
وليد هندي: احتفالات الثانوية العامة فضحت عوراتنا النفسية وكشفت التغير السلوكي لأبنائنا
عدلي السمري: لا بد للمكبوت من فيضان.. والرقص أمام اللجان رد فعل على ضغوط الثانوية العامة
مع انتهاء ماراثون امتحانات الثانوية العامة، امتلأت منصات التواصل الاجتماعي بعشرات الفيديوهات التي وثقت مشاهد متنوعة لاحتفالات الطلاب في مختلف محافظات الجمهورية، تراوحت بين الرقص على أنغام المزمار والطبلة والأغاني الشعبية، ومظاهر أخرى أثارت جدلاً واسعًا بين رواد مواقع التواصل.
فقد شاهدنا مجموعات من الفتيات يرقصن في الشوارع احتفالا بانتهاء الامتحانات، وآباء يحملون بناتهم على أكتافهم تعبيرًا عن فرحتهم، فيما أثار مقطع مصور لطالب يحمل زميلته على كتفيه استياء عدد كبير من المتابعين، الذين اعتبروه تجاوزًا لما اعتاد عليه المجتمع من مظاهر الاحتفال، وبين مؤيد يرى أنها فرحة مستحقة بعد عام دراسي شاق ومعركة طويلة من الضغوط النفسية والتوتر، ومعارض يعتبرها خروجًا عن قيم المجتمع وتقاليده، اشتعل الجدل واتسعت دائرة النقاش.
ومع هذا الجدل، ظهرت تساؤلات عديدة: لماذا أثارت هذه الفيديوهات كل هذا الاهتمام؟ وهل تكمن المشكلة في الاحتفال ذاته أم في الطريقة التي يتم التعبير بها عن الفرحة؟، وهل تعكس هذه المشاهد حالة من التنفيس عن ضغوط وكبت عاشهما الطلاب طوال العام، أم أنها تعبر عن تغير في أساليب تعبير الشباب والمراهقين عن مشاعرهم؟ ووسط كل هذه التساؤلات، يظل السؤال الأهم مطروحًا: هل تمثل هذه الاحتفالات مؤشرًا على تغير منظومة القيم داخل المجتمع، أم أنها مجرد مظهر عابر لفرحة طال انتظارها؟.
رغبات مكبوتة.. وشخصيات هيستيرية

في بداية حديثه، انتقد الدكتور وليد هندي، استشاري الصحة النفسية، مشاهد الرقص والاحتفالات التي شهدها محيط لجان الثانوية العامة، معتبرًا أنها تعكس حالة من الكبت النفسي وسوء فهم للتربية الإيجابية، فضلًا عن التأثير السلبي لوسائل التواصل الاجتماعي على سلوك الشباب، وأنها أسهمت في تحويل الشباب إلى باحثين عن توثيق كل انفعالاتهم.
وقال “هندي” في تصريح خاص لـ”ليبرالي”:” لعن الله السوشيال ميديا التي جعلت جيلًا صاعدًا من الشباب يسقط كل انفعالاته عليها، ويوثق كل لحظاته ورغباته المكبوتة، وأفراحه وأحزانه، وردود أفعاله في فيديوهات من أجل نشرها على مواقع التواصل الاجتماعي، ولعن الله السوشيال ميديا التي جعلت معظم الشباب يعانون فرط الحركة، وخلقت شخصيات هستيرية أصبح أهم ما يشغلها توثيق الحدث أكثر من أن تعيش مشاعرها الحقيقية”.
الالتباس في مفهوم التربية الإيجابية
وتابع: “لعن الله من فعل التباس في مفهوم التربية الإيجابية أو التربية الحديثة، فالتربية الإيجابية تقوم على مشاركة أبنائنا اهتماماتهم، وأحزانهم، وأفراحهم، واحترامهم، وعدم الضرب أو التنكيل أو الإهانة، لكن هناك التباسًا، فثمة شعرة معاوية بين أن أشارك أبنائي فيما هو مرغوب، وبين أن أنغمس معهم في مشاركتهم فيما هو غير مرغوب، أو فيما لا يتماشى مع القيم المجتمعية السائدة التي تربينا عليها، ولعن الله المفاهيم البالية الموجودة في ذهن بعض أولياء الأمور، والتي خلقت نظرة تضخمية تجاه الثانوية العامة، وبالتالي يحملون أبناءهم ما لا يحتملون”.
وأضاف أن: “هذا الكلام كان من الممكن أن أراه إذا كان الأبناء يعانون الكبت والضغوط قبل عام 2016، وليس في عام 2026، لأنه حتى عام 2016 كان لدينا 28 جامعة فقط، وفي الحقيقة كانت الجامعات المستقلة تسع جامعات فقط، والبقية كانت فروعًا ثم استقلت فيما بعد، وبناءً على ذلك، إذا كان لدينا مليون طالب يتقدمون للثانوية العامة، فإن نحو 800 ألف منهم لم يكن لديهم مكان في الجامعات؛ لأنه لم تكن هناك مقاعد جامعية تستوعبهم، أما اليوم، في عام 2026، فقد أصبح لدينا نحو 129 جامعة ومؤسسة تعليمية، ولدينا 206 معاهد عليا تمنح درجة البكالوريوس، إلى جانب تنوع في أساليب التعليم، ولو كان لدينا اليوم مليون طالب في الثانوية العامة، فإن كل واحد منهم ينتظره مقعد جامعي، بل إن هناك أيضًا مقاعد شاغرة”.
تفريغ وجداني وإزاحة للضغوط النفسية
وشدد “هندي” على ضرورة أننا يجب ألا نصدر إلى أبنائنا الضغط العصبي والنفسي، والشعور بالقهر، وارتفاع معدلات القلق حتى لا يصلوا إلى حالة الكبت التي نشاهدها، والتي يحاولون من خلالها القيام بعملية تفريغ وجداني وإزاحة نفسية للضغوط، ولذلك نشاهد هذه المشاهد أمام لجان الامتحانات وهم يرقصون.
كما شدد على ضرورة أنه: “لابد أن يرى أبناؤنا الواقع كما هو، وأن يدركوا أن متغيرات كثيرة حدثت في منظومة التعليم، وأن نُخرج أبناءنا شخصيات قوية لا تنساق وراء الأصدقاء أو المجموعات الموجودة على مواقع التواصل الاجتماعي، والتي تدعوهم إلى التجمع وجمع الأموال لشراء آلات موسيقية وطبل ودفوف، فالقصة ليست فرحًا فقط، بل يجب أن أُعلِّم ابني التنظيم الانفعالي لانفعالاته، فهذا أمر في غاية الأهمية. وكذلك الثبات الانفعالي في مواجهة المواقف، والتنظيم الانفعالي والثبات الانفعالي يعنيان أن يعرف الإنسان كيف يعبر عن فرحه، ومتى يعبر عنه، وبأي قدر يعبر عنه، وليس بالشكل الذي نشاهده”.
وأبدى تعجبه مما حدث قائلًا: “فعندما تطبل وترقص وتغني لأنك انتهيت من الامتحانات، فماذا ستفعل عندما تنجح؟ وماذا ستفعل عندما تلتحق بالجامعة التي تريدها؟ فلابد أن يكون هناك ضبط للسلوك، وأن تكون هناك قواعد حاكمة له، ولابد أن يكون هناك آباء وأمهات مستنيرون يتعاملون مع أبنائهم وفق التربية الإيجابية، نعم، ولكن مع احترام الذات، وأن يوضحوا لهم أن الرقص ليس مكانه الشارع، وليس مكانه مواقع التواصل الاجتماعي، وليس وقته بمجرد الانتهاء من الامتحان، ارقص، ولكن في مكانه، ارقص، ولكن في توقيته، ارقص، ولكن بما يتماشى مع الحدث”.
وتابع: “أن ينزل الأب والأم ليشاركا أبناءهما، فهذا يعكس تغيرًا في الفكر، وبالتالي تغيرًا في السلوك، وتغيرًا في النسق القيمي، لأن لديهم التباسًا في كيفية مشاركة الأبناء، ومتى تكون هذه المشاركة، وبأي شكل، وبأي طريقة، وبأي وسيلة تكون هي الوسيلة المثلى”.
فضيحة لعوراتنا النفسية.. علينا أن نبدأ من جديد
وأعرب “هندي” عن أسفه حول المظاهر التي شاهدناها أمام لجان الامتحانات موضحًا: “هذه الأمور فضحت عوراتنا النفسية، وكشفت حجم التغير السلوكي الذي طرأ على أبنائنا، وهششت العلاقة بين الآباء وأبنائهم الطلاب، الذين يحاولون القيام بعملية تعويض نفسي من خلال مشاركة هذا الحدث، والحصول على اللقطة، على حساب أشياء كثيرة كان من المفترض أن يقوموا بها طوال العام”، متابعًا: “أتمنى أن نبدأ من جديد، وأن نعيد صياغة المفاهيم، وأن نضبط النفس، وأن ندرب أبناءنا على السلوك الحميد، والأهم من ذلك أن ندرب الآباء والأمهات على فنيات التربية الإيجابية، التي لا تعني، بكل تأكيد، التسيب والرقص على أنغام “واحدة ونصف”.
الانتصار على العدو

وعلى الجانب الآخر، رفض بعض المتخصصين تفسير هذه المشاهد باعتبارها خروجًا على القيم المجتمعية، مؤكدين أن فهمها يتطلب النظر إلى السياق الذي جاءت فيه والضغوط التي سبقتها، حيث أوضح الدكتور عدلي السمري، أستاذ علم الاجتماع، إن الحديث ينطلق من فكرة أساسية مؤداها أن العدو الأساسي هو الثانوية العامة، وبقدر ما تمثل الثانوية العامة موقفًا من العداء، تكون فرحتنا بالتغلب عليها، أو الانتصار عليها، أو التخلص منها، وشاهدنا مشكلة امتحان الكيمياء ومواد أخرى تسببت في أزمات لدى الطلاب.
وأضاف السمري في تصريح خاص لـ”ليبرالي”: “خلال تواجدي بإحدى الأماكن شاهدت مجموعة كبيرة جدًا من الفتيات في حلقة واسعة وسط الطبل والزمر والرقص، وكان المشهد بالنسبة إليَ لافتًا، ولم أكن أفهم سببه فهل كان ذلك لأن الامتحان كان جيدًا بالنسبة إليهن؟ أم أن الأمر كان مجرد فرحة بالتخلص من الثانوية العامة في آخر يوم من الامتحانات”.
ليس خروج عن القيم.. لا بد للمكبوت من فيضان
وبسؤاله حول وصف مثل هذه التصرفات برد فعل هستيري أكد “السمري” أن: “رد الفعل هذا يعكس أمرًا مهمًا، وهو أن هذا الرقص رد فعل وليس فعل، وجاء بقدر الخوف أو الرعب أو القلق الذي تسببه لي الثانوية العامة، فتكون الفرحة بالتخلص منها بالقدر نفسه، ولا بد للمكبوت من فيضان”، مستشهدً بأن اللاعب عندما يحرز هدفًا ويخلع قميصه يحصل على إنذار من الحكم، لأن هذا السلوك يعد مخالفًا للوائح، ومع ذلك، ماذا يفعل اللاعب؟ إنه يعبر عن فرحته وكلما كانت فرحته أكبر كان رد فعله أكبر، فإذا جاء الهدف في الدقيقة التسعين، وكان فريقه يحتاج إليه إما للتعادل أو للفوز، فإن قيمة هذا الهدف تكون كبيرة جدًا، ومن ثم يكون رد الفعل أيضًا كبيرًا، ورغم علم اللاعب بأنه سيتعرض لعقوبة إدارية، فإنه يخلع القميص، لذلك لا ينبغي أن نصف هذا السلوك بأنه رد فعل هستيري أو خروج عن القيم، وإنما علينا أن نفهم سبب هذا الرد، فهذا الشخص لم يكن يسير في الشارع وخلع قميصه دون سبب، وإنما كان يعبر عن لحظة انتصار.
الفرحة والرقص.. شكل من أشكال الانتصار
وأكد أستاذ علم الاجتماع وليد السمري، أن كل ما حدث هو شكل من أشكال الانتصار أو التغلب، وبقدر ما كان الشيء الذي تغلبت عليه قاهرًا لك، ثم تمكنت من قهره، فمن المتوقع حدوث أي رد فعل، وغير جائز إصدار أحكام قيمية على السلوك، لأن هذا السلوك غير متكرر، وإنما هو رد فعل انفعالي لحظي ولا يمكن القول بأن هذا الرد الانفعالي اللحظي يمثل قاعدة مستقرة أو نمطًا دائمًا من السلوك، لأنه لا يتكرر، ولو تم انتزاع هذا السلوك من لحظته الانفعالية، فلن نستطيع تقييمه تقييمًا صحيحًا.
وأضاف:” في علم الاجتماع لا نستطيع تفسير أي ظاهرة إلا في سياقها، فلا يصح أن آخذ ظاهرة من سياقها ثم أقول: هذا سلوك مستهجن، أو هذه قلة أدب، أو غير ذلك، بل يجب أولا أن أفهم السياق الذي وقعت فيه، قد يتعرض شخص لموقف يتضمن إهانة شديدة للغاية، فيكون رد فعله الانفعالي أن يقتل من أساء إليه، فهل سيأتي من يقول إنه انتصر لكرامته، أو انتصر لشرفه، أو انتصر لعرضه؟ مع أنه في النهاية ارتكب جريمة قتل، وهو مجرم من الناحية القانونية، وهناك ظاهرة لا تزال موجودة في بعض مجتمعات الصعيد، وهي ظاهرة الثأر فرغم أن هذا السلوك يخالف القانون، وأن القانون يتعامل معه بحزم وشدة، فإنه مع ذلك يلقى نوعًا من التعزيز والدعم داخل بيئته الاجتماعية التي يمارس فيها، ويقال عنه “مش راجل اللي ماياخدش بتاره”، ولذلك لا يجوز أن أفصل السلوك عن إطاره”.
وتابع: “لماذا لا نقول إن هذا السلوك مستهجن وخروج عن التقاليد؟ لأنني أعود مرة أخرى إلى النقطة الأساسية، وهي أن هذا رد فعل انفعالي مرتبط بموقف معين، وكان هذا الموقف يمثل عبئًا شديدًا على من مارس هذا السلوك، وكأنه في النهاية انتصر عليه، أو عبّر عن فرحته بهذا الانتصار، وربما كان في داخله شيء من الشماتة بما انتهى إليه الأمر”.
أب يحمل ابنته على كتفيه.. رد فعل انفعالي لحظي
ولفت “السمري” إلى ضرورة ألا ينبغي محاسبة هؤلاء الشباب أو الآباء على هذا الفعل، فإذا تحدثنا عن الأب الذي حمل ابنته على كتفيه، فإن هذا الأب نفسه عاش أعباءً مريرة، وتحمل مصروفات الدراسة، وما تفرضه الثانوية العامة من أعباء مادية ونفسية مبالغ فيها على الأسرة المصرية، وبالتالي فإن ما صدر عنه هو أيضًا رد فعل انفعالي، فلو رأيت أبًا يحمل ابنته على كتفيه في الشارع، وهي تطلق الزغاريد، دون وجود أي مناسبة، فسأقول إن هذا تصرف غير طبيعي، أما إذا وضعت هذا السلوك في سياقه الصحيح، وهو أنه جاء بعد معركة طويلة اسمها الثانوية العامة، وبعد شعور بالانتصار عليها، فإنني أسمي ذلك لحظة فرح جنونية”.
الانتحار والرقص في كفة واحدة
وتساءل أستاذ علم الاجتماع مستنكرًا:” لماذا لا نتحدث أيضًا عن الطالب الذي يخرج من الثانوية العامة ويلقي بنفسه أو ينتحر؟ رغم أن السلوكين، سواء مشهد الفرح المبالغ فيه الذي نشاهده، أو سلوك الانتحار، هما في النهاية رد فعل لسبب واحد وبقدر فرحتي بالتخلص من الثانوية العامة، يكون حجم معاناتي منها، ورغم أن الانتحار سلوكًا مستهجنًا، لكنه يظل مرتبطًا بصاحبه وبالظروف التي دفعته إليه، وكذلك الشخص الذي بالغ في التعبير عن فرحته، فإن سلوكه أيضًا يرتبط بصاحبه وبالظرف الذي عاشه”، مختتمًا حديثه بأنه يجب أن نضع الانتحار في سياقه المرتبط بالثانوية العامة، كما نضع الفرح المبالغ فيه في السياق نفسه، ولابد أن نفهم الظاهرة في إطارها الصحيح، لأن فهم السياق هو الأساس في تفسير أي سلوك.
فرحة طال انتظارها.. أم تجاوز لحدود المقبول
وبين من يرى أن هذه المشاهد رد فعل لحظي وطبيعي لفرحة طال انتظارها وتخلص من أعباء، ومن يعتبرها تجاوزًا لحدود المقبول اجتماعيًا، يبقى الجدل مفتوحًا حول ما إذا كانت هذه الاحتفالات مجرد رد فعل مؤقت لضغوط الثانوية العامة، أم انعكاسًا لتحولات أوسع في طرق تعبير الأجيال الجديدة عن مشاعرها في عصر السوشيال ميديا.





