الرمال السوداء.. ثروة مصرية تفتح بابًا لصناعة المعادن والعناصر النادرة بعائد محتمل 50 مليار جنيه سنويًا
خبراء الضرائب تنمية صناعات الرمال السوداء تواجه 6 تحديات
عادت الرمال السوداء إلى واجهة الاهتمام الاقتصادي في مصر، بعد توجيه الرئيس عبد الفتاح السيسي بضرورة تنمية التصنيع المحلي في صناعات الرمال السوداء وتعظيم القيمة المضافة للمعادن المستخرجة منها، إلى جانب دعم صناعات الأسمدة والعناصر الأرضية النادرة.
وجاءت التوجيهات الرئاسية خلال اجتماع عقده الرئيس السيسي بمدينة العلمين الجديدة، الأربعاء 12 أغسطس الجاري ، مع الدكتور مصطفى مدبولي رئيس مجلس الوزراء، والمهندس محمود عصمت وزير الكهرباء والطاقة المتجددة، والمهندس أحمد العبد رئيس مجلس إدارة شركة كونكورد للهندسة والمقاولات. وشهد الاجتماع استعراض استراتيجية التوسع في مشروعات الطاقة الجديدة والمتجددة، قبل أن يوجه الرئيس بضرورة تنمية التصنيع المحلي في الرمال السوداء والقيمة المضافة لها والعناصر الأرضية النادرة.
خبراء الضرائب: الرمال السوداء يمكن أن تتيح 50 مليار جنيه سنويًا
أكدت جمعية خبراء الضرائب المصرية أن توجيه الرئيس عبد الفتاح السيسي يعكس توجهًا نحو الانتقال من مجرد استخراج الموارد الطبيعية إلى تعظيم القيمة المضافة لها، معتبرة أن الرمال السوداء تمثل ثروة ظلت لسنوات طويلة دون استغلال صناعي واسع.
وقال النائب أشرف عبد الغني، أمين سر اللجنة الاقتصادية بمجلس الشيوخ ومؤسس جمعية خبراء الضرائب المصرية، إن تنمية صناعات الرمال السوداء يمكن أن تتيح لمصر نحو 50 مليار جنيه سنويًا، وفق تقديرات منسوبة إلى هيئة المواد النووية المصرية.
وأشار إلى أن مساهمة قطاع التعدين والرمال السوداء في الناتج المحلي الإجمالي لا تتجاوز، بحسب تقديراته، 0.5%، رغم ما تمتلكه مصر من ثروات معدنية، موضحًا أن مستهدفات الدولة تتجه إلى زيادة مساهمة التعدين إلى 6%، بما يعزز القيمة المضافة ويحول مصر إلى مركز إقليمي وعالمي لصناعات التعدين.

1.3 مليار متر مكعب.. حجم الاحتياطي المصري
تتميز الرمال السوداء باحتوائها على مجموعة من المعادن الاقتصادية المهمة، من بينها الإلمنيت، والماجنتيت، والروتايل، والزركون، والجارنت، والمونازيت، وهي معادن تدخل في صناعات متعددة تبدأ من السيراميك والدهانات وتمتد إلى صناعات ذات تكنولوجيا متقدمة.
وتشير بيانات رسمية مصرية إلى أن الاحتياطي الجيولوجي من الرمال السوداء في مصر يقدر بنحو 1.3 مليار متر مكعب، موزعًا على عدد من المناطق الساحلية، بينما تصل نسب تركيز المعادن الثقيلة في بعض مناطق البرلس بكفر الشيخ إلى أكثر من 80%، وهي من أعلى النسب المسجلة في مناطق الرمال السوداء المصرية.
من هياكل الطائرات إلى الهواتف والسيارات
تكمن أهمية الرمال السوداء في أن قيمتها لا تتوقف عند بيع الرمال أو المعادن في صورتها الأولية، وإنما في إمكانية تحويلها إلى مدخلات صناعية ذات قيمة اقتصادية مرتفعة.
وبحسب جمعية خبراء الضرائب المصرية، تدخل المعادن المستخرجة من الرمال السوداء في نحو 41 صناعة، تشمل هياكل الطائرات والهواتف والسيارات والصواريخ والسيراميك والأجهزة التعويضية والمعدات الرياضية.
وتوضح البيانات الرسمية الخاصة بمجمع مصانع الرمال السوداء أن المونازيت، على سبيل المثال، يمثل مصدرًا للعناصر الأرضية النادرة المستخدمة في الصناعات عالية التقنية، فضلًا عن كونه مصدرًا ثانويًا للحصول على عناصر مشعة مثل الثوريوم واليورانيوم. كما يدخل الروتايل في صناعات التيتانيوم والأصباغ والدهانات ومواد أخرى، بينما يستخدم الجارنت والماجنيتيت في تطبيقات صناعية متعددة.
رحلة استغلال الرمال السوداء.. من التصدير الخام إلى التصنيع
لم يبدأ الاهتمام بالرمال السوداء في مصر خلال السنوات الأخيرة، وإنما تعود محاولات استغلالها إلى عقود مضت. ووفق الرواية التي عرضتها جمعية خبراء الضرائب المصرية، بدأ مهاجرون يونانيون في استغلال الرمال السوداء في أواخر ثلاثينيات القرن الماضي، من خلال نشاط بدائي كان يعتمد بصورة أساسية على تصدير الخامات.
ومع مرور الوقت تراجعت التجربة، قبل أن تعود الدولة إلى محاولة استغلال هذه الثروة بصورة أكثر تنظيمًا. وتضمن تاريخ المشروع محاولات لإنشاء مصنع في كفر الشيخ خلال تسعينيات القرن الماضي، لكنها لم تحقق النتائج المستهدفة.
وشكلت السنوات الأخيرة نقطة تحول في هذا الملف، إذ تأسست الشركة المصرية للرمال السوداء في 15 فبراير 2016 كإحدى شركات جهاز مشروعات الخدمة الوطنية، برأسمال مصدر بلغ 500 مليون جنيه قبل زيادته إلى 4 مليارات جنيه، وبمشاركة جهاز مشروعات الخدمة الوطنية بنسبة 61%، وهيئة المواد النووية 15%، وبنك الاستثمار القومي 12%، ومحافظة كفر الشيخ 10%، والشركة المصرية للثروة التعدينية 2%.
وفي 19 أكتوبر 2022، شهد الرئيس عبد الفتاح السيسي افتتاح مجمع مصانع الشركة المصرية للرمال السوداء بمدينة البرلس في محافظة كفر الشيخ، في خطوة مثلت انتقال المشروع إلى مرحلة الإنتاج الصناعي الفعلي.
لماذا تمثل القيمة المضافة كلمة السر؟
يرى خبراء الضرائب أن التحدي الحقيقي لا يتمثل فقط في استخراج المعادن من الرمال، وإنما في تصنيعها محليًا وتحويلها إلى منتجات وسيطة ونهائية.
وأوضح أشرف عبد الغني أن تصنيع المعادن الاقتصادية محليًا يمكن أن يرفع قيمتها بنحو 10 أضعاف مقارنة بتصديرها كمواد خام، وهو ما يعني أن العائد الأكبر على الاقتصاد المصري لن يتحقق من التعدين وحده، وإنما من بناء سلسلة صناعات كاملة حول المعادن المستخرجة.
6 تحديات أمام صناعة الرمال السوداء
رغم الإمكانات الكبيرة، تواجه صناعة الرمال السوداء مجموعة من التحديات، أبرزها:
الحاجة إلى تكنولوجيا متطورة لفصل المعادن الاقتصادية، مثل الزركون والإلمنيت، بكفاءة اقتصادية مرتفعة.
نقص الكوادر المتخصصة والخبرات الفنية القادرة على تشغيل تقنيات الفصل والاستخلاص الحديثة.
ارتفاع تكاليف الإنشاء والمعدات، بما يجعل بعض المشروعات بحاجة إلى تمويل طويل الأجل.
البيروقراطية والإجراءات الإدارية التي قد تؤثر في سرعة تنفيذ المشروعات والاستثمارات.
اشتراطات السلامة الإشعاعية، نظرًا لوجود نسب من العناصر المشعة في بعض مكونات الرمال، وهو ما يستلزم تطبيق إجراءات صارمة في التعدين والفصل والتداول.
المنافسة العالمية، خاصة مع سيطرة دول كبرى على جانب مهم من سلاسل توريد العناصر الأرضية النادرة، وهو ما يجعل بناء قاعدة صناعية محلية أكثر أهمية لمصر.
4 مقترحات لتعظيم العائد الاقتصادي
وطرح مؤسس جمعية خبراء الضرائب المصرية عددًا من المقترحات لتطوير القطاع، في مقدمتها تعظيم القيمة المضافة من خلال التصنيع المحلي للمعادن الاقتصادية بدلًا من تصديرها خامًا.
كما دعا إلى تعزيز الشراكة مع الشركات العالمية للاستفادة من التكنولوجيا والخبرات والتمويل، وتشجيع القطاع الخاص من خلال حوافز مالية وضريبية وتهيئة بيئة استثمارية جاذبة للصناعات التحويلية.
وشدد كذلك على أهمية إعداد جيل جديد من الكوادر الفنية المؤهلة للتعامل مع أحدث تقنيات التعدين وفصل المعادن.






