
طالب عدد من نواب البرلمان مرارا وتكرار، خلال دور الانعقاد الأول، بتقنين أوضاع معلمي الحصة وإنصافهم وتعيينهم دون شروط تعجيزية، في ظل واقع مرير يعيشونه من تدني مستوى الأجور، بل وتأخر مستحقاتهم لأشهر طويلة، بخلاف إلزام معلمو الحصة بالحضور من طابور الصباح والمشاركة في أعمال المراقبة والكنترول والمهام المدرسية، بنفس القدر الذي يتحمله المعلم الأساسي، دون مساواة فعلية في الحقوق.
من جانبها، أوضحت وزارة التربية والتعليم والتعليم الفني أن الإجراءات الجديدة تستهدف تقنين أوضاع المعلمين العاملين بنظام الحصة ممن تجاوزت أعمارهم 45 عامًا، بهدف “توفيق أوضاعهم المالية”، بحسب ما ورد في خطابها الموجه إلى المديريات التعليمية، وذلك من خلال إبرام عقود موسمية للاستعانة بهم في سد العجز بالمدارس.
وأشارت الوزارة إلى أن القرار يأتي في ضوء الحاجة إلى الاستعانة بالكوادر البشرية اللازمة لتلبية احتياجات العمل بالمدارس في مجال التدريس بنظام الحصة، ولمدة محددة، استنادًا إلى أحكام المادة 30 من القانون رقم 6 لسنة 2022، وهنا يبقى السؤال، هل وزارة التربية والتعليم تعالج أصل المشكلة.. أم أن هدفها الرئيسي سد العجز؟، وأي توفيق مالي تتحدث عنه الوزارة في ظل إبرام عقود موسمية؟.
تسكين وليس علاج

قال النائب طارق الطويل، عضو لجنة التعليم بمجلس النواب، إن معالجة أي مشكلة يجب أن تكون من جذورها، وعندما ننظر إلى المعلمين الذين تجاوزت أعمارهم 45 عامًا يجب أن تراعي سنوات عملهم الطويلة.
وأضاف “الطويل” في تصريح خاص لـ”ليبرالي” أن المعلم الذي قضى سنوات عديدة في العمل من الطبيعي أن يحصل على وضع وظيفي ومالي يتناسب مع مدة خدمته، ويتم تعيينه بعد 3 سنوات من العمل، سواء بأجر أو بعقود، متسائلًا:” لو الوزارة تتقوم بسد عجز الآن ما العائد على المعلم حتى نضمن ولائه؟”.
وتابع:” من الممكن أن نستعين بمعلم حصة لكن في المقابل يجب أن يحصل على أجر حصة عادل ومرضي، وربما لم يطالب بالتثبيت”، مستنكرًا أنه لا يوجد مكان في العالم لا يتوفر به تأمين طبي وصحي واجتماعي للعاملين.
وأوضح أن العقود الموسمية تكون مدتها 11 شهرا، أي أقل من عام، حتى لا تتحمل الدولة أجراءات تأمينات عليه، مشددا على أن استمرار العمل بعقود موسمية لفترات محددة لا يضمن للمعلم الاستقرار الوظيفي أو الحماية الاجتماعية اللازمة.
وانتقد “الطويل” تأخر مستحقات معلمي الحصة، لافتًا إلى أن هناك معلمين تخطوا الثلاثة أشهر ولم يحصلو على مستحقاتهم، مضيفًا:” بدلا من النظر فقط إلى كيفية سد العجز في المدارس أو تنظيم العملية التعليمية، يجب النظر أيضًا إلى الحالة المادية والاجتماعية للمعلم المصري، باعتباره العنصر الأساسي الذي تقوم عليه العملية التعليمية”.
وشدد على أهمية وضع نموذج تعاقدي يضمن للمعلمين قدرًا من الاستدامة والاستقرار، بحيث لا يقتصر العقد على تحديد الأجر، وإنما يتضمن أيضًا ضمانات واضحة للخدمات الطبية والتأمينات الاجتماعية باعتبار أن المعلم يعمل لدى جهة يتعين عليها توفير الحد الأدنى من الحماية الاجتماعية له، متسائلًا عن موقف المعلم ومصيره حال تعرضه لمرض أو حادث أثناء فترة عمله.
وتابع أن هذا الوضع يشبه أوضاع العمالة اليومية غير المنتظمة، مشددًا على أن تكون هذه الأمور واضحة ومنصوصًا عليها في العقد، بحيث يعرف المعلم حقوقه في العلاج والتأمينات والحماية الاجتماعية.
واختتم النائب طارق الطويل بالتأكيد على أن التعامل مع أوضاع المعلمين يحتاج إلى معالجة حقيقية ومستدامة، أما هذه الخطوة ماهي إلا تسكين وليس علاج حقيقي.
وزارة التربية والتعليم مصممة على “الترقيع”

أكد النائب محمد الشويخ، عضو مجلس النواب، أن هذا التوجه لا يمثل حلًا حقيقيًا للأزمة، مشيرًا إلى أن الوزارة ما زالت مصممة على “الترقيع”، رغم أن المشكلة الأساسية معروفة للجميع.
وأضاف “الشويخ” أن أزمات التعليم لم تكن يومًا مرتبطة بفصل ولا طالب ولا مدرسة، موضحًا:” طالما أننا لم نصل بعد إلى توفيق أوضاع المعلمين بما يلزم، وبما يعزز مكانة المعلم، فسنظل ندور في نفس الدائرة المغلقة التي نعاني منها”.
ولفت إلى أن:” معلمي الحصة هم من يحملون الوزارة، وهذه هي الحقيقة، وفي النهاية ما وضعهم، هناك 30 ألف معلم غير مقنن أوضاعهم ولم يتم توزيعهم جغرافيا بشكل عادل، بل وأجورهم متدنية ومتأخرة”.
وأضاف أن الاستعانة بمعلمي الحصة تتم في الأساس لسد العجز في المدارس ليس غير ذلك، مشددًا على أن الحل الفعلي بسيط، يتمثل في الاستعانة بمعلمي الحصة العاملين بالفعل في المدارس، والبدء في إجراءات تعيينهم، وتوزيعهم توزيعا جغرافيا مناسبا بم هو يلزم، خاصة من أثبتوا كفاءتهم واستمروا في العمل لسنوات، بدلًا من الاكتفاء بإجراءات مؤقتة لسد العجز.
واختتم النائب حديثه:” نحن ندور في دائرة مغلقة ومغميين عنينا، وإذا كانت الوزارة ترى أنه حل فهو حل غير مرضي وغير لائق، وغير كافي، وغير مناسب”، مطالبًا بضرورة الانتقال من الحلول المؤقتة إلى منظومة حقيقية تضمن الاستقرار للمعلم وتدعم العملية التعليمية.
طبطبة.. وتهدئة للرأي العام

أكدت النائبة إيرين سعيد، رئيس الهيئة البرلمانية لحزب الإصلاح والتنمية، أن الحل الحقيقي لأزمة معلمي الحصة يجب أن يتم بتعيين المعلمين الذين خدموا أكثر من 4 سنين، مشددة على ضرورة توفير عقود طويلة الأجل لهم، تتضمن حقوقًا مادية مناسبة، وضمانًا صحيًا، ورعاية اجتماعية، وأجرًا لائقًا، بدلًا من الاكتفاء بأجور محدودة والحصة بـ 20 جنيها، وأرقام لا تتناسب مع طبيعة العمل، متسائلة هل العقود التي ستبرمها الوزارة مع هؤلاء المعلمين ستتضمن هذه الحقوق أم لا؟.
وأضافت “سعيد” في تصريح خاص لـ”ليبرالي”، أن العقود الموسمية التي تتحدث عنها الوزارة ما هي إلا عمالة غير منتظمة، معتبرة أن هذا النوع من التعاقد غير آدمي.
وتابعت أن الوزارة تتنصل من اللوعود التي وعدتها للمعلمين وقت تقدمهم للمسابقة، على أمل أن يستمروا في العمل لعدة سنوات ثم يتم تثبيتهم، إلا أن تحويل الأمر إلى عمالة موسمية لا يعالج المشكلة من جذورها، مشيرة إلى أن قانون العمل نفسه لا يشجع على استمرار نمط العمالة غير المنتظمة.
وانتقدت “إيرين” توجه وزارة التربية والتعليم نحو سد عجز المعلمين فقط، دون وضع تصور حقيقي لمعالجة المشكلة على المدى الطويل، قائلة إن الوزارة إذا كانت لديها خطة واضحة وحقيقية لبناء الأجيال، فعليها أن تستثمر في المعلم من خلال التدريب والتأهيل وتراكم الخبرات، وليس التعامل معهم باعتبارهم عمالة موسمية تتغير من عام إلى آخر.
وأكدت أن المعلم يمتلك خبرات متراكمة يجب الحفاظ عليها والاستفادة منها، متسائلة:” كيف يمكن أن يكون المعلم الذي سيقوم بتدريس الطلاب كل عام عمالة موسمية، بينما تتطلب العملية التعليمية استقرارًا وتراكمًا في الخبرات؟.
وأشارت إلى أن الوزارة تنفق على تدريب وتأهيل المعلمين، وبالتالي فإن الاستغناء عنهم بعد انتهاء عقودهم يمثل إهدارًا لما تم إنفاقه على تدريبهم، فضلًا عن إهدار الخبرات التي اكتسبوها خلال سنوات العمل.
وشددت على رفضها لفكرة العمالة غير المنتظمة بوجه عام، مؤكدة أن العامل من حقه أن يحصل على فرصة عمل مستقرة وأن يكون مؤمنًا عليه ويتمتع بحقوقه كاملة، شأنه شأن غيره من العاملين.
وفي تعليقها على تركيز الوزارة على المعلمين الذين تجاوزوا 45 عامًا، قالت إن الإعلان محاولة لإرضائهم بسبب طيل المدة ويحمل رسالة “إحنا فاكرينكم، لكن إحنا فاكرينكم بعقود موسمية” لا يمثل حلًا حقيقيًا للمشكلة، بل مجرد محاولة لامتصاص غضب معلمي الحصة لأن فرصة من هم فوق الـ 45 عام في العمل قليلة جدا في القطاع الخاص.
واختتمت بالتأكيد على أن هذه الإجراءات، في صورتها الحالية، تبدو أقرب إلى الطبطبة وتهدئة الرأي العام، أكثر من كونها معالجة جذرية لأزمة المعلمين، مشددة على أن الحل الحقيقي يجب أن يقوم على عقود مستقرة، وحقوق مادية واجتماعية واضحة، والاستفادة من سنوات الخبرة بدلا من التعامل مع المعلم كعمالة موسمية.






