من «سفاح الجيزة» إلى «لعبة جهنم».. لماذا تتصدر جرائم القتل الدراما المصرية؟

شهدت الدراما المصرية خلال السنوات الأخيرة تصاعدًا ملحوظًا في الأعمال التي تتناول العنف والبلطجة والجرائم والأكشن الشعبي والاضطرابات النفسية، لتتحول هذه التيمات إلى عنصر حاضر بقوة في مواسم العرض، سواء عبر شاشات التليفزيون أو المنصات الرقمية.
ورغم الانتقادات الرسمية والرقابية التي طالبت أكثر من مرة بخفض حدة مشاهد العنف والابتعاد عن تقديم الجريمة بصورة قد تساهم في تطبيعها أو الترويج لها، فإن هذه النوعية من الأعمال لا تزال تحظى باهتمام جماهيري واسع، وتتصدر أحيانًا قوائم المشاهدة والنقاشات على مواقع التواصل الاجتماعي.
فما الذي يدفع صناع الدراما إلى تقديم المزيد من قصص القتل والجرائم الحقيقية؟ وهل أصبحت الوقائع الإجرامية مادة درامية أكثر جذبًا للجمهور؟ أم أن نجاح هذه الأعمال يعكس اهتمامًا متزايدًا لدى المشاهدين بالدراما المستوحاة من أحداث حقيقية؟
«لعبة جهنم».. جريمة إلكترونيةتتحول إلى واقع
من أحدث الأعمال التي تنضم إلى هذه الموجة حكاية «لعبة جهنم» من مسلسل «القصة الكاملة»، التي تصدرت حديث الجمهور على منصات التواصل الاجتماعي ومحركات البحث، بالتزامن مع عرض حلقاتها الثلاث عبر إحدى المنصات الرقمية الشهيرة.
وتضم بطولة الحكاية كلًا من محمد فراج، وعمر رزيق، والطفل منذر مهران، بينما كتب السيناريو والحوار نجلاء الحديني، وأخرج العمل إسلام خيري.
وتدور أحداث «لعبة جهنم» حول جريمة إلكترونية مستوحاة من وقائع حقيقية تتعلق بقتل طفل وتقطيع جثمانه، حيث تبدأ القصة من العالم الافتراضي قبل أن تتطور إلى جريمة على أرض الواقع، في إطار يجمع بين الجريمة والغموض والإثارة.
وتستند الحكاية إلى القضية التي شهدتها مدينة شبرا الخيمة بمحافظة القليوبية، بعدما أقدم شاب على قتل طفل صغير في أحد أحياء المدينة، في جريمة جرى التخطيط لها مسبقًا عبر وسائل التواصل الاجتماعي، بهدف تحقيق أرباح مالية من بيع عينات بشرية.
وبحسب ما ورد في التحقيقات، كشفت القضية رقم 1820 لسنة 2024 إداري قسم أول شبرا الخيمة عن تفاصيل صادمة بشأن المتهم الأول، طارق أ. ع، البالغ من العمر 29 عامًا، والذي كان يعمل عاملًا بأحد المقاهي.
ووفقًا للتحقيقات واعترافات المتهم، تعرف طارق في سبتمبر 2023 على شخص يُدعى محمد عزت، الشهير بـ«أبو حمزة»، من خلال صفحات على مواقع التواصل الاجتماعي، وتبين لاحقًا أنه يعمل وسيطًا في مجال تجارة الأعضاء البشرية، ويربط بين المتبرعين والمرضى مقابل الحصول على مبالغ مالية.
كما أقر طارق بأنه وافق على بيع كليته اليسرى مقابل 170 ألف جنيه، وأجرى العملية داخل أحد المستشفيات الخاصة، قبل أن يستمر في العمل بأحد المقاهي حتى يناير 2024، ثم ترك العمل إثر مشادة كلامية مع صاحب المقهى.
وبعد ذلك، انتقل إلى شقة مستأجرة في حارة البستان بشبرا الخيمة، وحاول التوسط في عمليات التبرع بالأعضاء بين المتبرعين والمرضى من خلال صفحات «فيسبوك»، لكنه لم ينجح في ترتيب أي حالة.
وتكشف «لعبة جهنم» من خلال هذه القصة عن اتجاه واضح لدى الدراما الحديثة نحو إعادة تقديم الجرائم الواقعية، مع إضافة عناصر التشويق والغموض، وربط الجريمة التقليدية بالعالم الرقمي الذي أصبح جزءًا أساسيًا من حياة الجمهور.
«عنبر الموت».. جريمة داخل المستشفى
لا تتوقف الأعمال التي تستند إلى وقائع إجرامية حقيقية عند «لعبة جهنم»، إذ يستعد الجمهور قريبًا لمتابعة مسلسل «عنبر الموت»، المكوّن من 12 حلقة، والمستوحى من قصة حقيقية هزت مدينة الإسكندرية في أواخر التسعينيات، وتحديدًا عام 1997.
ويستند العمل إلى القضية الشهيرة للممرضة المصرية «ع. ن. أ»، التي اتُّهمت بإنهاء حياة أحد المرضى والشروع في قتل نحو 30 آخرين، من خلال حقنهم بمادة مرخية للعضلات، إلى جانب اتهامها باختلاس أدوية.
وأثارت القضية الرأي العام في ذلك الوقت، وصدر ضد المتهمة حكم بالإعدام، قبل أن تخضع القضية لمراحل وإجراءات قضائية لاحقة.
وتجسد الفنانة منة شلبي في المسلسل شخصية «نادية»، وهي ممرضة تنقلب حياتها رأسًا على عقب، بعدما تجد نفسها متورطة في اتهامات صادمة بقتل المرضى، وتظهر في بعض المشاهد بملابس السجن، في سياق يرصد تفاصيل محاكمتها والصراع الذي تخوضه وسط أجواء من الغموض والتشويق.
ويشارك في بطولة «عنبر الموت» كل من منة شلبي، وعلي قاسم، وبسمة، ورشدي الشامي، وحمزة العيلي، وحليم الجندي، والعمل من إخراج كريم الشناوي.
ويشرف على الكتابة مريم نعوم، فيما تتولى بولا ثابت مهمة كتابة القصة ورئاسة فريق الكتابة، بمشاركة سلمى عبد الوهاب وحسين حسام.
«سفاح الجيزة».. الجريمة الحقيقية تتحول إلى دراما
قبل هذه الأعمال، شهدت الدراما المصرية نجاحًا لافتًا لمسلسل «سفاح الجيزة»، الذي عُرض قبل نحو ثلاثة أعوام، واستُلهمت أحداثه من وقائع حقيقية ارتبطت بالقاتل المتسلسل قذافي فراج.
وتصدر المسلسل قوائم المشاهدة خلال فترة عرضه، مستفيدًا من حالة الجدل التي صاحبت القضية الحقيقية، ومن طبيعة القصة التي جمعت بين الجريمة والغموض والإثارة النفسية.
ودارت الأحداث حول شخصية «جابر»، التي جسدها أحمد فهمي، وهو رجل يعيش بوجهين؛ يظهر أمام المجتمع والمقربين منه كشخص هادئ ومتدين وطيب القلب ويحب الطبخ، بينما يخفي خلف هذه الصورة شخصية قاتل متسلسل.
ويعتمد «جابر» على انتحال شخصيات وهويات متعددة لارتكاب جرائمه والنصب على ضحاياه، قبل التخلص منهم بدم بارد ومحاولة طمس آثار جرائمه.
وشارك في بطولة المسلسل أحمد فهمي، وركين سعد، وباسم سمرة، وصلاح عبد الله، وحنان يوسف، وداليا شوقي، وهو من إخراج هادي الباجوري وتأليف محمد صلاح العزب.
«ورد وشيكولاتة».. الجريمة من زاوية نفسية
في العام الماضي، قدمت الدراما أيضًا مسلسل «ورد وشيكولاتة»، المستوحى من جريمة قتل حقيقية أثارت الرأي العام في مصر، وهي قضية المذيعة شيماء جمال.
واتخذ العمل من الجريمة مدخلًا لتقديم دراما نفسية واجتماعية تتناول العلاقات السامة، والسيطرة، والتلاعب النفسي، والتغير التدريجي في طبيعة العلاقات بين الشخصيات.
ويحمل اسم «ورد وشيكولاتة» دلالة رمزية على طبيعة العلاقة التي تبدأ في أجواء رومانسية، حيث تمثل الهدايا، مثل الورد والشوكولاتة، محاولات للاعتذار أو استعادة الهدوء، قبل أن تكشف الأحداث عن جوانب أكثر تعقيدًا وسُمّية في العلاقة.
لماذا تنجح دراما الجريمة؟
يبدو أن الإقبال على هذه النوعية من الأعمال لا يرتبط بالعنف وحده، وإنما بقدرة قصص الجرائم الحقيقية على إثارة فضول المشاهد، خصوصًا عندما يعرف أن الأحداث التي يشاهدها على الشاشة لها جذور في وقائع حدثت بالفعل.
كما تمنح القضايا الحقيقية صناع الدراما مادة ثرية يمكن البناء عليها دراميًا، من خلال إضافة الحبكات والشخصيات والدوافع النفسية، مع تحويل التفاصيل الإخبارية والقضائية إلى قصة تمتلك عناصر التشويق والإثارة.
وفي المقابل، يظل هذا الاتجاه محل نقاش، خصوصًا عندما تتحول الجريمة إلى عنصر جذب رئيسي أو يتم التركيز بصورة مبالغ فيها على تفاصيل العنف، بما يثير تساؤلات حول الحدود الفاصلة بين تقديم عمل درامي يكشف الجانب المظلم من المجتمع، وبين تحويل الجريمة إلى مادة للترفيه.
وبينما يواصل الجمهور متابعة هذه الأعمال بشغف، يبدو أن دراما الجريمة والعنف أصبحت واحدة من أبرز رهانات الإنتاج المصري، وهو ما يطرح سؤالًا أكثر أهمية، هل يعكس انتشار هذه النوعية من الأعمال رغبة حقيقية لدى الجمهور في فهم الجريمة ودوافعها، أم أن الدراما نفسها أصبحت تصنع شغفًا متزايدًا بعالم العنف والجريمة؟






