الحدود من نشاط جماعات بلوشية انفصالية ومسلحة تشن هجمات داخل البلدين، كما يعتمد الاستقرار الداخلي لإيران بشكل مباشر على التنسيق الأمني والاستخباراتي، مع الجيش الباكستاني لضبط هذه الحدود ومنع عمليات التسلل.
وتعد باكستان الجسر الدبلوماسي لإيران مع العالم الخارجي، نتيجة علاقات إسلام آباد القوية والتاريخية مع كل من دول الخليج، بخاصة السعودية، والولايات المتحدة، وظهرت هذه الأهمية جليًا في الأزمات والتوترات العسكرية الأخيرة، حيث قادت باكستان جهود وساطة محورية خلف الكواليس نجحت في التوصل لتهدئة ووقف إطلاق نار، على رأسها تفاهمات الهدنة ومذكرة إسلام آباد.
كما أنها تعمل كجار إسلامي يمتلك ثقلاً عسكريًا ونوويًا وقادرًا على التحدث مع واشنطن والرياض، ويمثل صمام أمان لتخفيف العزلة والضغوط الدولية على طهران، ويدرك البلدان معًا أن أي انهيار أمني أو فوضى في بلد منهما ستنتقل شرارتها فورًا إلى الطرف الآخر، مما يجعل الحفاظ على تماسك باكستان وأمنها مصلحة قومية عليا لطهران.
وفي الملف الاقتصادي، تمثل باكستان سوقًا استهلاكيًا ضخمًا واعدًا لصادرات إيران، فرغم التعثرات الطويلة بسبب العقوبات الأمريكية، تطمح إيران دائمًا لتفعيل خط الغاز الإيراني الباكستاني “IP” لبيع غازها الطبيعي لباكستان التي تعاني من أزمة طاقة مزمنة، كما تشهد المناطق الحدودية تبادلاً تجاريًا حيويًا للبضائع والمشتقات النفطية والمنتجات الزراعية، مما يساعد طهران في الالتفاف جزئيًا على العقوبات الاقتصادية المفروضة عليها.
وفي ضبط التوازن الإقليمي، يتأثر كلا البلدين بشكل مباشر بالأوضاع في أفغانستان الجار الثالث لهما، وينسق البلدان لمنع تدفق اللاجئين، ومكافحة تهريب المخدرات، والتعامل مع التهديدات الإرهابية العابرة للحدود، مثل تنظيم داعش وخراسان، وعلى الرغم من ارتباط إيران بعلاقات اقتصادية قوية مع الهند يأتي على رأسها تطوير ميناء تشابهار، لكنها تحرص دائماً على ألا تؤثر هذه العلاقة سلباً على جارتها باكستان.
لم تكن العلاقات الباكستانية الإيرانية دائمًا ودية، لكن تظل العلاقات بين الطرفين محكومة بمحاولة الحفاظ على شعرة معاوية لتجنب خسارة إسلام آباد لصالح قوى منافسة.

تصريحات “بزشكيان”
أعلن الرئيس مسعود بزشكيان أنه لن تُجرى أي مفاوضات بشأن صواريخ إيران الباليستية، وقال “بزشيكان” خلال مؤتمر صحفي عقب اجتماعهما إنه لم يرد أي ذكر لبرنامج الصواريخ الإيراني في مذكرة التفاهم الموقعة بين الولايات المتحدة وإيران، وأضاف “بزشكيان” أنه لولا قدرات إيران الصاروخية، لكانت بلاده قد نهبت ودمرت، وتعهد بعدم التنازل أو التفاوض بشأن القدرات الصاروخية الإيرانية، وهو ما أكده “شريف” في تصريحاته.
وذلك بينما صرح الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بأنه لن يكون هناك حصار بحري أمريكي إضافي على مضيق هرمز، وأصر على أن إيران وافقت على السماح بعمليات تفتيش نووية، على الرغم من تصريحات مسئولين إيرانيين تفيد بعدم موافقتها.

الملف النووي
نشب خلاف بين الولايات المتحدة وإيران الثلاثاء الماضي، حول ما إذا كانت طهران قد وافقت على السماح بعمليات تفتيش تابعة للأمم المتحدة لمواقعها النووية، وصرح المتحدث باسم وزارة الخارجية الإيرانية إسماعيل بقائي، للصحفيين في طهران بأن مفتشي الأمم المتحدة ليسوا مدرجين ضمن جدول أعمالهم لفحص المواقع النووية التي قصفتها الولايات المتحدة العام الماضي، رافضًا بذلك تصريحات أدلى بها نائب الرئيس الأمريكي جيه دي فانس قبل يوم.
وصرح الرئيس “ترامب” للصحفيين الثلاثاء، بأنه سيقطع المحادثات مع طهران فورًا إذا لم توافق إيران على عمليات التفتيش، لكنه أضاف أنه لا داعي للعجلة في بدء هذه العمليات، ولم ترد الوكالة الدولية للطاقة الذرية على طلبات التعليق بشأن دورها المحتمل، وقد دخلت الوكالة إيران وخرجت منها بشكل متقطع منذ حرب الأيام الاثني عشر الإسرائيلية عام 2025، لكنها لم تمنح حق الوصول إلى مواقع تخصيب اليورانيوم التي استهدفتها الولايات المتحدة بالقصف.

الأموال المجمدة
أعلن كبير المفاوضين الإيرانيين محمد باقر قاليباف، أنه تم التوصل إلى اتفاق مع الولايات المتحدة للإفراج عن 12 مليار دولار من الأموال الإيرانية المجمدة.
وصرح محافظ البنك المركزي الإيراني، عبدالناصر همتي، أن إيران قد تستخدم الأموال المجمدة التي أفرج عنها بموجب اتفاقها مع واشنطن لشراء منتجات زراعية أمريكية، ونفى “همتي” تصريح الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، بأن الاتفاق يلزم إيران بإنفاق الأموال على الصادرات الأمريكية.
يأتي تصريح “همتي” عقب تصريح “ترامب” اليوم بأن أموال إيران ستستخدم “لشراء مواد غذائية ومستلزمات طبية، حصريًا من الولايات المتحدة، بما في ذلك الذرة والقمح وفول الصويا من مزارعينا الأمريكيين الكرام”، كما قال “همتي” إن المبلغ الأولي البالغ 12 مليار دولار الذي أفرج عنه لطهران كان مخصصًا لشراء “سلع أساسية وأدوية”، مضيفًا أن هذا سيتيح لإيران حرية إنفاق أموالها العادية على ما تشاء.
كما طمأن “همتي” الشارع الإيراني بأن الشرط الذي صرح به “ترامب” ليس موجود في مذكرات التفاهم الموقعة خلال المفاوضات، كما لا يوجد أي التزام بالشراء من الولايات المتحدة، وأن طهران لا ترى أي مشكلة في الشراء من واشنطن إذا كان السعر والجودة للسلع الأساسية تنافسي.

مضيق هرمز
أعلنت سلطنة عُمان عن ممر بحري مؤقت لعبور مضيق هرمز، وذكرت وكالة الأنباء العُمانية الرسمية أن عُمان نسقت مع المنظمة البحرية الدولية “IMO” لتوفير ممر بحري مؤقت للسفن الراغبة في عبور مضيق هرمز، وأضافت الوكالة أن السفن الراغبة في استخدام الممر المؤقت ستكون ملزمة بالتنسيق مع المنظمة البحرية الدولية، وذلك بناءً على الإحداثيات التي ستعلنها المنظمة والسلطات العُمانية.
ويهدف هذا الإجراء إلى ضمان حرية الملاحة عبر هذا الممر المائي الاستراتيجي، بما يتماشى مع القانون الدولي وقانون البحار، اللذين يكفلان حرية الملاحة دون فرض رسوم عبور.
ووفقًا للأمين العام للمنظمة البحرية الدولية أرسينيو دومينجيز، يُجرى تنفيذ خطة إجلاء 11 ألف بحار عالقين على متن سفن بالتعاون مع إيران وسلطنة عمان وجميع الدول الساحلية الأخرى في المنطقة والولايات المتحدة وقطاع النقل البحري، وأوضحت المنظمة أن نقل السفن سيتم تدريجيًا لتجنب أي خطر تصادم.
ولايزال التضارب في التصريحات السمة الأبرز للمفاوضات الإيرانية الأمريكية الدائرة بسويسرا، وعلى رأسها مفتشي الأمم المتحدة، الأموال المجمدة وكيف سيتم إنفاقها، كيفية التعامل مع مخزون إيراني النووي، وآلية العبور في مضيق هرمز، وسيبقي الوضع مرهون بما سيحدث في الأيام المقبلة.





