مدينة فوق مدينة.. لماذا يسبق المنقبون وزارة الآثار إلى باطن غرب أسيوط؟
وثيقة حديثة تكشف حفرة بعمق 6 أمتار وكسرًا فخارية.. وحوادث تمتد لسنوات.. بينما تؤكد الدراسات أن أسيوط القديمة مدفونة تحت المدينة الحديثة
في غرب أسيوط، لا يحتاج الباحث عن الماضي إلى الذهاب إلى موقع أثري مفتوح للزيارة، أحيانًا يكفي أن ينزل أسفل منزل قديم، حفرة هنا بعمق ستة أمتار، وأخرى هناك تصل إلى ثمانية، وثالثة بلغت اثني عشر مترًا، وفي كل مرة تقريبًا يتكرر المشهد نفسه: حفر في الخفاء، بلاغ أو انهيار، وصول الشرطة والحماية المدنية، معاينة، محضر، ثم يعود الشارع إلى حياته حتى تظهر حفرة جديدة.
لكن السؤال الذي أصبح من الصعب تجاهله هو: إذا كانت الدولة تعرف أن المدينة الأثرية القديمة تقع أسفل أسيوط الحديثة، وإذا كانت وقائع التنقيب غير المشروع تتكرر في المناطق نفسها منذ سنوات، فلماذا يظل اكتشاف ما تحت الأرض في كثير من الأحيان رهين حفرة غير قانونية أو انهيار منزل؟، ولماذا لا تتحول منطقة غرب أسيوط إلى ملف منظم لـحفائر الإنقاذ الأثري بدلًا من انتظار المنقبين غير الشرعيين حتى يصلوا بأنفسهم إلى الطبقات القديمة؟
الوثيقة: “الغرض من الحفر التنقيب والبحث عن الآثار“
وكشفت المستندات جانبًا جديدًا من الواقعة، حيث تتضمن صورة من تقرير معاينة مؤرخ في 9 أغسطس 2026، محرر تنفيذًا لقرار من النيابة العامة في المحضر رقم 5976 لسنة 2026 إداري أول أسيوط، بشأن أعمال حفر داخل عقار في نطاق قسم أول أسيوط.
وشارك في المعاينة ثلاثة من المختصين بالآثار، وأثبت التقرير وجود حفرة في الجزء الجنوبي من العقار، تبلغ أبعادها قرابة متر في متر، ويصل عمقها إلى نحو ستة أمتار تقريبًا، مع امتداد للحفر ناحية الجنوب.
الأهم أن المعاينة لم تسجل مجرد وجود أتربة ناتجة عن الحفر، فقد أثبت التقرير وجود كسر فخارية صغيرة الحجم ضمن ناتج الحفر، وأشار إلى شواهد ترجع إلى العصور الإسلامية وما قبلها، مع توصية بالفحص من المختصين.
ثم حسم التقرير طبيعة الواقعة في عبارة واضحة: “الغرض من الحفر: التنقيب والبحث عن الآثار“.
هذه الورقة وحدها لا تثبت وجود مدينة أثرية كاملة أسفل العقار، ولا تسمح علميًا بتحديد عمر كل طبقة ظهرت في الحفرة، لكنها تقدم شيئًا آخر بالغ الأهمية: هناك حفر غير مشروع يصل إلى أعماق كبيرة داخل قلب الكتلة السكنية، وتظهر أثناءه مواد ذات قيمة أثرية محتملة.
والسؤال: ماذا يحدث بعد وصول لجنة الآثار؟، هل تقتصر المهمة على المعاينة لصالح النيابة وإغلاق الحفرة؟، أم تتحول الواقعة إلى حفائر إنقاذ علمية لمعرفة ما الذي وصل إليه المنقبون بالفعل قبل أن يضيع السياق الأثري للموقع؟.
ليست حفرة واحدة.. إنها ظاهرة عمرها سنوات
بالعودة إلى أرشيف الوقائع المنشورة، تكشف أن ما حدث في أغسطس 2026 ليس حادثة منفصلة، ففي عام 2015، صرحت رئيسة حي غرب أسيوط وقتها بأن التنقيب عن الآثار يمثل أحد الأسباب الرئيسية لانهيار المنازل بالمنطقة، موضحة أن بعض السكان يحفرون إلى مسافات كبيرة اعتقادًا بأن المنطقة غنية بالآثار، وأن الحفر يمتد أحيانًا بما يهدد المنازل المجاورة أيضًا .
وفي أغسطس 2020 تسبب التنقيب في انهيار جزء داخلي من عقار بمنطقة غرب البلد، وفي أغسطس 2021 انهار منزل وتصدع منزلان آخران بمنطقة كوم عباس الفوقاني بحي غرب، وأثبتت المعاينة أن السبب كان أعمال التنقيب عن الآثار.
وفي أكتوبر 2022 ضُبطت أعمال تنقيب بمنطقة طهر الحمام بحي غرب، وكانت الحفرة – وفق ما نشر وقتها – بقطر مترين وعمق وصل إلى 12 مترًا، وبعدها بشهر تقريبًا، في نوفمبر 2022، تسبب التنقيب عن الآثار بحارة سليم الطوابي بمنطقة غرب البلد في انهيار منزل بالكامل وحدوث ميول وتصدعات بعقار مجاور.
ثم وصل الثمن إلى الأرواح، ففي 6 يوليو 2026 لقي شخصان مصرعهما أثناء التنقيب عن الآثار بدائرة قسم أول أسيوط، وأثبتت التحريات – وفق ما نشرته “الشروق” – أن الحفرة تجاوز عمقها ثمانية أمتار، وبعد نحو شهر فقط يأتي تقرير المعاينة الجديد ليثبت حفرة أخرى بعمق يقارب ستة أمتار وبها كسر فخارية وشواهد تاريخية.
السؤال لم يعد إذن: هل توجد أعمال تنقيب عشوائي في غرب أسيوط؟
، الإجابة مثبتة بعشرات الوقائع على مدار سنوات، السؤال الحقيقي هو: لماذا يستمر السيناريو نفسه؟
المفاجأة: أسيوط القديمة بالفعل تحت أسيوط الحديثة
قد يعتقد البعض أن الحديث الشعبي عن وجود آثار أسفل منازل المدينة مجرد أسطورة غذتها حكايات الكنوز، لكن الدراسات الأثرية تقول شيئًا أكثر تعقيدًا.
مشروع The Asyut Project، الذي تشارك فيه جامعات ومؤسسات بحثية مصرية وأجنبية، يوضح أن المدينة القديمة لأسيوط تقع أسفل المدينة الحديثة، وأن بقايا المعابد والقصور والمنازل والشوارع القديمة أصبحت غير متاحة تقريبًا بسبب طبقات طمي النيل والبناء الحديث.
ويشير المشروع إلى احتمال بقاء أجزاء من المدينة القديمة محفوظة على عمق يزيد على ثمانية أمتار أسفل مستوى الأرض الحالي، كما توضح أبحاث منشورة عن أسيوط أن بقايا معبد من عصر الدولة الحديثة سبق العثور عليها في عام 1931 على عمق يقارب ثمانية أمتار أسفل سطح المدينة الحديثة.
وهنا تصبح المقارنة شديدة الدلالة، الدراسات العلمية تقول إن بقايا المدينة القديمة قد توجد على أعماق تتجاوز ثمانية أمتار، وفي غرب أسيوط لدينا بالفعل حفرة غير قانونية موثقة بعمق 12 مترًا، وأخرى تجاوزت 8 أمتار، وثالثة حديثة بنحو 6 أمتار.
هذا لا يعني علميًا أن كل حفرة تصل إلى أثر فرعوني، لكنه يعني أن أعمال التنقيب العشوائية أصبحت قادرة فعليًا على اختراق أعماق تندرج داخل النطاق الذي قد توجد فيه طبقات أثرية من المدينة القديمة، وهنا يصبح ترك المبادرة للحفار غير الشرعي مخاطرة بالتراث نفسه.
أسيوط ليست مدينة عادية في التاريخ المصري
أسيوط القديمة، أو «سيوط»، كانت واحدة من أهم حواضر مصر الوسطى وعاصمة الإقليم الثالث عشر من أقاليم مصر العليا، كما ارتبطت بعبادة الإله وبواوت، وأصبحت لاحقًا في المصادر اليونانية «ليكوبوليس».
وتشير الدراسات الحديثة إلى أن تاريخ النشاط البشري في منطقة أسيوط وجبلها الغربي يمتد لآلاف السنين، وأن الجبل الغربي وحده يحمل شواهد استخدام بشري على مدار نحو ستة آلاف عام، من المدافن الفرعونية إلى النشاط المسيحي والمحاجر والمقابر والفترات اللاحقة.
المشكلة أن الجزء الأكبر من المدينة القديمة لا يقع اليوم في صحراء مفتوحة تسمح للبعثات بالحفر بسهولة، إنه أسفل مدينة يعيش فيها مئات الآلاف، وهذا تحديدًا هو السبب الذي يجعل الملف أصعب، لكنه أيضًا يجعله أكثر إلحاحًا.
هل وزارة السياحة والآثار غائبة تمامًا عن أسيوط؟ الإجابة المنصفة: لا، هناك أعمال أثرية حقيقية في المحافظة، فالمشروع المصري الألماني يعمل منذ سنوات في جبل أسيوط الغربي، وهناك مشروعات بحثية أخرى في نطاق إقليم أسيوط.
كما أعلنت وزارة السياحة والآثار حديثًا عن كشف مهم لبعثة مصرية بمنطقة منقباد شمال غرب مدينة أسيوط، يضم مبنى يرجع إلى القرنين السادس والسابع الميلاديين وجداريات ولقى قبطية، وأكدت الوزارة استمرار أعمال الحفائر بالموقع.
إذن القضية ليست أن الوزارة لا تعمل في محافظة أسيوط مطلقًا.
المشكلة في أين وكيف تتحرك، هناك فرق كبير بين بعثة تعمل في موقع أثري معروف ومتاح للحفر، وبين مدينة قديمة كاملة تقريبًا مدفونة أسفل نسيج عمراني مأهول تتكرر داخله أعمال الحفر السرية.
وفي مراجعة ما هو منشور ومتوافر علنًا، لم نعثر على إعلان عن برنامج دائم ومنهجي لحفائر الإنقاذ داخل الكتلة السكنية بغرب مدينة أسيوط يتناسب مع تكرار الوقائع المسجلة.
وهنا يبدأ السؤال عن التقصير المؤسسي، لماذا ننتظر عصابات التنقيب حتى يحفروا؟.
حفائر الإنقاذ ليست فكرة جديدة على المجلس الأعلى للآثار، ففي سوهاج، عندما ظهرت كتل أثرية أثناء تنفيذ مشروع للصرف الصحي في كوم شقاو، تم إيقاف أعمال الحفر وتشكيل بعثة حفائر إنقاذ، وانتهت الأعمال إلى الكشف عن بقايا معبد بطلمي.
وفي قلب مدينة الإسكندرية، أعلنت الوزارة في مايو 2026 أن بعثة حفائر الإنقاذ التابعة للمجلس الأعلى للآثار بمنطقة محرم بك كشفت عن حمام عام وفيلا رومانية وطبقات أثرية من عصور مختلفة، وأكد وزير السياحة والآثار أن حفائر الإنقاذ تساعد على إعادة رسم الخريطة العمرانية للمدينة القديمة.
وهنا يفرض المثال نفسه سؤالًا مباشرًا: إذا كانت حفائر الإنقاذ ممكنة داخل الكتلة العمرانية بالإسكندرية، فلماذا لا يصبح لغرب أسيوط برنامج مماثل؟ ولماذا لا تتحول الحفر التي تكشف عنها الشرطة إلى نقاط انطلاق لدراسة أثرية منظمة بدلًا من الاكتفاء بالتعامل معها باعتبارها فقط مسرح جريمة؟.
الحفر العلمي لا يعني هدم غرب أسيوط
قد تقول الوزارة إن المدينة القديمة أصبحت غير متاحة بسبب وجود المدينة الحديثة فوقها، وهذا صحيح إلى حد كبير، حتى الباحثون في مشروع أسيوط يؤكدون صعوبة الوصول إلى المدينة القديمة بسبب المباني الحديثة وطبقات النيل.
لكن هذا يفسر استحالة القيام بحفائر مفتوحة واسعة النطاق، ولا يفسر غياب برنامج آثار حضرية وحفائر إنقاذ، فالحل ليس إخلاء غرب أسيوط وهدم المنازل بحثًا عن الآثار، ويمكن وضع نظام أكثر واقعية يقوم على:
أولًا: خريطة أثرية للمخاطر
تجمع وزارة السياحة والآثار كل محاضر التنقيب التي وقعت داخل قسم أول وحي غرب خلال السنوات الماضية، وتحددها جغرافيًا على خريطة واحدة، عندها يمكن معرفة ما إذا كانت الحفر تتجمع في أحزمة أو شوارع بعينها، كما أن وجود عشرات الحفر ليس فقط ملفًا أمنيًا، إنه بيانات أثرية ينبغي تحليلها.
ثانيًا: بعثة حفائر إنقاذ دائمة لغرب أسيوط
بدل استدعاء مفتش لإعداد تقرير بعد ضبط الحفرة، يجب وجود فريق متعدد التخصصات يضم أثريين ومرممين ومهندسين ومساحين، يتدخل فور ظهور أي موقع يحمل شواهد أثرية.
ثالثًا: دراسة كل حفرة تم ضبطها قبل ردمها
إذا وصل شخص بشكل غير قانوني إلى عمق ستة أو ثمانية أو عشرة أمتار ثم ظهرت طبقات أو فخار أو بناء قديم، فإن ردم الموقع دون دراسة علمية كاملة قد يعني ضياع فرصة أثرية نادرة.
الجريمة نفسها قد تكون قد فتحت – بشكل غير قانوني وخطير – نافذة إلى طبقات لم يكن من السهل الوصول إليها، والدولة يجب أن تسترد هذه النافذة لصالح العلم.
رابعًا: رقابة أثرية على الحفر العميق في المناطق الحساسة
أي هدم أو إحلال وتجديد أو إنشاء أساسات عميقة أو مرافق في النطاقات التي يتبين ارتفاع حساسيتها الأثرية يجب أن يخضع، حيث يسمح القانون، لمتابعة أثرية مسبقة أو متزامنة.
خامسًا: استخدام الوسائل غير التدميرية
يمكن للمتخصصين استخدام المسح الجيوفيزيائي والجسات والكشف غير المتلف حيث تكون طبيعة التربة والعمران مناسبة، بهدف تحديد مناطق الأولوية قبل اتخاذ قرار الحفر.
سادسًا: استملاك أو تعويض المواقع الاستثنائية
إذا كشف موقع معين عن بقايا معمارية ذات أهمية كبيرة، فلا يجب أن يكون الاختيار دائمًا بين ردم الأثر أو ترك السكان في خطر.
هناك أدوات قانونية وإدارية للدولة يمكن من خلالها التعامل مع المواقع الاستثنائية وتعويض أصحاب الحقوق متى استوجبت القيمة الأثرية ذلك.
وما يتم استخراجه خلسة.. أين يذهب؟
هذه هي أخطر نقطة في الملف، عندما يحفر شخص عدة أمتار أسفل منزل ليلًا، فلا توجد كاميرات أثرية تسجل ما يخرجه قبل وصول الشرطة، ولا يعرف الرأي العام ما إذا كان الموقع قد أنتج مجرد تراب، أم كسرًا فخارية، أم قطعًا قابلة للنقل خرج بعضها قبل اكتشاف الحفر، ولهذا فإن خسارة التنقيب غير المشروع ليست فقط احتمال سرقة قطعة أثرية.
هناك خسارة أخطر تسمى في علم الآثار السياق الأثري، قطعة الفخار وحدها قد تكون جميلة، لكن قيمتها العلمية الحقيقية تأتي من معرفة الطبقة التي وجدت فيها، وما كان بجوارها، وعلاقتها بالمباني وبقية المكتشفات.
الحفار غير الشرعي يدمر هذا السياق بحثًا عن القطعة التي يمكن بيعها، أما البعثة العلمية فتقرأ التاريخ طبقة طبقة، ومن هنا فإن المفاضلة ليست بين «ترك الأثر في الأرض» و«وضعه في المتحف».
المسار الصحيح يبدأ بالكشف العلمي، والتوثيق والتسجيل والترميم والحفظ، ثم نقل الآثار المنقولة إلى المخازن المتحفية المعتمدة، واختيار القطع ذات القيمة المناسبة للعرض في المتاحف، ليس مطلوبًا عرض كل كسرة فخار في فاترينة، لكن المطلوب ألا تتحول قطعة من تاريخ أسيوط إلى سلعة مجهولة المصدر في سوق غير مشروع.
لماذا لا تبحث الدولة قبل اللص؟
السؤال قد يبدو استفزازيًا، لكنه مشروع، الدولة تعرف القيمة الأثرية لأسيوط، الدراسات العلمية تعرف أن المدينة القديمة أسفل المدينة الحالية، الجهات الأمنية تضبط حفائر متكررة، الحي يعرف أن الحفر يتسبب في انهيار المنازل، النيابة تستدعي مفتشي الآثار للمعاينة، والوزارة نفسها تمتلك نموذج «حفائر الإنقاذ» وتطبقه في محافظات أخرى.
فما الحلقة المفقودة؟، هل المشكلة نقص تمويل؟، أم نقص في أعداد الأثريين؟، أم صعوبة التعامل مع الملكيات الخاصة؟، أم عدم وجود خريطة أثرية دقيقة للمدينة؟، أم أن الأولوية ببساطة لم تُمنح بعد لآثار أسيوط المدفونة أسفل الكتلة السكنية؟، هذه أسئلة يفترض أن تجيب عنها وزارة السياحة والآثار، لا أن يجيب عنها الباحث بالتخمين.
شبهات الموظفين.. السؤال يجب أن يُحقق فيه لا أن يتحول إلى اتهام
يتداول داخل بعض الدوائر المحلية حديث عن احتمال وصول معلومات عن المواقع إلى بعض الباحثين عن الآثار من أشخاص لهم صلة بقطاع السياحة والآثار.
حتى الآن، لا يملك التحقيق وثيقة قضائية منشورة تثبت تورط موظف محدد، ومن ثم فإن تحويل هذه المعلومات إلى اتهامات شخصية سيكون تجاوزًا مهنيًا، لكن تكرار أعمال الحفر يجعل السؤال الرقابي مشروعًا:
هل سبق التحقيق مع موظفين بسبب تسريب معلومات عن مواقع أو معاينات أثرية؟
هل توجد ضوابط لتداول خرائط وبيانات المواقع الحساسة؟، من يعرف نتيجة المعاينة عندما تظهر شواهد أثرية داخل منزل؟، ومن يتابع المكان بعد انتهاء المعاينة؟، وهل توجد مراجعة دورية للمواقع التي سبق ضبط الحفر بها للتأكد من عدم استئناف العمل؟، التحقيق الجاد في هذه الأسئلة لا يسيء إلى العاملين بالآثار، بل يحمي الأغلبية التي تؤدي عملها بنزاهة، ويغلق الطريق أمام أي استغلال للوظيفة إن كان موجودًا.
أين بعثات الجامعات؟
مصر لا تعاني نقصًا في كليات الآثار أو الباحثين أو البعثات العلمية، وأسيوط نفسها موضوع اهتمام بحثي دولي منذ سنوات، فلماذا لا تطلق الوزارة مشروعًا مصريًا واسعًا للآثار الحضرية لمدينة أسيوط، تشارك فيه جامعات أسيوط وسوهاج والقاهرة وغيرها، إلى جانب الخبرات الدولية التي تعمل بالفعل في الإقليم؟
مشروع كهذا يمكن أن يحول غرب أسيوط من منطقة تُروى عنها قصص الكنوز والحفر السرية إلى واحد من أهم مشروعات دراسة المدن التاريخية المتراكبة في مصر، ليس المطلوب أن تأتي بعثة أجنبية لتحفر أسفل كل منزل، المطلوب أن تتولى الدولة القيادة، وأن تستخدم الجامعات والبعثات كشريك علمي في التوثيق والمسح وحفائر الإنقاذ.
من حق أسيوط أن ترى آثارها
هناك جانب آخر يتجاوز الحماية إلى العدالة الثقافية، أسيوط التي خرجت منها آلاف القطع واللقى الموجودة اليوم في متاحف ومجموعات داخل مصر وخارجها تستحق مشروعًا متحفيًا يروي تاريخها كاملًا.
وتشير مصادر بحثية إلى أن قطعًا أثرية خرجت من حفائر أسيوط في بدايات القرن العشرين ووصلت إلى المتحف البريطاني واللوفر وتورينو وغيرها، بينما يعمل الباحثون اليوم على إعادة بناء السياق العلمي لتلك المجموعات.
وإذا كانت حفائر جديدة ستنتج قطعًا ومواد أثرية موثقة علميًا، فمن الطبيعي أن يكون جزء من الرؤية طويلة المدى هو عرض تاريخ أسيوط لأهل أسيوط، سواء من خلال متحف إقليمي متكامل أو مشروع عرض متحفي يليق بتاريخ المدينة.
فالآثار ليست فقط مادة تحفظ في المخازن، إنها أيضًا اقتصاد سياحي وتعليم وهوية وفرصة لإعادة تقديم أسيوط على خريطة السياحة الثقافية.
12 سؤالًا نضعها أمام وزير السياحة والآثار
- كم واقعة تنقيب غير مشروع سجلتها الجهات المختصة داخل حي غرب وقسم أول أسيوط خلال السنوات العشر الأخيرة؟.
- هل تمتلك الوزارة خريطة للمناطق ذات الحساسية الأثرية أسفل مدينة أسيوط الحديثة؟.
- ماذا تم بعد تقرير المعاينة المؤرخ 9 أغسطس 2026 والمحضر رقم 5976 لسنة 2026 إداري أول أسيوط؟.
- هل أعقب المعاينة تنفيذ حفائر إنقاذ بالموقع؟.
- هل تم فحص وتسجيل الكسر الفخارية المشار إليها في التقرير؟ وأين تحفظ الآن؟.
- كم موقعًا سبق ضبط حفر غير مشروع به في غرب أسيوط ثم أجرت الوزارة فيه حفائر علمية لاحقة؟.
- لماذا لا توجد بعثة دائمة لحفائر الإنقاذ بالكتلة السكنية القديمة لمدينة أسيوط؟.
- إذا كانت حفائر الإنقاذ ممكنة في محرم بك بالإسكندرية، فما العائق أمام تطبيق نموذج مشابه في أسيوط؟.
- هل تراجع الوزارة ملفات البناء والهدم والحفر العميق داخل المناطق المحتمل وجود طبقات أثرية أسفلها؟.
- هل سبق فتح تحقيقات إدارية بشأن تسريب معلومات عن مواقع أو نتائج معاينات أثرية في أسيوط؟.
- هل توجد خطة لإشراك الجامعات المصرية في مشروع شامل لرسم الخريطة الأثرية للمدينة القديمة المدفونة؟.
- ما خطة الوزارة لعرض آثار أسيوط المكتشفة مستقبلًا داخل المحافظة وتحويل التراث إلى عنصر تنمية ثقافية وسياحية؟.
الدولة تصل بعد الحفرة.. والمطلوب أن تصل قبلها
المشكلة في غرب أسيوط لم تعد مجرد مخالفة يرتكبها شخص يبحث عن كنز، هناك ثلاثة أخطار تتحرك في الوقت نفسه:
أثر قد يُنهب أو يُدمَّر.
منزل قد ينهار.
وإنسان قد يموت.
وقد حدثت الثلاثة بصور مختلفة بالفعل، بعد كل حادث تتحرك أجهزة الأمن والحي والحماية المدنية والنيابة والآثار، لكن حماية التراث لا يمكن أن تظل سياسة رد فعل.
إذا كانت أسيوط الحديثة قائمة بالفعل فوق أجزاء من أسيوط القديمة، وإذا كان المنقبون غير الشرعيين قادرين على الوصول إلى أعماق ثمانية واثني عشر مترًا، فإن السؤال لم يعد لماذا يحفر هؤلاء.
السؤال الذي يجب توجيهه للدولة هو:
لماذا لا نحفر نحن أولًا.. عندما يسمح العلم والقانون والسلامة؟، ولماذا نترك المعرفة بماضي أسيوط تبدأ أحيانًا من محضر شرطة بدلًا من بعثة أثرية؟
المطلوب ليس حملة أمنية جديدة فقط، المطلوب مشروع قومي لحماية ودراسة آثار مدينة أسيوط المدفونة: خريطة، وحفائر إنقاذ، ورقابة، وبعثات علمية، وتوثيق، ومتحف يروي القصة.
لأن كل حفرة عشوائية تُغلق اليوم قد تكون قد ابتلعت قبل إغلاقها صفحة لا يمكن استعادتها من تاريخ المدينة، وما يخرج من باطن أسيوط يجب أن يذهب إلى سجل الدولة ومخازنها ومتاحفها.. لا إلى سوق الآثار.





