الكاتب جار النبي الحلو لـ”ليبرالي”: شغف الكتابة وحده صنع “شلة المحلة” والذكاء الاصطناعي لن يهزم الكاتب الحقيقي

الإبداع لا يحتاج إلى عنوان في العاصمة.. وبهجتي في التقدير لا في الجوائز

في زمنٍ تتبدل فيه أدوات الكتابة وتتغير فيه إيقاعات النشر، يظل بعض المبدعين أوفياء لجذورهم، يستمدون أصالتهم من تفاصيل المكان وذاكرة الطفولة وشغف القراءة، الكاتب الكبير جار النبي الحلو واحد من هؤلاء الذين صنعوا مشروعهم الإبداعي بعيدًا عن صخب العاصمة، فحجز لنفسه مكانة بارزة بين أبرز كتاب جيل الستينيات، وترك بصمة لافتة في الرواية وأدب الطفل.

في هذا الحوار الخاص، يتحدث “جار النبي الحلو” لـ”ليبرالي” عن بهجة ترشحه لجائزة الدولة التقديرية، ويستعيد حكاية “شلة المحلة” التي أنجبت أسماءً صنعت تاريخًا ثقافيًا مهمًا، كما يكشف رؤيته للنشر الرقمي والذكاء الاصطناعي، ويشرح فلسفته في الكتابة للطفل، مؤكدًا أن الموهبة الحقيقية لا تحدها الجغرافيا، وأن الإبداع الصادق وحده هو القادر على الوصول إلى قلوب القراء، وإلى نص الحوار:

ماذا يعني لـ “جار النبي الحلو” الترشح لجائزة الدولة التقديرية؟ وهل ترى أن هذا التقدير قد تأخر بعض الشيء؟

مجرد الترشح لجائزة الدولة التقديرية هو أمر يبعث في نفسي بهجة غامرة وفي الحقيقة، أنا مؤمن تمامًا بأن كل شيء يأتي في ميقاته القدري الصحيح، ولا يوجد ما يسمى بـ “التأخير”، لكن السعادة الحقيقية الكامنة في هذا الترشح تتجاوز مجرد اللقب، إنها تكمن في قيمة التقدير ذاته، وفي أن تلمس بيدك ثقة الآخرين وفيما قدمته من كتابة وإبداع طوال مسيرتك، كل هذه المشاعر الدافئة والجميلة يكون المبدع في أمسّ الحاجة إليها ليشارك الفرحة مع من حوله.

“شلة المحلة” تلك المجموعة الإبداعية الاستثنائية التي أنجبت كبار الكتاب والمفكرين، كيف تشكلت نواتها الأولى؟

تعود تلك الأيام إلى عام 1965، كنت وقتها أنا والكاتب محمد المنسي قنديل، والشاعر فريد أبو سعدة، ما زلنا طلابًا في المرحلة الثانوية وفي إجازة نصف العام، قادتنا خطانا إلى قصر ثقافة المحلة، كان كل منا يخطو خطواته الأولى في عالم الكتابة، يحمل طموحات عريضة، وشغفاً لا ينتهي بالقراءة.

أتذكر تفاصيل ذلك اليوم بدقة لا تغيب عن مخيلتي، كان هناك اجتماع لنادي الأدب في قاعة يملؤها الهدوء والوقار، وشهدت الندوة مناقشة قصة قصيرة للكاتب الكبير سعيد الكفراوي بعنوان “الرحلة” لم نكن وحدنا، بل كان اللقاء يضم قامات رفيعة أثرت الثقافة العربية لاحقاً، مثل الدكتور جابر عصفور، والدكتور نصر حامد أبو زيد، والكتاب رمضان جميل، ومحمد صالح، وأحمد عصر، وغيرهم من جيل كتاب المحلة المتميزين..

حين استمعنا إلى مداخلاتهم القيمة، أُتيحت لي فرصة عظيمة للحديث وإبداء رأيي، ويبدو أن مداخلتي تركت أثراً طيباً، إذ إننا منذ خروجنا من قصر الثقافة في ذلك اليوم لم نفترق حتى غيب الموت بعضنا، وأود هنا أن أؤكد على نقطة جوهرية هذه المجموعة من المبدعين والتي لم يكن متوسط أعمار أفرادها يتجاوز وقتها الاثنين والعشرين عاماً لم تجمعها أيديولوجيا معينة، أو اتجاه سياسي، أو مصلحة حزبية، بل كان المحرك والجامع الوحيد لنا هو شغف الكتابة والوعي والثقافة فقط هذا التنوع الإنساني والفكري الكبير هو ما جعل التجربة ثرية ومستمرة، لأننا آمنّا بأن الثقافة والفن والقراءة هي المقياس الحقيقي لوجود الإنسان.

مدينة المحلة ليست مجرد جغرافيا بل هي بطل في حد ذاتها.. كيف انصهرت تفاصيل هذه المدينة لتشكل أسلوبك الروائي والقصصي؟
كانت تفاصيل بيتنا الصغير في المحلة تمثل لوحة بصرية مدهشة فمن جهة، كان البيت يطل على نهر تنساب خلفه مساحات شاسعة من الأراضي الزراعية، حيث كنت أرقب الفلاحين وهم ويعملون في حقولهم، وفي الاتجاه الآخر تماماً، كانت تلوح في الأفق مداخن شركة مصر للغزل والنسيج، وأرى جحافل العمال وهي تتدفق بعد انتهاء وردياتهم، هذه التركيبة الفريدة التي تمزج بين هدوء الريف وصخب الحداثة الصناعية شكلت لديّ مخزوناً بصرياً وإنسانياً هائلاً فبين عامل يغادر المصنع وفلاح يحرث الأرض، ولدت آلاف القصص.

أضف إلى ذلك، أن شركة المحلة في ذلك الوقت لم تكن مجرد مصانع، بل كانت مشروعاً حضارياً متكاملاً صُممت مساكن العمال بنسق معماري راقٍ، وتعددت المطاعم، وكان هناك سينما، ومسرح مخصص للعمال، وملاعب للتدريب كل هذا التنوع الثقافي والاجتماعي خلق في مخيلتي صوراً غنية ومصدر ثراء لا ينضب لكتاباتي، ولم يقتصر الأمر على المكان وحده، بل امتد إلى “شلة الأصدقاء” حيث كان يجمعنا تنافس إيجابي محموم حول القراءة، نتسابق من منا قرأ أكثر، ومن تعمق في فكر طه حسين وغيره من رواد الأدب هذا المزيج بين واقع المدينة الحي وحب المعرفة هو ما صنع مخزوني الإبداعي الذي اتكأت عليه في كل ما كتبت.

هل ترى أن وفرة النشر الرقمي وسهولته اليوم قد أفسدت روح المغامرة الإبداعية وشجعت على الاستسهال في الكتابة؟
لا أوافق على هذا الطرح مطلقاً بل على العكس تماماً، أرى في النشر الرقمي خطوة إيجابية للغاية ونقلة حضارية كبرى فبدلاً من أن يقتصر جمهور الكتاب الورقي على عشرة أشخاص مثلاً، أتاح الفضاء الرقمي للمادة الإبداعية أن تصل إلى مئات القراء في لحظات، التكنولوجيا ناقل حضاري مهم للغاية، ونحن نعيش هذا الزمن بكل تفاصيله، ولا ينبغي للمبدع أو الكاتب أن ينكره أو يقف في وجهه، بل الواجب عليه أن يستفيد منه ويطوعه لخدمة مشروعه الأدبي بأفضل شكل ممكن.

وحتى فيما يخص المخاوف المثارة حول “الذكاء الاصطناعي”، فإنني أرى من المستحيل أن يهزم هذا الذكاء الكاتب أو المبدع والفنان، نعم قد يستعين الأديب بالذكاء الاصطناعي كأداة مساعدة لتوفير المعرفة وتسهيل الوصول إلى المعلومات، لكنه أبداً لن يكون قادراً على أن يحل محل الروح الإبداعية للإنسان بخصوصيتها وتفردها.

تميزت مسيرتكم ببصمة خاصة في أدب الطفل .. كيف نجحت في جذب الطفل دون الوقوع في فخ الوعظ والإرشاد المباشر؟
هذا مبدئي الذي حرصت عليه دائمًا كيف أكتب للطفل قصة ممتعة دون أن أتقمص دور “الواعظ” والسر في ذلك يعود إلى طفولتي، فقد كنت ابن الحواديت التي كانت جدتي ترويها لي بكثرة، وكنت مشغوفاً بإعادة كتابة تلك الحواديت وراءها وهي تحكيها، ومن هنا كانت البداية الحقيقية الملهمة، في أدب الطفل، من المهم جداً أن تأخذ الطفل إلى “حافة الحقيقة” وتتركه يكتشفها، بدلاً من أن تغرقه في بحرها بشكل مباشر، عليك أن تأخذه إلى “بهجة الألوان” وسحر الخيال ليدرك هو بنفسه المعنى الحقيقي الكامن وراء القصة.

أرى أن الكتابة للطفل هي واحدة من أصعب الفنون الأدبية على الإطلاق، وأن تحرص على تقديم كتابة جيدة ورصينة له، هي مساهمة حقيقية ومسؤولية كبرى تشارك من خلالها في بناء جيل جديد، واعٍ ومفكر.

يرى البعض في “القصة الومضة” أو القصة القصيرة جداً نوعاً من الاستسهال فهل هي ابنة التكثيف الأدبي الحقيقي أم مجرد استسهال عابر؟
لا يمكن بأي حال من الأحوال وصف هذا الفن بالاستسهال إذ لا يستطيع كاتب أن يختزل قصة كاملة في خمسة أو ستة أسطر إلا إذا كان متمكناً تماماً من ناصية الكتابة وأدوات الأداء الأدبي، وإذا نظرنا إلى الأديب العالمي نجيب محفوظ، سنجد أنه اتجه إلى هذا النوع من التكثيف الشديد، وقدم قصصاً في غاية القصر، وهو نجيب محفوظ بقامته العالية.

القدرة على إيصال الفكرة كاملة وعميقة في أسطر معدودة هي مَلكة ومصدر قوة هائل لدى الكاتب، وهي بلا شك أفضل بكثير من بسط الفكرة نفسها وترهلها في ثلاث صفحات دون جدوى، وبالمناسبة، فإن الاستسهال قد يتسلل إلى أي قالب أو لون أدبي دون استثناء، لكن الفيصل الحقيقي والأصل في الأمر هو جدية الكاتب في التعامل مع النص، وجودة هذا النص في النهاية هي الحكم والرهان.

هل ترى أن الإقامة في العاصمة شرط أساسي لمنح الكاتب البريق والشهرة والتحقق الأدبي؟
الأمر لا يقاس بهذه الطريقة فهناك كتاب كثر لم يغادروا أقاليمهم وحققوا من النجاح والانتشار ما يوازي بل يفوق أحياناً ما حققه المقيمون في العاصمة، وتجربتي الشخصية خير دليل، فقد عشت طيلة حياتي في مدينة المحلة، وتحققت كمبدع بشكل كامل وأنا هناك.

المسألة الجوهرية تكمن في وعيك، وبمن تلتقي، وعن ماذا تكتب، لم تشكل إقامتي خارج القاهرة عائقاً أمامي يوماً، بل نشرت في كبريات الصحف المصرية والعربية، وحققت كل طموحاتي الأدبية من قلبي المحلة، الفكرة كلها تدور حول محور واحد “هل أنت كاتب حقيقي وصاحب مشروع صادق أم لا؟” وليس أين تسكن، وأنا على يقين بأن بقائي في المحلة لم ينتقص من موهبتي أو نجوميتي أي شيء.