ما دور الدولة؟.. “العدل” يطرح ورقة مفاهيمية لتحديد المسؤولية العامة وحدود التدخل
طرح حزب العدل ورقة مفاهيمية بعنوان “ما دور الدولة؟.. المسؤولية العامة، العلاقة مع المواطن، وحدود التدخل”، تناولت طبيعة الدور الذي يجب أن تضطلع به الدولة، والفصل بين مسؤوليتها في وضع السياسات العامة وتنظيم الأسواق وحماية الحقوق، وبين التدخل المباشر في عمليات الإنتاج والتشغيل.
وتنطلق الورقة من رؤية مفادها أن قوة الدولة لا تُقاس بعدد الأنشطة التي تديرها، وإنما بقدرتها على حماية الحقوق، وإنفاذ القانون، وإدارة الموارد العامة، وتحويل الأهداف العامة إلى نتائج ملموسة يمكن مساءلة مؤسساتها عنها.
وأكدت الورقة أن الدولة حاضرة في حياة المجتمع من خلال وظائف متعددة تشمل إنفاذ القانون، وحفظ الأمن، وإقامة العدالة، وتحصيل الضرائب، وتوفير الخدمات، وتنظيم الأسواق، إلا أن ذلك لا يعني بالضرورة أن تتولى المؤسسات العامة جميع عمليات الإنتاج والتشغيل بصورة مباشرة.
وأوضحت أن الالتباس يبدأ عندما تختلط مسؤولية الدولة عن التعليم أو الصحة أو الاستقرار الاقتصادي بالأداة المستخدمة لتحقيق هذه الأهداف؛ فمسؤولية الدولة لا تتحدد بذاتها بما إذا كان التنفيذ سيتم من خلال وزارة أو هيئة عامة أو شركة أو مقدم خدمة مستقل، وإنما ترتبط بقدرتها على ضمان استمرار الخدمة وتحقيق الهدف العام ومتابعة النتائج وتصحيح أوجه القصور.
وحذرت الورقة من أن جمع وظائف صنع السياسة، وتخصيص الموارد، والتنظيم، والملكية، والتشغيل في جهة واحدة يخلق مخاطر تتجاوز مجرد التضارب الشكلي في الاختصاصات، لتشمل صعوبة قياس القيمة المضافة، وتشوه الأسعار، واختفاء التكلفة الحقيقية للدعم، ومنح الجهة العامة ميزة مالية وإدارية لا تتاح للآخرين.
الممارسة المباشرة للسلطة العامة
وتطرح الورقة تصورًا يقوم على التمييز بين صناعة السياسة وتنفيذها؛ فصانع السياسة يحدد الأولويات العامة، ويضع القواعد، ويرتب الموارد، بينما تتولى الجهات التنفيذية ترجمة هذه السياسات إلى أهداف قابلة للتنفيذ، مع متابعة النتائج وتصحيح الانحرافات.
وترى الورقة أن بعض الوظائف لا يمكن فصلها عن الممارسة المباشرة للسلطة العامة، مثل القضاء والأمن وتحصيل الضرائب وإصدار القرارات الملزمة، بينما يمكن في الخدمات الأخرى الاعتماد على جهات متعددة، بشرط ألا يؤدي ذلك إلى نقل المسؤولية النهائية عن الدولة.
وفي النشاط الاقتصادي القابل للمنافسة، تشير الورقة إلى أن الانتقال إلى التشغيل أو الاستثمار المباشر يحتاج إلى حجة أكثر تحديدًا، مثل وجود احتكار طبيعي، أو بنية أساسية حيوية، أو فجوة استثمارية واضحة، أو أزمة تهدد استمرار خدمة أساسية، أو نشاط معرفي مرتفع المخاطر.
وتحذر الورقة من أن جمع أكثر من وظيفة داخل كيان واحد قد يؤدي إلى تضارب بين أهداف مختلفة، مثل تأمين الإيرادات، وخفض الأسعار، وتحقيق عائد، وتنمية منطقة، وزيادة التشغيل، وتشير إلى أن المشكلة لا تتمثل في تعدد الأهداف في حد ذاته، وإنما في غياب تعريف واضح لكل هدف، وعدم تحديد الجهة المسؤولة عن تحقيقه، وآليات المحاسبة عليه.
كما تلفت إلى أن المؤسسة التي تجمع بين تقديم خدمة عامة وتحقيق نشاط تجاري من دون فصل محاسبي واضح قد تتحمل الخزانة خسائر ناتجة عن ضعف الإدارة، أو تستخدم أرباحًا احتكارية لتغطية التزامات اجتماعية غير محددة، بما يصعب معه معرفة التكلفة الحقيقية للخدمة العامة.
وتقترح الورقة الفصل بين تكلفة الخدمة العامة ونتيجة النشاط التجاري، مع تحديد مؤشرات قابلة للمقارنة لتقييم الأداء، بما يسمح بمعرفة ما إذا كانت النتائج تعكس كفاءة تشغيلية حقيقية أم مجرد امتيازات أو ترتيبات لا تتاح للمنافسين.
متى تتدخل الدولة وكيف؟
تطرح الورقة سؤالًا محوريًا حول توقيت تدخل الدولة، معتبرة أن التصميم الرشيد للتدخل يبدأ من تحديد المشكلة العامة، والأثر المطلوب، وسبب عدم كفاية الترتيبات القائمة.
وبحسب الورقة، لا يعني اختيار الأداة الأقل تدخلًا غياب الدولة، وإنما اختيار الترتيب الذي يحقق الغرض بأقل قدر ممكن من تضارب المصالح والمخاطر والالتزامات المستقبلية.
وتشدد على ضرورة مقارنة البدائل قبل اللجوء إلى التشغيل أو الاستثمار المباشر، بحيث لا يقتصر التقييم على تكلفة النشاط، وإنما يمتد إلى رأس المال والقدرة الإدارية والتمويلية والفرص البديلة، فضلًا عن المخاطر التي قد تتحملها الدولة.
كما تؤكد أهمية تحديد الولاية القانونية لحدود النشاط وعلاقته بالقطاعات والجهات الأخرى، معتبرة أن التفويضات العامة لا ينبغي أن تتحول إلى سلطة دائمة قابلة للتوسع دون ضوابط ومراجعة دورية.
كيف يقاس نجاح الدولة؟
تضع الورقة مجموعة من المعايير لقياس نجاح الدولة، من بينها جودة القانون والعدالة والمساواة في تطبيقه، وجودة الخدمات العامة وإتاحتها واستمراريتها، وفتح الأسواق وخفض تكلفة الدخول وحماية المنافسة، إلى جانب قياس الاستثمار بالعائد المعدل بالمخاطر بعد احتساب المزايا والالتزامات العامة.
وتحذر من الاكتفاء بمؤشر واحد للحكم على نجاح وظيفة أو مؤسسة، موضحة أن ارتفاع الإنفاق أو توسع التغطية لا يعني بالضرورة تحسن المؤشرات الاقتصادية والمالية العامة، إذا ظل أثر الخدمة على المواطن محدودًا أو لم تتحسن جودة الخدمة أو الدخل الحقيقي.
كما ترى أن قياس الأداء يجب أن يتضمن تكلفة ومنافع ومخاطر التدخل، وليس مجرد حجم المشروعات أو الأرباح المالية، مع ضرورة إظهار التكلفة التي يتحملها المجتمع بصورة واضحة.
الشفافية والمساءلة جزء من نجاح التدخل
وتؤكد الورقة أن المؤشرات المستخدمة لقياس الأداء يجب أن تحمي الدولة من الاستمرار في الوفاء بمسؤولياتها، لكنها لا تمثل في حد ذاتها الغاية النهائية لدور الدولة.
وتشدد على أهمية إمكانية تتبع الصلة بين الموارد المستخدمة والنتائج التي تحققت فعليًا في حياة المواطنين، وكذلك إتاحة المعلومات اللازمة للمساءلة خارج الجهة المنفذة، حتى لا تصبح المؤسسة المنفذة هي المصدر الوحيد للحكم على نجاحها.
وتخلص الورقة إلى أن نجاح الدولة لا يقاس بسرعة التنفيذ أو اتساع الأصول وحدهما، وإنما بقدرتها على تحقيق المستهدف العام من دون إضعاف المساءلة أو إغلاق المجال أمام المجتمع والسوق، مؤكدة أن الدولة تصبح أقوى كلما كانت مسؤوليتها أوضح، وقدرتها على حماية الحقوق والخدمات أكبر، واختيارها لما تشغله بنفسها أكثر انضباطًا.
العلاقة بين الدولة والمواطن
وتنتهي الورقة إلى أن الإشكال الأساسي لا يكمن في المفاضلة بين الدولة والسوق باعتبارهما بديلين متعارضين، وإنما في التمييز بين المسؤولية العامة وأدوات تنفيذها وفقًا لطبيعة كل وظيفة.
وتؤكد أن الدولة لا تستطيع التخلي عن حماية الحقوق وسيادة القانون والأمن والاستقرار والخدمات الأساسية، كما لا يعني تحملها للمسؤولية أن تصبح المنتج والمشغل والمستثمر في كل مجال.
وتطرح الورقة نموذجًا يقوم على وضوح الولاية القانونية لكل وظيفة، والفصل بين السياسة والتنظيم والملكية والتشغيل، ووجود حساب مستقل للخدمة العامة، والإفصاح عن الدعم والمخاطر، واعتماد مؤشرات تقيس الأثر وليس حجم الكيان، إلى جانب مراجعة دورية تسمح بتعديل التدخل أو إنهائه عندما يزول مبرره.
وتخلص إلى أن العلاقة بين الدولة والمواطن يجب أن تقوم على توزيع مفهوم للأعباء، مقابل حصول المواطن على حقوق وخدمات وفرص، بما يجعل العقد الاجتماعي علاقة عملية بين السلطة والموارد والمسؤولية، وليس مجرد مبدأ منفصل عن طريقة الحكم.






