عقلية “كوداك”
طبعًا كلنا نتذكر شركة كوداك للكاميرات وأفلام التصوير… أو خليني أصحح: مش كلنا، أبناء جيلي علي الاقل، لأن كوداك بالنسبة لبعض أبناء “Gen Z” أصبحت شيئًا من التراث!
كانت كوداك يومًا عملاقًا عالميًا في صناعة الكاميرات وأفلام التصوير، لكن العالم تغيّر، وجاء عصر التصوير الرقمي، بينما ظلت الشركة لسنوات أسيرة نموذجها التقليدي، تدافع عن عالم يتراجع بدلًا من أن تتكيف بالسرعة الكافية مع العالم الجديد. والنتيجة أن التكنولوجيا تجاوزتها، وخسرت مكانتها التي بدت يومًا عصية على المنافسة.
هذه القصة أتذكرها كلما نظرت إلى واقع نقابة الصحفيين في مصر.
فنحن نعيش اليوم عصرًا أصبحت فيه المواقع والمنصات الصحفية الإلكترونية جزءًا أساسيًا من صناعة الخبر والرأي والتحقيق والتغطية، بل إن بعض الصحفيين العاملين فيها أكثر حضورًا وتأثيرًا ومهنية من صحفيين يعملون في مطبوعات ورقية محدودة الانتشار.
ومع ذلك، لا يزال الطريق الطبيعي للالتحاق بالنقابة مرتبطًا في الأساس بالعمل في مؤسسة صحفية مستوفية لشروط صيغ جانب مهم منها في زمن كانت فيه الصحيفة الورقية هي النموذج الرئيسي للصحافة.
وهنا تظهر المفارقة.
صحفي يعمل يوميًا على منصة إلكترونية، يكتب ويحقق ويغطي الأحداث، وله إنتاج مهني حقيقي وجمهور واسع، قد يجد نفسه خارج النقابة. وفي المقابل، قد يضطر للبحث عن «باب خلفي» من خلال صحيفة ورقية لمجرد استيفاء شروط القيد، حتى لو كانت محدودة الحضور ولا تعكس واقع المهنة الحقيقي.
وهكذا يتحول المعيار من سؤال منطقي:
هل هذا الشخص صحفي محترف؟
إلى سؤال ينتمي لعصر آخر:
هل يعمل في صحيفة ورقية مستوفية لشروط القيد؟
مفارقة تشريعية
والأغرب أن المشكلة هنا ليست مجرد عقلية إدارية قديمة، بل هناك مفارقة تشريعية تستحق التوقف أمامها.
فقانون نقابة الصحفيين رقم 76 لسنة 1970، الذي ينظم القيد بالنقابة حتى اليوم، صيغ في زمن كانت فيه الصحافة تعني عمليًا الصحيفة المطبوعة؛ فالمادة (6) تربط تعريف الصحفي المشتغل بالعمل في صحيفة «تطبع» أو وكالة أنباء، كما تدور المواد المنظمة لفترة التمرين والقيد حول الصحف ووكالات الأنباء.
لكن بعد ما يقرب من نصف قرن، جاء قانون تنظيم الصحافة والإعلام رقم 180 لسنة 2018 ليعترف صراحة بالصحافة الإلكترونية، ويعتبر الصحيفة إصدارًا يمكن أن يكون ورقيًا أو إلكترونيًا، وينظم المواقع الإلكترونية الصحفية ويضع لها شروطًا قانونية، بل إن القانون يشترط في حالات محددة أن يكون المسؤولون عن التحرير مقيدين بجدول المشتغلين بنقابة الصحفيين.
وهنا نصل إلى مفارقة يصعب تجاهلها:
الدولة تعترف قانونًا بالموقع الإلكتروني كوسيلة لممارسة الصحافة وتنظمه، بينما قانون النقابة الذي يحدد الطريق إلى عضوية النقابة لا يزال في جوهره ابن عصر الصحيفة المطبوعة.
بمعنى أبسط: حدّثنا تشريع المؤسسة الصحفية، ولم نحدّث بالقدر نفسه تشريع الصحفي الذي يعمل داخلها.
أنا هنا لا أدعو إلى فتح أبواب النقابة بلا ضوابط، ولا إلى اعتبار كل من أنشأ صفحة أو موقعًا على الإنترنت صحفيًا. بالعكس، الصحافة مهنة تحتاج إلى معايير صارمة تحميها من الدخلاء، وتحمي المجتمع من انتحال الصفة.
لكن المطلوب أن تكون المهنية هي معيار الدخول، لا الورق.
يمكن وضع ضوابط واضحة للصحفيين العاملين بالمنصات الإلكترونية: مدة ممارسة فعلية، العمل لدى مؤسسة قانونية ومرخصة، علاقة عمل موثقة، سجل إنتاج صحفي حقيقي، واختبارات أو لجان تقييم مهنية، مع الالتزام بمدونة السلوك والمساءلة النقابية.
بهذا نحمي المهنة بدلًا من أن نحمي الوسيط القديم الذي كانت تُمارس من خلاله المهنة.
فالصحافة لم تعد ورقًا وحبرًا فقط؛ الصحافة اليوم موقع إلكتروني، ومنصة رقمية، وفيديو، وتحقيق بيانات، وتغطية لحظية، وأشكال جديدة ستظهر غدًا وربما لا نعرف أسماءها الآن.
ولا أحمّل نقيب الصحفيين وحده مسؤولية هذا الوضع؛ فالقضية أكبر من شخص أو مجلس نقابة. نحن نتحدث عن منظومة تشريعية وتنظيمية تحتاج إلى مراجعة، وهذا يتطلب إرادة من الدولة، وحوارًا جادًا داخل نقابة الصحفيين، وتفاعلًا حقيقيًا من مجلس النواب لتعديل التشريعات بما يواكب التحول الذي حدث في المهنة.
المطلوب ليس إلغاء الصحافة الورقية ولا الانتقاص منها؛ فهي جزء أصيل من تاريخ الصحافة المصرية وستظل لها قيمتها.
المطلوب ببساطة ألا نكرر خطأ كوداك:
أن نحاول حماية الماضي من المستقبل، بدلًا من تطوير أنفسنا لنصبح جزءًا من المستقبل.
فالزمن لا ينتظر أحدًا…
والنقابات التي لا تتطور مع المهن التي تمثلها، قد تستيقظ يومًا لتكتشف أن المهنة نفسها سبقتها.




