مجدي أحمد علي لـ”ليبرالي”: السينما سقطت في فخ “الشللية” وما زلت أدفع ثمن “مولانا” حتى الآن

أفلام الأكشن والكوميديا السطحية قطعت صلة السينما بالمجتمع

الرقابة الذاتية هي الأخطر اليوم.. والإبداع أول ضحاياها

الدعم الأوروبي يفرض ذوقًا لا يعبر عن واقعنا .. والمنصات الرقمية وقعت هي الأخرى في فخ الشللية والاحتكار

المشكلة ليست في المخرجين بل في الإنتاج والتوزيع والاحتكار.. والعبث الإنتاجي يهدد قوة مصر الناعمة

في حوار اتسم بالصراحة المطلقة والمكاشفة الجريئة، فتح المخرج الكبير مجدي أحمد علي، النار على المنظومة الإنتاجية والفنية الحالية في مصر، فتحليله للأوضاع لم يتوقف عند مجرد رصد الأزمات، بل فكك بعمق آليات إقصاء جيل الكبار، وتراجع السينما من كونها “فن ورسالة” إلى “بيزنس ومقاولات”، ومن كواليس فيلمه المثيرة للجدل “مولانا”، مرورًا بمقصلة الرقابة، وصولا إلى فخ المهرجانات الدولية وهيمنة المنصات الرقمية، يضع المخرج الكبير النقاط فوق الحروف في هذا الحوار الشامل، وإلى نص الحوار:

سينما “الشللية” وأزمة الإنتاج

هل تحولت السينما المصرية بالفعل من “فن ورسالة” إلى مجرد “بيزنس ومقاولات”؟
للأسف الشديد، المنظومة الإنتاجية الحالية سقطت في فخ “الشللية والاحتكار” والأزمة الراهنة لا تقتصر فقط على إبعاد جيل الكبار من المخرجين، بل تمتد لتشمل مخرجين مميزين من أجيال مختلفة، أتساءل بأسف أين أسماء بارزة مثل كاملة أبو ذكري وهالة خليل؟، حجم أعمالهم حاليًا شحيح للغاية وحتى الشباب الموهوبون بات أغلبهم خارج منظومة الإنتاج المحلي، ومضطرين للاعتماد على الدعم الأوروبي الذي يفرض لِلأسف وجهة نظر معينة وذوقًا محددًا لا يعبر بالضرورة عن واقعنا.

من يتحمل المسئولية الأكبر عن هذا التراجع وإقصاء هذه القامات؟
العبء الأكبر يقع على عاتق جهات الإنتاج، والتي تملك الدولة جزءاً كبيراً منها، هناك قناعة غريبة ومسيطرِة لدى هذه الجهات بأن “الشباب الصغير” هو الأفضل دائما، وربما يرجع ذلك إلى أنهم يكونون أكثر مرونة في “سماع الكلام”، أو لافتقارهم إلى الطموح في تقديم أعمال سينمائية ثقيلة ذات أبعاد سياسية ومجتمعية تفكك قضايا المجتمع.

وما هي التبعات الحقيقية لهذه السياسة الإنتاجية على نوعية الأفلام المعروضة؟
هذه السياسة أدت إلى كارثة حقيقية حيث سادت أفلام الأكشن والكوميديا السطحية، وباتت السينما منقطعة الصلة تماماً بآلام وهموم الشعب المصري، كما أن المشرفون على العملية الإنتاجية لم يكتفوا بالتحكم في صناعة الأفلام، بل بسطوا “سيطرة كاملة” على وسائل ومنافذ العرض، والمشكلة اليوم لم تعد في قدرتك على إنتاج عمل جيد، بل المعضلة الكبرى هي أين ستجد شاشة تعرضه؟، وذلك في ظل مفهوم تجاري ضيق بات هو السائد والمستمر في قيادة المشهد الدرامي والسينمائي بالكامل.

الرقابة والخطوط الحمراء من الوصاية إلى “الرقابة الذاتية”

هل لا تزال الرقابة في مصر تُدار بعقلية الخطوط الحمراء القديمة أم أن قيود اليوم أصبحت أشد ذكاءً وقسوة؟
الرقابة أزمة متجذرة النتيجة، وذلك بسبب الإصرار على تحويل “الرقيب” إلى مجرد موظف تابع لكل أجهزة الدولة، بدءا من الأجهزة الأمنية، وصولاً إلى الأزهر والكنيسة والمجالس النيابية والمحلية التي تتوجس خيفة من أي عمل فني، ويفسرون أي انتقاد لوضع سلبي على أنه “إساءة لمصر نفسها”.

كيف تُمارس هذه الرقابة آلياتها في الوقت الحالي خلف الكواليس؟
الرقابة اليوم، ورغم أنها قد لا تبدو ظاهرة وفجة في العلن، إلا أنها تمارس وصاية صارمة للغاية تبدأ من نقطة الصفر، حيث يمكن أن يُرفض السيناريو “بكل هدوء” خلف الكواليس قبل أن يخرج للنور, أو يتم خلق جو عام رافض للفكرة ومحاصرتها تماما.

وما هي الكارثة الأكبر التي تسبب فيها هذا المناخ الخانق؟
المناخ الحالي قاد الصناع إلى الكارثة الأكبر وهي “الرقابة الذاتية” لقد ترسخت لدى الكتاب والمبدعين قناعة مسبقة بأن أعمالهم الجادة لن تُجاز، فتوقفوا عن الكتابة من الأساس، واتجهوا مجبرين نحو الخيارات السهلة والمضمونة رقابيا وإنتاجيا كأفلام الأكشن والكوميديا السطحية، وأود أن أؤكد هنا بحسم “فكرة المنع عمرها ما هتجيب إبداع”.

دفاتر “مولانا” بين شجاعة الرقابة وعقاب الأجهزة

هل نجح فيلمك الشهير “مولانا” بعد سنوات من عرضه في إحداث تغيير حقيقي بالخطاب الديني أم أن “تجار الدين” لا يزالون يسيطرون على الوعي؟
هناك مفارقة كبرى خلف كواليس هذا العمل، الغريب في الأمر هو أن الجهات التي اعترضت على الفيلم وحاربته كانت “جهات أمنية”، وتم التضييق عليه برغم أن الدولة كانت تخوض آنذاك حربا شرسة للقضاء على جماعة الإخوان الإرهابية، وهو المناخ الذي جعل صوت الاحتجاج ضد محاولات منع الفيلم خافتا.

ولكن الفيلم خرج للنور في النهاية، كيف حدث ذلك؟
هنا يجب أن أوجه تحية لجهة الرقابة على المصنفات الفنية، فبالرغم من انتقادي الدائم للمنظومة الرقابية، إلا أن الرقابة كان لها دور عظيم وشجاع في خروج فيلم “مولانا” إلى النور دون حذف مشهد واحد، لكن يبدو أن بعض الأجهزة والشخصيات النافذة لم تسترح لهذا القرار الرقابي الشجاع، وأنا أكاد أشعر، بل وأتوقع، أنني أدفع ثمن هذا العمل وأُعاقب عليه حتى الآن.

هل عوضك النجاح الجماهيري للفيلم عن هذه المضايقات؟
النجاح التجاري الضخم لـ “مولانا” منحني دفعة معنوية هائلة وأثبت لي أن التغيير ممكن، فالفيلم لم يمارس أي نوع من التحريض، ولم يقلل من القيمة الدينية لدى الجمهور، بل كان دليلاً دامغا على أن العمل الفني عندما يصدر بنية صادقة، ويكون هدفه المباشر هو الارتقاء بوعي المواطن العادي دون السعي وراء إثارة الجدل الرخيص، ويصبح هو النوع الوحيد من الأفلام الذي ينجح تجاريا، ويدوم أثره في وجدان الناس لسنوات طويلة.

فخ المهرجانات الدولية والمنصات الرقمية

يواجه مخرجو سينما الواقعية اتهاما تقليديا بأنهم يصنعون أفلاما للمهرجانات الدولية فقط ولا تخاطب رجل الشارع البسيط ما ردك؟
“أفلام المهرجانات” باتت بالفعل أشبه بتهمة لا يمكن إنكارها، لكنها في العمق نتيجة طبيعية للظروف الضاغطة على الإنتاج المحلي التقليدي، وسيطرة “شللية” معينة من الفنانين باتت هي المحتكرة لصناعة السينما حاليا، وهذا الحصار المحلي أجبر المبدع على سلوك طريق بديل ومعقد، يضطر فيه لمخاطبة الغرب وانتظار سنوات طويلة حتى يرى فيلمه النور.

ما هي الشروط والقيود التي يفرضها هذا الممول الغربي في مقابل دعمه؟
المنظومة الغربية تفرض شروطا قاسية، إذ يجب أن يكون الفيلم ملائما لذوق المجتمع الغربي الممول، ومطابقا تماما لوجهة نظرهم الشخصية تجاهنا وتجاه مشاكلنا، هم يريدون منك أن تناقش مشاكلك باعتبارك دائما “أقل منهم”، وبصفتك مجتمعا يقف “على شفا الضياع”، لأنهم ببساطة يفضلون هذه النوعية من الأعمال التي تشبع لديهم الرغبة في الشعور بأنهم يقدمون يد العون والمساعدة للغلابة والمهمشين في دول العالم الثالث، ومن الطبيعي أن تجد هذه الأعمال طريقها للمهرجانات لأن الجهات المانحة هي الممولة لها ولها علاقات نافذة داخل كواليس هذه المهرجانات.

ماذا عن المنصات الرقمية الحديثة هل تُمثل طوق نجاة حقيقي للسينما المستقلة أم تحولت إلى تهديد؟
للأسف الشديد، هذه المنصات سقطت هي الأخرى في فخ “الشللية” والاحتكار، هناك “شلة” بعينها في مصر تتحكم في خيوط التواصل مع أغلب هذه المنصات، مما حصر الإنتاج في التركيز على نوعية محددة من الموضوعات وجيل بعينه من صناع الأفلام، وفرض موضوعات وقضايا نراها “مفتعلة” في السياق الدرامي لتمرير وطرح أفكار تخدم أجندات معينة و”الذوق الغربي” كشرط أساسي لتبني الأعمال وعرضها.

نقابة السينمائيين ومستقبل قوة مصر الناعمة

أين يذهب مخرجو مصر؟ ولماذا تُكرر المنظومة نفس الأسماء رغم تكدس المخرجين في النقابة؟
نقابة السينمائيين لا تؤدي دورا قويا أو ملموسا في ملف تشغيل الأعضاء، وكان يفترض بها أن تقتحم المشكلة بجرأة ومع ذلك، فالنقابة بمفردها لا تملك الكثير لتفعله لأن الأزمة الحقيقية ليست مجرد أزمة تشغيل، بل هي أزمة إنتاج واحتكار في المقام الأول، حيث تسيطر مجموعة قليلة جدا من “الشلل” على الإنتاج المصري بالكامل، بل ويمتد هذا الاحتكار من مرحلة التصوير والإنتاج إلى مرحلة التوزيع والسيطرة الحصرية على دور العرض.

وكيف نخرج من هذا النفق المظلم في رأيك؟
الخروج يتطلب ما هو أكبر من القرارات النقابية الروتينية، لابد أن يجتمع مجتمع السينما بكافة أطيافه وصناعه في جلسة مكاشفة حقيقية لتدارس وضع هذه الصناعة وإلى أين تمضي، القضية الراهنة تجاوزت بكثير فكرة الخسائر المادية أو تعطل صناعة الأفلام، بل باتت معركة “ثقافة ووعي” بالأساس، ومأساة حقيقية تتعلق بـ “قوة مصر الناعمة” التي تضيع وتتبدد في ظل هذا العبث الإنتاجي المستمر.

تقييم الموسم السينمائي الحالي

ما تقييمك للأعمال السينمائية المنافسة في موسم عيد الأضحى الأخير؟
صراحةً، أنا غير متابع للمشهد السينمائي الأخير ولم أشاهد أيًا من الأفلام المطروحة تقريبًا، ولكن استنادًا إلى خبرتي الطويلة “الكتاب يُقرأ من عنوانه” والمؤشرات والملامح العامة تؤكد أننا أمام فيلم ضخم للغاية ينتمي لنوعية الأكشن، أو بالأحرى شبيه بالأكشن الأجنبي، ورُصدت له ميزانية إنتاجية ضخمة جدًا، كما أن كاتبه ليس مصريًا مع كل احترامي وتقديري له وهو ما يؤكد الهيمنة المستمرة للنمط التجاري السطحي ومنقطع الصلة بالواقع المصري.

هل هناك أي استثناء حرصت على متابعته مؤخراً؟
نعم، هناك استثناء وحيد، حيث حرصت على تلبية الدعوة وحضور العرض الخاص لأحدث أفلام الفنان محمد رمضان، ومن وجهة نظري الفنية، الفيلم معمول بشكل جيد جدًا، وهناك مجهود واضح مبذول في صناعته، لكن في الوقت نفسه، هناك فجوة واضحة تفصل بين الفيلم وبين طبيعة السوق المصري الحالي، ربما يعود ذلك إلى أن العمل يناقش فترة زمنية بعيدة نسبيًا، أو بسبب طبيعة العناصر المشاركة فيه ومع ذلك، أتمنى من قلبي أن يحقق هذا الفيلم النجاح التجاري والفني المتوقع لأنه في النهاية “فيلم متعوب فيه” ويستحق صناعه التقدير.