أنين الطبقة المتوسطة
الطبقة الوسطي رمانة ميزان المجتمع والمحافظة على استقراره، هي من تحمل على عاتقها نهضة الوطن، وتنميته المستدامة، هي العامل، والمهندس، والطبيب، والمدرس، والصحفي، والموظف العام الحكومي والخاص …إلخ، هي التي تبني وتعمل وتكد، وتبذل كل جهدها من أجل رفعه الوطن.
عندما تشاهد الأفلام القديمة تدرك عراقتها وأصولها وقيمها، وتترحم على ما فات، لأنها المجتمع النابض بالحياة، هي من تخرج للوجود أسرة لديها الوعي والعلم لاستكمال مسيرة البناء.
اليوم تواجه تلك الطبقة الكثير من الضغوط الحياتية، جعل كثير من أفرادها يخرج عن طوقها يصارع البقاء، ومنهم من انكسر وذهب مجبرًا إلى الطبقة الدنيا، عندما عجز عن تلبية احتياجاته الأساسية، هذا ليس كلام للنقد، لكننا أمام ناقوس خطر حقيقي من تفاقم المعاناة لأسر باتت غير قادرة علي المقاومة، وينعكس ذلك علي باقي أفراد الأسرة بكافة التأثيرات السلبية، وأصابتنا كمجتمع بكثير من الأمراض المجتمعية الناتجة عن تلك الإزاحة.
على الدولة أن تنقذ تلك الطبقة من الانهيار الكامل، فهي الداعم الأول للدولة، هي من تدفع الضرائب، وتنشط حركة السوق باستهلاكها، هي من تحارب الإرهاب والتطرف، هي من تحافظ على كيان الدولة واستقرارها، هي المحرك الرئيسي للتنمية.
وللأسف تُركت تعاني ويلات الإصلاح الاقتصادي، برغم أنها تحملت بكل صبر وشجاعة ووطنية مخلصة كل إجراءات الإصلاح الاقتصادي، متمنية أن تحدث انفراجة وتخرج من عنق الزجاجة، لتنعم بخيرات البلاد وثرواتها، فمصر غنية بمواردها ومقوماتها لا تنتهي، لكننا لم نحسن استغلال هبه الله لنا، فلم نعد نعرف أنحن بلد زراعي أم صناعي أم سياحي، لم نتقن بعد الحرفة التي تجعلنا نصدر للعالم شىء، ليس عن جهل بل عن غياب الإرادة الحقيقية في استغلال ثرواتنا الطبيعية والبشرية.
شعرت بالقهر اليوم وأنا أجلس مع أحد الأباء يشكي صعوبة الحياة، بل إنه تمنى الموت على أن ينظر في عين أبنائه وهو لا يستطيع أن يلبي طلباتهم الأساسية، فلدية ابنتان في الثانوية بنظامها الجديد، وقد بدأ مارثون حجز الدروس الخصوصية، وابنه في جامعة حكومية تدفع هي الأخرى، وكأن التعليم المجاني أصبح عنوان لمقولة قديمة، وأن دخله لا يكفي تلك الحسبة من الدروس لتوأميه ومصاريف ابنه الجامعية، وفي ظل التضخم وغلاء الأسعار في كل شيء من كهرباء ومياه ومواصلات ومأكل ومشرب وغيرها من الأمور الحيوية، لم يعد يكفي ويضطر إلى الاستدانة الدائمة، حتى أصبح يخشى أن يمرض أحدهم ولا يستطيع أن يذهب به إلى الطبيب في وضع المستشفيات الحكومية المزري.
ثم يحكي حكاية حقيقية وكنت شاهدًا على وقائعها معه، عندما تعرضت زوجته إلى حادث فذهبت إلى أحد المستشفيات الحكومية القريبة، وأجروا لها الإسعافات الأولية، ثم طلبوا منه أن تبقى في المستشفى خمسة عشر يومًا على قائمة الانتظار حتى وقت القيام بالعملية لتركيب شرائح ومسامير في ذراعها المكسور، فطلب من إدارة المستشفى، طالما أن العملية بعد تلك المدة المذكورة، فيجب أن تخرج ويعودوا للمستشفى قبلها بـ ٢٤ ساعة فرفضت المستشفى ، وبعد أن خرجت الحالة سقط دورها في العمليات، فكيف بالله عليكم أن تظل مريضة بمستشفى تشغل سريرًا وتكاليف من الجانبين على دعوى أنها على قائمة الانتظار، واضطر في النهاية إلى الخروج والبحث عن مستشفى خاص لينقذ زراع زوجته.
كذلك مشكلة السكن بإيجاراته المرتفعة وأسعار الوحدات من ستة أرقام أصبحت شبة مستحيلة لمواطن يكابد ويصارع البقاء، حتى لو كانت الدولة توفر إسكان اجتماعي أو وحدات بديلة بإيجار كالطرح الذي أعلنت عنه منذ أيام، ولكن أمام فاتورة المصاريف المرتفعة، أصبحت الأسرة تفكر في أولوياتها وأهمها فقط.
يجب على الدولة أن تتدخل وبسرعة لحماية وإنقاذ رمانة ميزان المجتمع، وأن تُسرع الخطى في دعمهم، فقد أصبح المواطن دائم الشكوى من مشكلات تهبط عليه بفزعها مثل،العدادات الكودية مثلا التي لا ذنب له فيها، ويبلي بأسعار كهرباء تفوق طاقته، وأن يخرج من الدعم التمويني لأن وحدته السكنية بها عداد كودي، أو غيرها من الأشياء تحت دعوى تنقية البطاقات التموينية، أو التصالح في السكن.
لقد هتفنا عيش، حرية، كرامة إنسانية، عدالة اجتماعية، واعتقد أن الدولة قادرة ونحن معها وندعمها في أن نحقق تلك العدالة، ما تحتاجه هو الإنصاف لا أن يكون المواطن من يدفع ضريبة إخفاق الحكومة وعدم وفائها بتعهداتها.
سيكون من الإنصاف أن نذكر أن الدولة قدمت كثير من المبادرات مثل ١٠٠ مليون صحة، وعلاج فيروس سي، وحياة كريمة، وتكافل وكرامة، والقضاء على العشوائيات والأماكن الخطرة، وغيرها من المبادرات الطيبة، لكننا نحتاج حلول مستديمة وعلاج جذري لا مسكنات.





