العامل المصري حكاية وطن “4”
حين خرج العامل من الاحتجاج إلى التنظيم
في المقال السابق، تركنا العامل المصري في لحظة لم يعد فيها الصمت هو الاختيار الوحيد، كان قد بدأ يكتشف أن اليد التي تعمل تستطيع أن تتوقف، وأن العامل الذي يقف وحده قد لا يسمعه أحد، لكن عشرات العمال حين يقفون معًا يمكن أن يتحول صمتهم إلى صوت، كانت الاضرابات تظهر هنا وهنا كتجمعات صغيرة تتشكل في المصانع والورش والموانئ، عمال يرفعون مطالبهم، ثم يعودون إلى أعمالهم .
مرة ينتصرون، ومرة ينكسرون، ومرة يدفع أحدهم ثمن جرأته، لكن شيئا كان قد تغير، العامل المصري لم يعد ينظر إلى نفسه باعتباره فردًا يواجه صاحب العمل وحده، بدأ يرى الرجل الذي يقف إلى جواره، ثم الرجل الذي يعمل في المصنع المجاور، ثم آلاف يشبهونه، لا يعرف أسماءهم، لكنهم يعيشون المشكلة نفسها… وهنا ظهرت كلمة صغيرة ستغير كل شيء “نحن”.
لم يعد العامل يقول أنا أطالب، أنا أحتج، أنا أضرب، بدأ يقول نحن نطالب، ومن “نحن” بدأت الحكاية تأخذ طريقًا جديدًا، فالإضراب يمكن أن ينتهي، أما التنظيم فيمكن أن يبقى.
لكن من يتحدث باسمهم؟
السؤال بدا بسيطا، لكنه لم يكن كذلك.
إذا اتفق العمال على مطلب، فمن يتحدث باسمهم؟.
إذا دخلوا في تفاوض، من يجلس أمام صاحب العمل؟.
إذا تعرض أحدهم للفصل، من يدافع عنه؟.
وإذا دخلت السلطة على الخط، من يتحمل المسؤولية؟.
كان العمال قد اكتشفوا قوة العدد، لكن العدد وحده لا يصنع تنظيما، والقيادة تحتاج إلى قواعد، والقواعد تحتاج إلى كيان ، هكذا، بدأ العامل المصري يكتشف أن المعركة القادمة ليست فقط على الأجر أو ساعات العمل، كانت معركة على شيء أكبر.
أن يكون للعمال صوت لا يختفي بانتهاء الإضراب
ومن هنا بدأت محاولات تكوين التنظيمات العمالية تظهر بصورة أكثر وضوحا، لم تكن كلها متشابهة، ولم تكن كلها مستقرة، وبعضها انتهى سريعا، لكن كل محاولة كانت تترك وراءها شيئا، خبرة..اسما..شخصية جديدة..أو درسًا مؤلمًا، والتاريخ الحقيقي للحركة العمالية لم يُكتب فقط في لحظات الانتصار، أحيانا كان يُكتب في لحظات الفشل.
1908… عندما أصبح الإضراب قضية دولة
دخل عمال الترام في واحدة من أشهر المواجهات العمالية في تلك المرحلة، في عام 1908، لم تكن المشكلة مجرد خلاف في مكان العمل، خرج العمال في إضراب، وتطورت المواجهة إلى قضيةوصلت إلى المحاكم، ووجد أكثر من مائة عامل أنفسهم في مواجهة مع السلطة.
تخيل المشهد،عامل يترك مكان عمله، يعود إلى بيته، يجد أسرته تنتظر، لكنه يعرف أن زميله يقف إلى جواره، وأن التراجع الآن لا يعني خسارة مطلب فقط، يعني أن كل واحد منهم سيعود إلى المصنع منفردا، وهنا تدخلت الدولة، كانت الرسالة واضحة، يمكن للعامل أن يحتج لكن عندما يصبح احتجاجه جماعيا، يصبح الأمر مختلفا.
وللمفارقة، كانت الرسالة الأخرى التي وصلت إلى العمال أوضح، أن تجمعهم أصبح قوة، وأن هذه القوة تخيف، وأن من يتصدر المشهد قد يدفع ثمنا شخصيا، وهنا بدأ التنظيم يأخذ معنى آخر، لم يعد مجرد وسيلة لتحسين الأجر، أصبح وسيلة لحماية الجماعة نفسها.
العامل يدخل حسابات الوطن
في الوقت نفسه، كانت الحركة الوطنية المصرية تبحث هي الأخرى عن طريق، وبدأ بعض الوطنيينيرون في العامل قوة لا يمكن تجاهلها، وكان محمد فريد من أبرز الشخصيات التي اهتمت بالقضية العمالية، ودافعت عن تحسين أوضاع العمال،وعن التعليم والتشريع وحماية حقوقهم.
وهنا بدأ خطان يقتربان من بعضهما، العامل يريد أن يعيش بكرامة، والوطن يريد أن يعيش بحرية، وللمرة الأولى بدأت فكرة بسيطة تتشكل، ربما لا تكون قضية العامل منفصلة عن قضية الوطن، لكن قبل أن تكتمل هذه الفكرة، جاءت الحرب.
1914… حين تغيرت الحكاية
وفي 18 ديسمبر من نفس العام أعلنت بريطانيا الحماية على مصر1914 اندلعت الحرب العالمية الأولى، ففرضت الأحكام العرفية، وضاق المجال العام، والحركة التي كانت تحاول أن تتعلم كيف تنظم نفسها وجدت الأبواب تضيق أمامها.
لكن الإمبراطورية كانت أمام مشكلة …الحرب تحتاج إلى رجال، وتحتاج إلى أيد، وتحتاج إلى من يحفر ويبني ويمد الطرق والسكك الحديدية ويقيم التحصينات، والإمبراطورية التي كانت تخشى أن يتعلم العامل المصري كيف ينظم نفسه، كانت في الوقت نفسه تحتاج إلى العامل المصري أكثر من أي وقت مضى، وهنا حدثت المفارقة.
داخل مصر، كان المجال يضيق على العامل وخارجها، كانت الإمبراطورية تفتح له طريقا واحدًا فقط العمل.
أكثر من مليون مصري… إلى الحرب
من القرى والريف المصري، جرى حشد أعداد هائلة من المصريين لخدمة المجهود الحربي البريطاني تحت اسم فيلق العمال المصري، عمال فلاحون وهجانة رجال خرجوا من بيوتهم وأراضيهم وورشهم، وأرسلوا إلى أماكن لم يعرفوا عنها شيئا، أكثر من مليون مصري جرى حشدهم خلال سنوات الحرب، توقف لحظة عند الرقم أكثر من مليون إنسان كل واحد منهم له أم وأب وزوجة وطفل ينتظر عودته، لم يكونوا جنودا اختاروا الحرب، كانوا في كثير من الحالات جزءا من منظومة المجهود الحربي قسرا.
حفروا الخنادق، ومدوا السكك الحديدية، وشقوا الطرق، ومدوا الأسلاك الشائكة، وأقاموا التحصينات، عملوا في سيناء وفلسطين والعراق، ووصل بعضهم إلى مناطق بعيدة في أوروبا مثل فرنسا و الآستانة، وعملوافي ظروف شاقة وغير آدمية وكانو يبيتون في المعسكرات وبالخنادق، كان وضعهم أشبه بالعبودية، ومات منهم أكثر من 100 ألف رجل.
كان الرجل الذي بالكاد بدأ يتعلم كيف يقول نحن، يجد نفسه فجأة في مكان آخر من العالم، يحمل أدواته ويعمل في خدمة حرب لم يخترها، الحرب التي لم يخترها العامل كانت تربي فيه شيئا لم يخطط له الاحتلال، كانت تعطيه خبرة، وتريه العالم، وتضعه إلى جوار عمال من بلاد مختلفة، وتجعله يرى كيف يمكن للجماعة أن تعمل كجسد واحد، وكانت تلك الخبرة ستعود معه إلى مصر.
الرجل الذي عاد ليس هو الرجل الذي ذهب
انتهت الحرب، وعاد من عاد، لكن الإنسان لا يعود من تجربة كهذه كما خرج منها، العامل الذي غادر قريته كان يعرف حدود عالمه، أما الذي عاد، فقد رأى عالمًا آخر، رأى عمالا من بلاد مختلفة، تعرف على طرق جديدة للعمل، عرف معنى أن يعيش وسط جماعة لا يعرف أفرادها، لكنهم يتحركون معا، وعرف أيضا الوجه الحقيقي للإمبراطورية، عاد إلى مصر، لكن مصر لم تكن هي الأخرى كما تركها، كان الاحتلال قد شد قبضته والغضب يتراكم، والحركة الوطنية تقترب من لحظة الانفجاروكان العامل الذي تعلم التنظيم قبل الحرب، وعاش تجربة قاسية خلالها، على موعد مع أكبر امتحان .
1919… حين دخل العامل قلب الثورة
كانت البلاد تغلي، الطلاب خرجوا، الموظفون تحركوا، 1919 انفجرت الثورة المصرية في مارس، الفلاحون واجهوا السلطة، والمدن امتلأت بالمظاهرات، لكن الثورة احتاجت إلى شيء آخر، أن تتوقف الحياة، وهنا ظهر العامل، عمال السكك الحديدية، عمال الترام، عمال النقل، عمال المرافق، عمال المصانع، لم يكن وجودهم تفصيلا في المشهد، كان وجودهم أحد أسرار قوة الثورة، لأن العامل يمتلك شيئا مختلفا، هو لا يملك فقط جسده الذي يمكنه أن يخرج إلى الشارع، يملك أيضًا مكان عمل إذا توقف… توقفت معه عجلة كاملة.
حين يتوقف القطارتتغير حركة البلاد، وحين يتوقف الترام، تتغير حركة المدينة، وحين يتوقف العمال، تكتشف السلطة أن المجتمع يستطيع أن يضع يده على فرامل نفسه، وهنا حدث شيء مهم جدا، الإضراب الذي عرفه العامل كوسيلة للمطالبة بحقوقه، دخل إلى الثورة كوسيلة للمقاومة الوطنية، العامل الذي كان يقول: أريد أجري، أصبح يقول: أريد وطني، وهذه ليست جملة شاعرية، هذه لحظة تحول حقيقية.
فالعامل لم يعد مجرد عنصر في عملية الإنتاج، أصبح قوة اجتماعية وسياسية، وأصبح الاحتلال مضطرا إلى أن يحسب حساب الرجل الذي كان بالأمس مجرد اسم في دفتر العمال.
المفارقة التي لم يكن الاحتلال يتوقعها
تذكروا ذلك العامل الذي خرج من مصر خلال الحرب؟.
الرجل الذي حفر الخنادق ومد السكك الحديدية وخدم آلة الحرب؟.
الرجل الذي أخذته الإمبراطورية من أرضه لأنه كان يحتاج إلى يديه؟.
هذا الرجل نفسه عاد بعد سنوات ليشارك في حركة وطنية تضغط على الاحتلال الإمبراطورية احتاجت يديه.
ثم اكتشفت أنها أعطته خبرة لا تستطيع انتزاعها منه، وهنا أصبحت قوة العامل أكثر وضوحا، فهو لا يحمل بندقية، لكن لديه سلاح آخر، أن يعمل أو يتوقف.
مايو 1919… حين وصلت الرسالة إلى القناة
وفي مايو 1919، دخل عمال شركة قناة السويس في إضراب، وهنا لم يعد المكان عاديا، قناة السويس لم تكن مجرد منشأة، كانت واحدة من أهم شرايين الإمبراطورية البريطانية، وكان العامل المصري الذي يضرب في هذا المكان يرسل رسالة تتجاوز حدود المصنع، أنا موجود، وصوتي موجود، وإذا توقفت يدي… تتوقف مصالحكم، امتد الحراك إلى مدن القناة، وظهرت أشكال من التضامن العمالي، وأصبح الاحتلال أمام مشكلة لا تتعلق بمطلب عمالي فقط.
المشكلة أن العمال بدأوا يكتشفون قوتهم، والسلطة بدأت تكتشفها معهم، وهنا وصل العامل إلى لحظة فارقة، لقد جرب الاحتجاج، وجرب الإضراب، وجرب التضامن، ذاق القمع، وعاش الحرب، وعاد إلى قلب الثورة، فماذا بقي؟، بقي السؤال الذي لا يمكن تأجيله أكثر: إذا كانت يد العامل قادرة على كل هذا، فكيف تستمر هذه القوة؟، كيف تتحول من موجة احتجاج إلى كيان؟، كيف تتحول من تجمعات متفرقة إلى تنظيم؟، كيف يصبح لهذا التنظيم قيادة ومجلس؟، ومن يمثل العمال أمام أصحاب العمل والدولة؟.
لقد وصل العامل المصري إلى عتبة جديدة، لم يعد يريد فقط أن يقول لا، ولم يعد يريد فقط أن يتوقف، لقد أصبح يريد أن يكون له من يتحدث باسمه، وهنا تبدأ حكاية النقابي وتبدأ معها حكاية النقابة، لكن السؤال الذي ينتظرنا في المقال القادم ليس بسيطا من كان أول من حمل صوت العمال؟، وكيف بدأت النقابة تأخذ شكلها؟، ومتى قررت الدولة أن تمنح هذا الكيان اعترافًا قانونيا؟، وهل جاء القانون ليحمي التنظيم العماليأم ليضع له حدودا؟، الحكاية مستمرة، لأن العامل الذي خرج من الاحتجاج، لم يعد مستعدا للعودة إلى الصمت.
لم تنتهِ حكاية العامل المصري بعد…
بل كان على موعد مع مرحلة جديدة، سيُنسج فيها صوته من خيوط التنظيم والنقابة والنضال الوطني.




