
تقرير – صابر العربي وإبراهيم العجمي:
في الوقت الذي تتسارع فيه جهود الدولة لتطوير الريف المصري وإعادة رسم خريطته الخدمية، تبدو هناك ثغرات جغرافية وإدارية تسلل منها التهميش ليحاصر عدة مناطق في أقاصي الصعيد والوادي الجديد.
ما بين تشابكات التقسيم الإداري التي حرمت قرى بأكملها من الميزانيات، وبين الارتفاع الباهظ لتكاليف التشغيل التي تكبل الزراعة وتعيق شبكات الكهرباء والمياه، يطفو إلى السطح تساؤل جوهري حول آليات توزيع الاستثمارات التنموية في القرى التي يقطنها “المواطن المنسي” من قلب الحدث ليكشف حقيقة الفجوة بين الخطط التنفيذية وواقع القرى المنسية.

الوادي الجديد: أزمات معلقة بين زحف الصحراء وغلاء التكلفة
في أعماق الصحراء الغربية، يواجه أبناء محافظة الوادي الجديد تحديات هيكلية طال أمدها، تهدد المورد الاقتصادي الأول للمحافظة وهو القطاع الزراعي، وكشف المهندس محمود صالح عبد المالك، عن أزمة مزمنة تحيط بملف “أراضي الجمعيات” المتوقفة منذ عام 1998، حيث يدفع المواطنون ثمن تأخر الدولة في توصيل المرافق، ليفاجأوا بقرارات سحب الأراضي رغم عدم مسؤوليتهم عن التعثر.
ويضيف عبدالمالك، أن الأزمة لا تتوقف عند حدود الأرض، بل امتدت لتطال “شريان الحياة” للزراعة، إذ صُدم الفلاحون بارتفاع تكاليف صيانة آبار الري لترتفع إلى أرقام تتراوح بين 450 إلى 600 ألف جنيه للبئر الواحد، ما أدى لشلل وتوقف العديد منها.
يرافق ذلك شبكة طرق تهالكت على حارة واحدة (مثل طريقي أسيوط/الوادي الجديد والخارجة/الداخلة)، فتتحول يوميًا إلى مصيدة للحوادث في ظل غياب التغطية بالغاز الطبيعي عن كافة المراكز باستثناء الخارجة، وانقطاعات التيار بمولدات الفرافرة، ناهيك عن العزلة المناخية لقرى مثل “الأربعين” و”الثمانين” أمام العواصف الرملية لغياب مصدات الرياح.

“أبو الريش” بأسوان: الوعود الانتخابية أكثر انتظاماً من المياه!
وعلى أطراف شمال أسوان، ترسم قرية “أبو الريش قبلي” صورة أخرى لمعاناة القرى مع البنية التحتية والوعود الموسمية، ويشير محمود نور، أحد أبناء القرية، إلى حالة الإحباط التي يعيشها الأهالي بسخرية مريرة، مؤكدًا أن “الوعود الانتخابية باتت أكثر انتظاماً من وصول مياه الشرب نفسها!”.
ويضيف نور، أن صور المرشحين وتتغير وتتغير معها الشعارات مع كل استحقاق انتخابي، لكن المأساة قائمة، فلا شبكات صرف صحي أُنشئت، ولا شوارع حُظيت بالرصف.
ولفت إلى تساؤل الأهالي:” كيف يعرف الجميع طريق القرية عندما يحين موسم جمع الأصوات، لتختفي القرية تمامًا عن خرائط المسئولين فور إعلان النتائج؟!”، مونهًا باستغاثة السكان من غياب منظومة النظافة، ما يضطرهم لحرق المخلفات وتلوث البيئة، مطبقين شعارًا واحدًا للمرحلة المقبلة:” لا نريد وعودًا جديدة.. فقط نفذوا الوعود القديمة”.

عشوائيات سفوح الجبال على بُعد دقائق من قلب المدينة
وعلى بُعد دقائق معدودة من قلب مدينة أسوان، يعيش آلاف المواطنين بالشرق واقعاً معزولاً عن خطط التحديث والتنمية، يوضح محمد عبده مهلل”من أبناء المنطقة”، أن غياب أراضي الإسكان المخططة والمشاريع الاجتماعية أجبر مئات الأسر على إقامة مساكن من “الطوب الأبيض” فوق سفوح الجبال، في بيئة تفتقر لأدنى معايير الأمان والشروط الصحية.
ويؤكد مهلل على أن هذه الفجوة تظهر جلية في انقطاع متكرر للمياه، وغياب الصرف والغاز، بل وحتى صعوبة وصول سيارات الإسعاف والحماية المدنية بسبب الشوارع الوعرة، وعلى الجانب الخدمي، تكتظ المدارس بالكثافات الطلابية، وتفقد المساجد أئمتها، بينما تحاصر البطالة طاقات شبابية وهبها الله مواهب وثروة بشرية هائلة تُهدر في غياب مراكز الشباب والمنافذ الثقافية التي تحتضنهم.

“خط الغرب” بإسنا: التبعية الإدارية التي حصرت القرى في “اللا شيء”
وفي مركز إسنا، تكشف مأساة قرى “خط الغرب” (مثل نجع أبو سعيد والسلامية) عن خلل إداري يدفع ثمنه المواطن البسيط، ويوضح المحامي الشاذلي البحيري أن التبعية الإدارية لهذه القرى إلى “بندر إسنا” خلقت حالة من الضياع والتهميش الخدمي؛ فلا هي تعاملت كقرى لتستفيد من المبادرات والميزانيات المخصصة للريف، ولا هي نالت نصيبها العدل من خدمات البندر والمجالس المحلية.
نتيجة هذا الوضع “المُعلق”، استمر حرمان قرى خط الغرب من مشاريع الصرف الصحي، وتغطية الطرق، وشبكات الغاز، لتظل سجين صراعات التقسيم الإداري، بينما ينتظر الأهالي خطة تدخل عاجلة تعيد المنطقة إلى أولويات الاستثمار التنموي وتضمن تطبيق مبادئ العدالة الاجتماعية.
وفيما يخص الحلول، قال الدكتور سعيد حسنين، أستاذ التخطيط العمراني، إن تنمية القرى المهمشة لم تعد تقتصر على تنفيذ مشروعات بنية تحتية أو تحسين شكل المباني، وإنما أصبحت تعتمد على مفهوم التنمية المتكاملة، الذي يربط بين تطوير شبكات المرافق الأساسية، ورفع كفاءة الخدمات الصحية والتعليمية، وتوفير فرص العمل، بما يضمن تحسين جودة حياة المواطنين داخل قراهم ويحد من الهجرة إلى المدن الكبرى.

التنمية الحقيقية تُقاس بالخدمات الأساسية
وأضاف حسنين، أن نجاح خطط تطوير الريف يرتبط بقدرتها على تحويل القرى من مناطق تعاني نقص الخدمات إلى مجتمعات قادرة على جذب الاستثمار وتوفير فرص اقتصادية لسكانها، موضحًا أن التنمية الحقيقية تُقاس بمدى قدرة المواطن على الحصول على الخدمات الأساسية داخل محل إقامته دون الحاجة إلى الانتقال إلى المدن للحصول عليها.
وأشار أستاذ التخطيط العمراني إلى أن الدولة تبنت خلال السنوات الأخيرة رؤية تقوم على العمل في مسارين متوازيين، الأول تطوير المناطق القائمة، بما يشمل القرى الأكثر احتياجًا، والثاني التوسع في إنشاء مجتمعات عمرانية جديدة، مؤكدًا أن الجمع بين المسارين يسهم في تحقيق تنمية عمرانية أكثر توازنًا ويخفف الضغوط السكانية عن المدن الرئيسية.
وأكد حسنين على أن تنمية القرى لا تقتصر على إنشاء طرق أو مرافق جديدة، بل تشمل بناء اقتصاد محلي قادر على توفير فرص عمل مستدامة، لأن استمرار خروج الشباب من الريف بحثًا عن العمل يعني أن عملية التنمية لم تحقق أهدافها بالكامل، مهما بلغت قيمة الاستثمارات المنفذة في البنية الأساسية.

شعور المواطن بالانتماء.. يُخفف من الضغوط اليومية
بدوره، قال الدكتور جمال فرويز، أستاذ الطب النفسي والاستشاري الاجتماعي، إن مبادرة “حياة كريمة” تجاوزت مفهوم تطوير البنية التحتية إلى إحداث تغيير في النسيج الاجتماعي داخل القرى، موضحًا أن توفير الخدمات الأساسية مثل مياه الشرب والصرف الصحي والوحدات الصحية والمدارس يسهم في تعزيز شعور المواطنين بالاستقرار والانتماء، ويخفف من الضغوط اليومية التي كانت تؤثر على الأسرة الريفية.
وأشار فرويز إلى أن مبادرة “حياة كريمة” مثلت أحد أهم الأدوات لمعالجة هذا التفاوت، بعدما ركزت على تطوير القرى الأكثر احتياجًا بصورة شاملة، بدءًا من شبكات المرافق والطرق، مرورًا بالمدارس والوحدات الصحية ومراكز الخدمات الحكومية، وصولًا إلى دعم التمكين الاقتصادي وخلق فرص عمل، بما يضمن أن يشعر المواطن بثمار التنمية في حياته اليومية.
وانطلقت المبادرة الرئاسية “حياة كريمة” في 2 يناير 2019 بهدف تحسين مستوى المعيشة في القرى والمناطق الأكثر احتياجًا، قبل أن تتحول إلى المشروع القومي لتطوير الريف المصري.

أي مشروع تنموي يُقاس بتحسين جودة حياة الإنسان.. وليس فقط بحجم الإنشاءات
ويستهدف المشروع تطوير 4584 قرية يستفيد منها نحو 58% من سكان مصر، من خلال تنفيذ مشروعات في مياه الشرب والصرف الصحي والطرق والكهرباء والغاز الطبيعي، إلى جانب تطوير المدارس والوحدات الصحية ومراكز الشباب والخدمات الحكومية، باستثمارات تقدر بنحو 515 مليار جنيه في مرحلته الأولى، مع استمرار تنفيذ المشروعات والتوسع فيها خلال السنوات الأخيرة.
وأضاف الدكتور جمال فرويز، أن المشروعات التنموية داخل القرى لا تنعكس فقط على مستوى المعيشة، وإنما تخلق بيئة اجتماعية أكثر استقرارًا، إذ تساعد على تقليل الفجوة بين الريف والحضر، وتمنح الشباب فرصًا أفضل للبقاء والعمل داخل مجتمعاتهم، وهو ما يحد من الهجرة الداخلية ويحافظ على تماسك الأسرة المصرية.
وأفاد أستاذ الطب النفسي، بأن نجاح أي مشروع تنموي يقاس بقدرته على تحسين جودة حياة الإنسان، وليس فقط بحجم الإنشاءات، مؤكدًا أن توفير الخدمات العامة ورفع كفاءة المرافق ينعكس على الصحة النفسية للمواطن، ويعزز إحساسه بالأمان والثقة في المستقبل، بما يدعم عملية التنمية المستدامة على المدى الطويل.
ولفت فرويز إلى أن معالجة أوضاع هذه القرى لم تكن مجرد قضية خدمية، بل قضية عدالة اجتماعية، موضحًا أن الدولة اتجهت خلال السنوات الأخيرة إلى تبني رؤية تستهدف الوصول إلى الفئات التي ظلت خارج أولويات التنمية لعقود، من خلال تنفيذ مشروعات متكاملة تستهدف تحسين جودة الحياة وتوفير الخدمات الأساسية للمواطنين داخل أماكن إقامتهم.
وأكد أستاذ الطب النفسي على أن نجاح الجهود يتطلب الانتقال من مرحلة إنشاء المشروعات إلى مرحلة استدامتها، من خلال توفير فرص اقتصادية حقيقية داخل القرى، وتشجيع الاستثمار في المشروعات الصغيرة والمتوسطة، ودعم الشباب والمرأة، حتى تتحول التنمية من تحسين للخدمات إلى تنمية اقتصادية واجتماعية مستدامة تقلل معدلات الفقر والهجرة الداخلية.







