
في الوقت الذي لا يتجاوز فيه راتب عميد الكلية نحو 15 ألف جنيه، ورئيس الجامعة نحو 17 ألف جنيه، بينما يحصل المدرس الجامعي على نحو 8 آلاف جنيه، مع اقتطاع نسب ضريبية مرتفعة من بعض هذه الرواتب، تتصاعد المطالبات البرلمانية بإعادة النظر في الأوضاع المالية والمهنية لأعضاء هيئات التدريس بالجامعات المصرية، والتي لا يزال ينظمها قانون صدر قبل أكثر من خمسة عقود، حيث أن هذه الرواتب لم تعد تتناسب مع حجم الأعباء التعليمية والبحثية والإدارية الملقاة على عاتقهم، ولا مع معدلات التضخم وارتفاع تكاليف المعيشة.
هذا الملف الشائك والحساس فتحته النائبة عن حزب العدل هايدي المغازي، في طلب إحاطة رفعته للبرلمان يدق جرس الإندار، تنبه فيه إلى تردي الأوضاع المالية وجداول المرتبات لأعضاء هيئة التدريس بالجامعات الحكومية، لارتباطها بـ”لوائح” تاريخية مضى عليها عدة عقود، وسط حالة تضخم وتوحش في غلاء الأسعار ، تعجز الأرقام عن وصفها. وبأتت تمثل معاناة لأعضاء هيئة التدريس يتشاركون فيها مع جموع الشعب المصري. ولكن يظل أهمية وضع “أساتذة الجامعات” باعتبارهم قيمة علمية تؤهل الأجيال الشابة، يدعوا للقلق، بخاصة مع تنامي هجرة “أصحاب العقول” من الجامعات المصرية للخارج، بحثاً عن زيادة دخولهم.
وبالعودة للوائح والقوانين التي تنظيم رواتب وحوافر أعضاء هيئة التدريس، نجد أن المادة (195) من قانون تنظيم الجامعات رقم 49 لسنة 1972، أي تجاوزه عمره نصف القرن، تحدد رواتب وبدلات أعضاء هيئة التدريس من أساتذة وأساتذة مساعدين ومدرسين، إلى جانب المدرسين المساعدين والمعيدين ورؤساء الجامعات ونوابهم، وفقًا لجدول الرواتب الملحق بالقانون، وتولت عدة قوانين وتعديلات أخرى على مر هذه السنين.
لكن هذه التعديلات وزيادات الطفيفة في المراتبات، لم تقلل من التحذيرات من عزوف الكفاءات عن العمل الأكاديمي وتسليط الضوء على هذا الملف، لذلك عاد النقاش مرة أخرى عن قانون تنظيم الجامعات من جديد، وسط مخاوف من تأثير استمرار الأوضاع الحالية على جودة التعليم الجامعي والبحث العلمي.
ولم تقتصر أزمات الأساتذة الجامعية على تدني الرواتب فقط، بل تمتد إلى مجموعة من التحديات والأعباء المهنية والإدارية التي تؤثر على بيئة العمل الأكاديمي ومسار التطور العلمي داخل الجامعات، وفي هذا السياق، ترصد “ليبرالي” أبرز الأزمات التي تواجه أساتذة الجامعات المصرية.
رواتب أساتذة الجامعات.. أزمة مؤلمة

قال الدكتور هاني عبد الحكيم، أستاذ الاقتصاد بكلية التجارة جامعة المنصورة، إن الحديث عن تدني رواتب أعضاء هيئة التدريس وتراجع الدخول هو حديث حقيقي ويعكس أزمة مؤلمة لا يمكن إنكارها، لكنه يحتاج إلى النظر إليه من أكثر من زاوية.
وأوضح”عبدالحكيم” في حديثه لـ”ليبرالي” أن أوضاع أعضاء هيئة التدريس ليست متشابهة في جميع الكليات والتخصصات، فهناك بعض القطاعات، مثل الكليات الطبية، يتمتع عدد كبير من أعضائها بفرص أخرى إذ لديهم فرصة بعدم الحضور خاصة أن أعدادهم كبيرة جدا.
وأكد عبد الحكيم أن الجامعات المصرية بحاجة إلى نظام عادل للمحاسبة والحوافز، يقوم على مبدأ الإثابة “من يعمل أكثريحصل على مقابل أكبر”، بحيث ترتبط المكافآت والحوافز بحجم الجهد والإنتاج العلمي والأكاديمي الفعلي، وليس بمجرد شغل الوظيفة.
الشللية وفرص الوصول للمواقع القيادية
وأشار إلى وجود مشكلة أخرى لا تقل أهمية عن أزمة الرواتب، تتمثل في انتشار ما وصفه بـ”الشللية” أو اللوبيات داخل بعض مؤسسات التعليم الجامعي، موضحًا أن هذه الظاهرة تؤثر على فرص الكفاءات الحقيقية في الوصول إلى المواقع القيادية أو الحصول على التقدير الذي تستحقه.
وأضاف أن ظاهرة الشللية ليست مرتبطة بمستوى إداري بعينه، بل يمكن ملاحظتها في بعض الأحيان على مستويات مختلفة، بدءًا من رئاسة الأقسام العلمية مرورًا بعمداء الكليات ووصولًا إلى بعض الإدارات الجامعية، حيث تميل بعض القيادات إلى الاعتماد على دوائر مقربة منها في تشكيل اللجان والمجالس واتخاذ القرارات، وهو ما قد يحد من فرص أصحاب الكفاءة والخبرة الذين لا ينتمون إلى هذه الدوائر.
رواتب هزيلة في مواجهة التضخم
وفيما يتعلق بالمكافآت المالية، أوضح أن العديد من المقابلات والمكافآت المقررة لأعضاء هيئة التدريس، خاصة المرتبطة بالإشراف على الرسائل العلمية ومناقشتها، ما زالت تُصرف بقيم مالية وُضعت منذ عقود طويلة وتحديدا عام 1972، دون مراعاة لمعدلات التضخم وارتفاع تكاليف المعيشة، مشيرًا إلى أن عضو هيئة التدريس قد يقضي شهورًا طويلة في الإشراف على رسالة علمية أو مناقشتها، ثم يحصل على مكافأة لا تتناسب مطلقًا مع حجم الجهد المبذول أو القيمة الاقتصادية الحالية.
وشدد على ضرورة إعادة النظر في منظومة الأجور والمكافآت داخل الجامعات المصرية بصورة شاملة، بما يحقق العدالة بين أعضاء هيئة التدريس، ويضمن تحفيز الكفاءات، ويعزز جودة العملية التعليمية والبحثية.
رواتب دون المستوى

قال الدكتور تامر شوقي، أستاذ علم النفس التربوي بجامعة عين شمس، إن الأوضاع المادية لأعضاء هيئة التدريس في الجامعات المصرية ليست على المستوى المأمول، في ظل استمرار العمل بقانون تنظيم الجامعات الصادر عام 1972، والذي لا يزال يحكم العديد من الجوانب المالية الخاصة بأعضاء هيئة التدريس رغم مرور أكثر من خمسة عقود على صدوره.
وأوضح أن القيم المالية للمكافآت والبدلات الواردة في القانون لم تعد تتناسب مع المتغيرات الاقتصادية الحالية، وما شهدته البلاد من ارتفاع في معدلات التضخم وتراجع في القوة الشرائية للعملة وارتفاع مستمر في تكاليف المعيشة، الأمر الذي جعل دخول أعضاء هيئة التدريس غير كافية لتوفير حياة كريمة تتناسب مع طبيعة رسالتهم العلمية والمجتمعية.
أبحاث وأموال
وأشار شوقي إلى أن عضو هيئة التدريس يواجه أعباء مهنية ومالية لا تتوافر في كثير من الوظائف الأخرى، موضحًا أن الترقية الأكاديمية تتطلب إنتاجًا بحثيًا مستمرًا، حيث يلتزم عضو هيئة التدريس بإعداد ونشر عدد من الأبحاث العلمية للانتقال من درجة علمية إلى أخرى، وغالبًا ما يتحمل الجزء الأكبر من تكاليف هذه الأبحاث من موارده الشخصية.
وأضاف أن تكلفة البحث العلمي قد تصل في بعض الأحيان إلى ما بين 10 و15 ألف جنيه عند النشر المحلي، بينما ترتفع بصورة أكبر في حالة النشر الدولي، وهو ما يمثل عبئًا ماليًا إضافيًا على الباحثين، خاصة في ظل محدودية الدعم المخصص للبحث العلمي.
استقطاع ربع الراتب
كما لفت إلى أن أعضاء هيئة التدريس يتحملون استقطاعات مالية متعددة تشمل الرعاية الطبية وصناديق الرعاية الاجتماعية وغيرها من البنود المختلفة، وهو ما يؤدي إلى تراجع صافي الدخل الشهري بصورة ملحوظة.
وأكد أن طبيعة عمل عضو هيئة التدريس تفرض عليه أيضًا التزامات مهنية واجتماعية خاصة، باعتباره نموذجًا وقدوة للطلاب داخل الجامعة، الأمر الذي يتطلب الحفاظ على مظهر مهني لائق، فضلًا عن الوفاء بالتزاماته الأسرية والتعليمية والاجتماعية، وهي متطلبات أصبحت أكثر صعوبة في ظل الارتفاع الكبير في تكاليف المعيشة.
لا يضيع حق وراءه مطالب
وشدد شوقي على أن المطالبة بتحسين أجور أعضاء هيئة التدريس تأتي في إطار السعي للحفاظ على مكانة “الأستاذ الجامعي” ودوره الحيوي في بناء الأجيال، مؤكدًا أن زيادة الأجور ليست مطلبًا شخصيًا فحسب، بل تمثل ضرورة لدعم منظومة البحث العلمي في مصر، باعتبارها أحد أهم ركائز التنمية الاقتصادية والاجتماعية الحقيقية للدولة، إذ أن الاستثمار في أعضاء هيئة التدريس والبحث العلمي هو استثمار مباشر في مستقبل الدولة وقدرتها على تحقيق التنمية المستدامة وتعزيز تنافسيتها في مختلف المجالات.
أعباء علمية ومهنية ومادية

أكدت الدكتورة سامية خضر، أستاذ علم الاجتماع بجامعة عين شمس، أن النقاش حول أوضاع أعضاء هيئة التدريس لا ينبغي أن يقتصر على الرواتب فقط، بل يجب أن يمتد إلى طبيعة الأعباء العلمية والمهنية التي يتحملها الأستاذ الجامعي طوال مسيرته الأكاديمية.
وأوضحت “خضر” في حديثها لـ”ليبرالي” أن الترقية في الجامعات لا تتم بصورة تلقائية، وإنما ترتبط بإنتاج علمي متواصل يتطلب إعداد أبحاث ودراسات ميدانية ونشرها في دوريات علمية محكمة، وهو ما يفرض أعباء مالية كبيرة على الباحثين نتيجة شراء المراجع العلمية العربية والأجنبية، وتكاليف جمع البيانات، وإجراء الدراسات الميدانية، والتحليلات الإحصائية، فضلًا عن نفقات النشر العلمي.
وأضافت أن إنجاز بحث علمي مؤهل للترقية ليس مجرد عمل مكتبي، بل يتطلب شهورًا من الجهد والعمل الميداني والتنسيق وجمع المعلومات وتحليلها، ثم عرضها على لجان علمية متخصصة قد تقبل البحث أو تطلب تعديلات عليه، مؤكدة أن الوصول إلى درجة أستاذ جامعي يمر بمراحل طويلة من العمل المتواصل والتقييم العلمي الدقيق.
تحديات مؤسسية
أشارت إلى وجود تحديات مؤسسية يواجهها بعض أعضاء هيئة التدريس، من بينها تأثير العلاقات الشخصية والاعتبارات غير الأكاديمية في بعض مواقع العمل، وهو ما قد يحد أحيانًا من فرص الكفاءات العلمية في الحصول على التقدير الذي تستحقه أو المشاركة بصورة أوسع في العمل الأكاديمي والإداري.
وأضافت أن التجارب الدولية تؤكد أهمية توفير بيئة داعمة للباحثين وأعضاء هيئة التدريس، ليس فقط من خلال تحسين الأوضاع المالية، وإنما أيضًا عبر ترسيخ ثقافة التقدير والاحترام المهني وتشجيع الإنتاج العلمي، بما ينعكس إيجابًا على جودة التعليم والبحث العلمي.
عزوف الكفاءات عن العمل الأكاديمي
وحذرت من أن استمرار ضعف الحوافز المادية والمعنوية قد يدفع بعض الكفاءات الأكاديمية إلى البحث عن فرص عمل خارج الجامعات أو خارج البلاد، وهو ما يمثل خسارة حقيقية للاستثمار الذي أنفقته الدولة على إعداد وتأهيل هذه الكوادر العلمية.
وشددت على أن دعم أعضاء هيئة التدريس وتحسين أوضاعهم المهنية والاقتصادية يعد استثمارًا مباشرًا في منظومة التعليم العالي والبحث العلمي، باعتبارهما من أهم أدوات التنمية والتقدم في أي مجتمع.
العنصر البشري ودعم منظمومة البحث العلمي

وفي هذا السياق أكدت النائبة هايدي المغازي على أن كفاءة العنصر البشري القائم على العملية التعليمية والبحثية، وفي مقدمتهم أعضاء هيئة التدريس والهيئة المعاونة، باعتبارهم الركيزة الأساسية لإنتاج المعرفة وإعداد الكوادر المؤهلة ودعم منظومة البحث العلمي.
وأشارت خلال طلب إحاطة إلى أن الجداول المالية المنظمة لأوضاع أعضاء هيئة التدريس بالجامعات الحكومية لا تزال تستند في بعض مكوناتها إلى لوائح وتعديلات تاريخية مضى عليها عدة عقود، حيث يستمر العمل بجدول المرتبات والبدلات الوارد باللائحة التنفيذية لقانون تنظيم الجامعات الصادرة عام 2006، والمتضمن علاوات دورية بقيم مالية محدودة فقدت جزءًا كبيرًا من قيمتها الاقتصادية الفعلية بمرور الوقت.
ولفتت المغازي إلى أن بعض العلاوات الدورية السنوية المقررة لأعضاء هيئة التدريس تتراوح بين 36 و75 جنيهًا سنويًا وفقًا للدرجة العلمية، وهو ما يثير تساؤلات حول مدى توافق هذه المنظومة مع حجم المسؤوليات الأكاديمية والبحثية والتدريسية الملقاة على عاتق أعضاء هيئة التدريس، ومع توجهات الدولة الرامية إلى الارتقاء بجودة التعليم الجامعي وتعزيز تنافسية الجامعات المصرية.
جذب الكفاءات الأكاديمية
وأكدت أن أهمية هذا الملف تتضاعف في ظل التوسع في إنشاء الجامعات الأهلية والتكنولوجية والدولية، والسعي لتحسين التصنيفات الدولية للجامعات المصرية وزيادة مساهمة البحث العلمي في التنمية الاقتصادية، وهي أهداف ترتبط ارتباطًا وثيقًا بقدرة الجامعات على جذب الكفاءات الأكاديمية والبحثية والحفاظ عليها.
وطالبت النائبة الحكومة بتوضيح أسباب استمرار العمل بجداول مالية تستند بعض مكوناتها إلى تعديلات تاريخية مضى عليها عقود، ومدى انعكاس ذلك على استبقاء الكفاءات الأكاديمية والبحثية وجودة العملية التعليمية، إلى جانب عرض خطط تطوير هيكل الأجور والبدلات بما يتناسب مع الدور الاستراتيجي لأعضاء هيئة التدريس وحجم الاستثمارات العامة الموجهة للتعليم الجامعي والبحث العلمي.
ودعت المغازي إلى إحالة طلب الإحاطة إلى لجنة التعليم والبحث العلمي بمجلس النواب لمناقشة أبعاد القضية والوقوف على الإجراءات اللازمة لتطوير منظومة الأجور والبدلات بما يدعم أهداف الدولة في بناء منظومة تعليم عالٍ وبحث علمي أكثر كفاءة وتنافسية.





