
حقوقيون: وفيات العمال بالإهمال “عرض مستمر”.. ومطالبات بتحقيق عاجل ومحاسبة المسؤولين
عثمان مصطفى: أطالب بإجراء حوار مجتمعي عمالي حول سبل حل هذه الأزمة
دار الخدمات النقابية والعمالية: تكرار مثل هذه الحوادث هو نتيجة مباشرة لسياسات الإهمال وغياب المساءلة
بين نصوص القانون التي تكفل “الحق في الحياة” وبيئة العمل الآمنة، وبين الواقع المرير الذي يعيشه عمال مصر، فجوة تسيل منها دماء تبحث عن لقمة العيش. إن حماية العامل من حوادث العمل ليست مجرد رفاهية أو التزاماً تعاقدياً، بل هي واجب إنساني أصيل واستحقاق قانوني دستوري؛ إذ لا يمكن لـ “عجلة الإنتاج” أن تدور على حساب أرواح البشر. ومع ذلك، بات الإهمال وغياب معايير السلامة والصحة المهنية يهددان هذا الحق الأساسي بشكل يومي، وسط تصاعد صرخات الحقوقيين والمجتمع العمالي بضرورة الانتقال من منطق “التعويض الففدي” إلى منطق “المحاسبة والوقاية”.
في هذا السياق، فتحت الفاجعة الأخيرة بمدينة السادات بمحافظة المنوفية ملف الحوادث المأساوية مجدداً، إثر سقوط ثلاثة عمال داخل إحدى بلاعات الصرف الصحي، مما أسفر عن وفاة عاملين وإصابة ثالث، في حادثة فجرت موجة غضب عمالي وحقوقي عارم يطالب بحلول جذرية لوقف هذا النزيف..
نمط متكرر وروتين يومي مأساوي
يرى مراقبون حقوقيون أن الشهور الأخيرة شهدت نمطاً متكرراً ومتصاعداً من وفيات العمال الناتجة عن الإهمال الجسيم، حتى باتت هذه الحوادث أقرب إلى “روتين يومي مأساوي” تُظهره الأرقام الصادمة التي توثقها المنظمات المعنية:
ورصدت المفوضية المصرية للحقوق والحريات خلال يونيو الماضي ما لا يقل عن 38 حادثة عمل في محافظات وقطاعات مختلفة، أسفرت عن 24 وفاة و183 إصابة، ووصفتها بأنها مؤشرات خطيرة على حجم المخاطر التي يتعرض لها العمال. كما أشارت إلى تراجع إدارة مشروع أبيدوس 2 للطاقة الشمسية في أسوان عن قرار تعديل مواعيد العمل الذي اتخذته بعد وفاة العامل أحمد عبد المقصود إثر إجهاد حراري في مايو.
وفي 18 مايو، نعت دار الخدمات النقابية والعمالية عامليْن لقيا مصرعهما وأصيب 15 آخرون في تصادم سيارة ربع نقل كانت تقل عمالة يومية على طريق السادات–الخطاطبة، معتبرة أن تكرار هذه الحوادث يعكس إهمالًا مزمنًا في حماية العمال. كما وثقت في 10 مايو وفاة عامل وإصابة عدد من العمال، بينهم طفلان، إثر انقلاب سيارة ربع نقل في أسيوط، مؤكدة أن الحادث يمثل مخالفة لقانون العمل الذي يُلزم أصحاب الأعمال بتوفير وسائل نقل آمنة.
وفي 11 أبريل، أسفر انقلاب سيارة ربع نقل تقل عمالًا على الطريق الصحراوي الغربي بالمنيا عن وفاة عامل وإصابة 12 آخرين، بينما أدى حريق داخل مصنع للملابس في سراي القبة بالقاهرة مطلع أبريل إلى وفاة 9 عمال وإصابة 17.

وخلال فبراير، قُتل 16 عاملًا من العمالة اليومية بعدما دهست شاحنة سيارة ربع نقل كانت تقلهم في جنوب بورسعيد، كوخلال فبراير، قُتل 16 عاملًا من العمالة اليومية بعدما دهست شاحنة سيارة ربع نقل كانت تقلهم في جنوب بورسعيد، كما شهد الشهر نفسه إصابة 16 عاملًا في انقلاب سيارة بأسوان، ووفاة أربعة عمال وإصابة ستة آخرين في حادث مماثل بالدقهلية، في استمرار لحوادث نقل العمال بوسائل غير آمنة.
وفي أعقاب حوادث وفاة العمال، تعلن وزارة العمل عادةً صرف منح ومساعدات لأسر الضحايا، خاصة إذا كانوا من العمالة غير المنتظمة المسجلة لديها. وتبلغ منحة الوفاة الأساسية 10 آلاف جنيه، بينما أقرت الوزارة في عدد من الحوادث الجماعية الأخيرة صرف 200 ألف جنيه لأسرة كل متوفى و20 ألف جنيه لكل مصاب من الحساب المركزي لرعاية العمالة غير المنتظمة، إلى جانب مساعدات إضافية قد تُقدم بالتنسيق مع وزارات ومحافظات أخرى. أما العمال المؤمن عليهم، فتستحق أسرهم معاشات وتعويضات وفقًا لقانون التأمينات الاجتماعية، مع بقاء حقهم في المطالبة بتعويضات قضائية إذا ثبت وجود إهمال أو مخالفة لاشتراطات السلامة المهنية
حوار مجتمعي عمالي

من جانبه، طالب القيادي العمالي عثمان مصطفي عضو الهيئة العليا لحزب العدل في حديثه لـ “ليبرالي” بضرورة اجراء حوار مجتمعي عمالي حول سبل حل هذه الأزمة في حضور المسئولين والمعنيين، مؤكدًا أن أرواح العمال ليست رخيصة وبيوتهم في أمس الحاجة إلى بقائهم بجوارهم في ظل ظروف اقتصادية قاسية.
وتساءل مصطفى:” أين تطبيق القانون، وأين التحقيقات والمحاسبة؟ وأين معايير السلامة والصحة المهنية في جميع مواقع العمل، وهل أرواح العمال وحقهم في العمل في بيئة آمنة وكريمة أمر بسيط حتى ننسى بعد كل حادثة الأمر ثم نعيد التذكير به مرارًا مع فقد روح جديدة؟”.
مطالبات بالتحقيق
من جانبها، أكدت دار الخدمات النقابية والعمالية أن واقعة بلاعات الصرف الصحي تثير مجددًا تساؤلات مشروعة حول استمرار مظاهر الإهمال والتقصير التي أصبحت تهدد حياة العمال بشكل يومي، في ظل غياب الرقابة الفاعلة، وعدم الالتزام بمعايير السلامة المهنية، وعدم توفير المعدات والإجراءات الوقائية اللازمة، بما يجعل العمال يواجهون مخاطر جسيمة أثناء أداء أعمالهم، ويعرضهم للموت أو الإصابات البالغة، بينما تتحمل أسرهم وحدها تبعات هذه الكوارث الإنسانية.

وشددت دار الخدمات النقابية والعمالية على أن تكرار مثل هذه الحوادث هو نتيجة مباشرة لسياسات الإهمال وغياب المساءلة، وهو ما يستوجب تحقيقًا جادًا وشفافًا يكشف جميع ملابسات الحادث ويحدد المسؤوليات على مختلف المستويات، بعيدًا عن محاولات التغطية أو الالتفاف على الحقيقة.
وطالبت الدار بسرعة إحالة المسؤولين عن هذه الواقعة إلى التحقيق والمحاسبة، مؤكدة ضرورة التطبيق الصارم لمعايير السلامة والصحة المهنية في جميع مواقع العمل، وتوفير التدريب والمعدات الوقائية اللازمة، وعدم السماح بتنفيذ أي أعمال داخل شبكات الصرف الصحي أو غيرها من الأعمال الخطرة دون الالتزام الكامل بإجراءات التأمين المعتمدة، بما يحفظ أرواح العمال ويصون حقهم في العمل في بيئة آمنة وكريمة.





