بين الرواية الرسمية وتحفظات حقوقية.. وفد “حقوق الإنسان بالبرلمان الأوروبي” يستطلع وجهات النظر في القاهرة


في زيارة تعكس وفق مراقبين حساسية ملف حقوق الإنسان في العلاقات المصرية الأوروبية، حرص وفد اللجنة الفرعية لحقوق الإنسان بالبرلمان الأوروبي على الاستماع إلى طرفي المشهد بين الرواية الرسمية، وما يطرحه القائمين على المنظمات الحقوقية خلال زيارته للقاهرة أمس الثلاثاء، فمن داخل المؤسسات الرسمية استعرضت الدولة ما تعتبره مسارًا متقدمًا للإصلاح التشريعي وتعزيز العدالة، بينما نقلت إحدى أبرز المنظمات الحقوقية رؤيتها بشأن استمرار القيود على المجتمع المدني وحرية التعبير.

وأجرى وفد اللجنة الفرعية لحقوق الإنسان بالبرلمان الأوروبي، برئاسة منير ساتوري، سلسلة من اللقاءات الرسمية في القاهرة، أمس الثلاثاء شملت لجنة حقوق الإنسان بمجلس النواب، والنيابة العامة، إلى جانب لقاء مع ممثلي مؤسسة حرية الفكر والتعبير، وذلك في إطار زيارة تهدف إلى تعزيز الحوار وتبادل الرؤى بشأن ملفات حقوق الإنسان والقضايا ذات الاهتمام المشترك.

تباين واضح

وفق الرصد، تكشف اللقاءات الثلاثة عن تباين واضح في طبيعة الخطاب المقدم للوفد الأوروبي بحسب الجهة المستضيفة. ففي مجلس النواب، ركزت المناقشات على الإصلاحات التشريعية والاستراتيجية الوطنية لحقوق الإنسان، مع ربط الملف بالتنمية ومكافحة الإرهاب والهجرة غير الشرعية. أما في النيابة العامة، فقد انتقل التركيز إلى الجوانب القانونية والإجرائية، من خلال استعراض ضمانات العدالة الجنائية واستقلال النيابة وآليات حماية الحقوق والحريات.

وفي المقابل، قدمت مؤسسة حرية الفكر والتعبير طرحًا مختلفًا، إذ ركزت على ما وصفته باستمرار القيود على منظمات المجتمع المدني وحرية التعبير، خاصة في الفضاء الرقمي.

وتعكس اللقاءات الثلاثة أن الوفد الأوروبي حرص على بناء صورة متكاملة عبر الاستماع إلى روايات متباينة حول الملف ذاته، بدلاً من الاكتفاء بالطرح الرسمي أو الحقوقي منفردًا، فبينما سعت المؤسسات الرسمية إلى إبراز ما تحقق من إصلاحات تشريعية ومؤسسية، ركزت المنظمة الحقوقية على التحديات التي ترى أنها لا تزال قائمة.

زيارة لجنة حقوق الإنسان بمجلس النواب

واستقبلت لجنة حقوق الإنسان بمجلس النواب، برئاسة النائب طارق رضوان، أمس الثلاثاء بمقر مجلس النواب، منير ساتوري، رئيس اللجنة الفرعية لحقوق الإنسان ببرلمان الاتحاد الأوروبي.

ضم وفد البرلمان الأوروبي كلاً من أنطونيو لوبيز استوريز، وساندرا لوبيز، وماريا نوبخل، والسيد مارك يونجن، أعضاء البرلمان الأوروبي. كما شارك في اللقاء من جانب لجنة حقوق الإنسان بمجلس النواب النائب ياسر الهضيبي وكيل اللجنة، والدكتور محمد فريد أمين سر اللجنة، والسفيرة نائلة جبر، والدكتور جرجس لاوندي، والنائبتان مريانا عبدالشهيد وروان النحاس.

وتناول اللقاء سبل تعزيز العلاقات الثنائية بين مجلس النواب المصري والبرلمان الأوروبي، وأهمية استمرار الحوار البرلماني باعتباره أحد أهم أدوات بناء الثقة وتبادل الرؤى بشأن مختلف القضايا ذات الاهتمام المشترك، بما يدعم الشراكة الاستراتيجية بين مصر والاتحاد الأوروبي.

واستعرض النائب طارق رضوان حزمة الإصلاحات التشريعية التي شهدتها الدولة المصرية خلال السنوات الماضية، والتي جاءت تنفيذًا للاستحقاقات الدستورية، مؤكدًا أن مجلس النواب اضطلع بدور محوري في تطوير المنظومة التشريعية بما يعزز حماية الحقوق والحريات، ويواكب أهداف الجمهورية الجديدة ورؤية الدولة المصرية في بناء دولة القانون والمؤسسات.

وأوضح أن الإصلاحات شملت مختلف مجالات الحقوق المدنية والسياسية، إلى جانب الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، فضلًا عن إصدار وتعديل العديد من التشريعات الهادفة إلى تعزيز الحماية القانونية للفئات الأولى بالرعاية والأكثر احتياجًا، وترسيخ مبادئ العدالة الاجتماعية، وتمكين المرأة والشباب والأشخاص ذوي الإعاقة، بما يتسق مع الاستراتيجية الوطنية لحقوق الإنسان والالتزامات الدولية للدولة المصرية.

كما أكد رئيس اللجنة أن الدولة المصرية لا تنظر إلى حقوق الإنسان بمنظور أحادي، وإنما تتبنى مفهومًا شاملًا ومتوازنًا يقوم على الترابط بين الحقوق المدنية والسياسية والحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، باعتبارها منظومة متكاملة لا تقبل التجزئة، مشيرًا إلى أن مسار الإصلاح التشريعي ارتبط ارتباطًا وثيقًا ببرامج التنمية المستدامة وبناء الإنسان المصري.

وأشار رضوان إلى أن الدولة أولت اهتمامًا كبيرًا بنشر ثقافة حقوق الإنسان، من خلال برامج التوعية والتثقيف وبناء القدرات، وإدماج مفاهيم حقوق الإنسان في برامج التدريب والتأهيل بمختلف مؤسسات الدولة، انطلاقًا من قناعة راسخة بأن ترسيخ ثقافة الحقوق والواجبات يمثل حجر الأساس في بناء مجتمع ديمقراطي حديث يقوم على سيادة القانون واحترام الكرامة الإنسانية.

وخلال اللقاء، استعرض رضوان حجم التحديات الاستثنائية التي واجهتها الدولة المصرية منذ عام 2014، وفي مقدمتها الحرب الشاملة ضد الإرهاب، وما تطلبته من جهود ضخمة للحفاظ على وحدة الدولة ومؤسساتها، بالتوازي مع تنفيذ برنامج واسع للإصلاح الاقتصادي وإعادة بناء البنية الأساسية وتحقيق التنمية الشاملة، رغم ما تشهده المنطقة من اضطرابات سياسية وأمنية غير مسبوقة.

وأكد أن مصر قدمت نموذجًا مسؤولًا في مكافحة الإرهاب وتجفيف منابعه، وأسهمت بدور رئيسي في مواجهة الهجرة غير الشرعية، حتى أصبحت من الدول الرائدة في هذا الملف، إلى جانب تحملها أعباء إنسانية كبيرة نتيجة استضافة أعداد متزايدة من اللاجئين والنازحين القادمين من مناطق النزاعات، في ظل التطورات الإقليمية المتسارعة.

وأوضح أن الدولة المصرية تتعامل مع هذا الملف من منطلق إنساني راسخ، حيث تعتبر هؤلاء ضيوفًا على أرض مصر، ويتمتعون بحقوقهم في التعليم والرعاية الصحية والخدمات الأساسية، فضلًا عن العمل على دمجهم مجتمعيًا دون إقامة معسكرات أو مراكز احتجاز، بما يعكس التزام مصر بقيمها الإنسانية ومسؤولياتها الدولية، رغم ما تتحمله من أعباء اقتصادية واجتماعية كبيرة.

وفي ختام اللقاء، أكد الجانبان أهمية مواصلة الحوار البرلماني البناء، وتعزيز قنوات التواصل والتعاون بين مجلس النواب المصري والبرلمان الأوروبي، بما يسهم في ترسيخ الشراكة السياسية والاقتصادية، وتبادل الخبرات، ودعم المصالح المشتركة بين مصر والاتحاد الأوروبي.

وشدد المشاركون على أن العلاقات المصرية الأوروبية تمثل ركيزة مهمة للاستقرار والتنمية في منطقة البحر المتوسط، وأن المرحلة المقبلة تتطلب البناء على ما تحقق من تعاون، وتوسيع مجالات الشراكة القائمة على الاحترام المتبادل، وعدم التدخل في الشؤون الداخلية، والإيمان بأن الحوار والتعاون هما السبيل الأمثل لمواجهة التحديات الإقليمية والدولية وتحقيق المصالح المشتركة للشعوب.

زيارة النائب العام

وفي إطار الزيارة ذاتها، التقى النائب العام المستشار محمد شوقي بممثلي أعضاء اللجنة الفرعية لحقوق الإنسان بالبرلمان الأوروبي، وذلك في إطار تعزيز الحوار والتعاون وتبادل الرؤى بشأن الموضوعات ذات الاهتمام المشترك في مجال حقوق الإنسان، وفق بيان رسمي.

واستُهل اللقاء بعرض تقديمي استعرض خلاله ممثلو النيابة العامة الدور الذي تضطلع به النيابة العامة المصرية في حماية حقوق الإنسان وتعزيزها، باعتبارها أمينة على الدعوى الجنائية، وحامية للشرعية وسيادة القانون، إلى جانب أبرز الإنجازات والمبادرات التي نفذتها في هذا المجال.

وتناول العرض جهود النيابة العامة في تطوير آليات حماية الحقوق والحريات، والتفتيش الدوري على مراكز الإصلاح والتأهيل، وتعزيز ضمانات العدالة الجنائية، وبناء القدرات المؤسسية، وبرامج التدريب المتخصص لأعضاء النيابة العامة، بما يسهم في رفع كفاءة الأداء وترسيخ مبادئ سيادة القانون.

كما استعرض ممثلو النيابة العامة عددًا من المبادرات والإجراءات التي اتخذتها المؤسسة في إطار تطوير منظومة العدالة، وتعزيز الضمانات القانونية والإجرائية، بما يحقق التوازن بين إنفاذ القانون وصون الحقوق والحريات، ويعكس توجه النيابة العامة نحو تحديث آليات عملها وفقًا للمعايير القانونية والدستورية.وعقب انتهاء العرض،

دار نقاش بناء بين الجانبين بشأن عدد من الموضوعات ذات الصلة بحقوق الإنسان، وذلك في حدود الاختصاصات الدستورية والقانونية للنيابة العامة المصرية، حيث جرى توضيح الأطر القانونية والإجرائية الحاكمة لعمل النيابة العامة، والإجراءات التي تتخذها في سبيل حماية الحقوق والحريات وإنفاذ القانون.

وتناول الحوار عددًا من الاستفسارات المتعلقة بمنظومة العدالة الجنائية، وآليات مباشرة النيابة العامة لاختصاصاتها، والضمانات المقررة في القانون المصري، مع التأكيد على استقلال النيابة العامة والتزامها الراسخ بمبادئ العدالة وسيادة القانون، وأداء دورها في حماية المجتمع وصون الحقوق والحريات وفقًا للدستور والقانون.

مؤسسة حرية الفكر والتعبير

ومن جانب آخر، التقى الوفد الأوروبي بممثلين من مؤسسة حرية الفكر والتعبير، لاستطلاع راي المؤسسة في العراقيل التي تواجه عمل منظمات المجتمع المدني

كما تطرق اللقاء إلى ما وصفه ممثلو المؤسسة بالانتهاكات المستمرة للحق في حرية التعبير، ولا سيما ما يتعلق بحرية التعبير الرقمي، مشيرين إلى ما تم اعتباره هجمة على حق النساء في حرية التعبير الرقمي تحت دعاوى حماية قيم الأسرة المصرية وفق بيان للمؤسسة.

وبذلك، عكست الزيارات الثلاثة، أن ملف حقوق الإنسان،  لا يزال أحد أبرز ملفات الحوار بين القاهرة وبروكسل، حيث تواصل المؤسسات الرسمية عرض رؤيتها للإصلاحات والضمانات القانونية، فيما تستمر المنظمات الحقوقية غير الحكومية في طرح ملاحظاتها بشأن التحديات القائمة، مع استمرار جولات وعمل الوفد الأوروبي في القاهرة، في مشهد يعكس تعدد الروايات حول الملف واستمرار النقاش بشأنه.