تحديث الرئيسيةشريط الأخبارملفات

الماكينات الذكية في مواجهة “ذكاء النباشين”.. هل تنجح تجارب الخليج وأوروبا في الدقي؟

استثمارات بـ 5 مليار جنيه سنويًا.. والفرز الذكي يُسهم في تشغيل 22 مصنعًا وتدوير 60 ألف طن مخلفات يوميًا

حالة الزخم وتناول القنوات الإعلامية والمواقع الصحفية، لتشغيل ماكينة القمامة الذكية في حي الدقي، يعطي انطباع للوهلة الأولى أننا أمام حل سحري للقضاء على مشكلة القمامة والنباشين في آن واحد، إلا ان الواقع كان مخالف تمامًا لحالة التفاؤل، ولم تمر سوى أيام قليلة وكانت الماكينة نفسها شاهدة على تفريغ أحد النباشين، لجزء من محتوياتها، في مشهد يختصر المسافة بين التخطيط النظري والواقع العملي.

تطبيق ماكينات القمامة الذكية مقابل مكافأت أو مبالغ مالية، مُطبق في عدد من البلدان الخليجية والأروبية وله نتائج إيجابية، إلا ان الوضع في مصر مخالف، والفارق بين النموذج المصري ونظيره في الدول الخليجية و الأوروبية لا يتوقف عند جودة المعدات، بل يمتد إلى الثقافة المجتمعية للمواطنين أنفسهم، بخلاف حجم الاقتصاد الموازي من النباشين وجامعي القمامة الذين يروا أن هذه الماكينات تُعد تهديد مباشر لمصدر رزقهم.

وفي هذا السياق، قال محمد مرعي، السكرتير العام المساعد لمحافظة الجيزة والمتحدث الرسمي باسم المحافظة، إن المحافظة تعمل خلال هذه الفترة في الفترة التجريبية لمنظومة تشغيل ماكينات جمع العبوات البلاستيكية وعلب الكانز.

تعديل جعل الماكينة أكثر أمانًا

وأضاف مرعي، أن المحافظة قامت بتركيب ماكينتين في حي الدقي لتجميع “زجاجات البلاستيك والكانز”، منوهًا بأن التشغيل التجريبي يكون به بعض الملاحظات، وأن المحافظة تتعامل مع كل ملاحظة وحلها من أجل الوصول للأفضل، وأن أول ملاحظة كانت محاولة بعض الأشخاص اختراق الماكينة، وتم القبض عليه.

وأوضح المتحدث الرسمي باسم الجيزة، أنه تم تعديل بعض الأمور في الماكينة، بعد وصول هذا الشخص لأمر ضعيف في الماكينة، لافتًا إلى أن التعديل جعل الماكينة أكثر أمانًا، وأن فترة التشغيل التجريبي هدفها الوصول لملاحظات والعمل على حلها.

وكشف مرعي عن أن الفترة المقبلة سيتم العمل على آلية الانتشار، وما هي المواقع التي ستكون بها هذه الماكينات، وأن ذلك سيتم بعد العرض على محافظ الجيزة الدكتور أحمد الأنصاري، مؤكدًا على أن الماكينات ستقلل ظاهرة انتشار النباشين، التي تتجول في الشوارع للبحث عن الزجاجات.

صناديق القمامة الذكية الجديدة تعمل بنظام “هيدروليكي”

وأشار المتحدث الرسمي باسم الجيزة إلى أن صناديق القمامة الذكية الجديدة، تعمل من خلال نظام هيدروليكي يتيح رفعها إلى مستوى سطح الأرض عند امتلائها، تمهيدًا لتفريغها بواسطة سيارات المكبس التابعة لهيئة النظافة والتجميل بالجيزة، ثم إعادة الصندوق إلى مكانه مرة أخرى، وتتم عملية الرفع من خلال “بالريموت كنترول”، لتسهيل عملية التفريغ وقلة الحاجة التعامل البسري المباشر مع الصندوق.

وشدد مرعي على أن أحد أهم أهداف التجربة، هو مواجهة ظاهرة “النباشين” والحد من عمليات الفرز العشوائي للقمامة في الشوارع، مؤكدًا على أن المنظومة قائمة في الأساس على إشراك جاعي القمامة كعنصر رئيسي ولا يمكن الاستغناء عنهم، وسيتولى المتعهدون تفريغ الماكينات واستلام المفروزات وتوريدها لمصانع التدوير، وبالتالي تضمن المنظومة تحقيق الفائدة المادية لجميع الأطراف.

وأفاد المتحدث الرسمي باسم الجيزة، بأن التجربة ستحقق عائد بيئي واقتصادي كبيراً للمحافظة، حيث تسهم في القضاء تماماً على ظاهرة “النبش العشوائي” التي تشوه المظهر الحضاري، كما تقلل من استهلاك عمالة ومعدات النظافة التابعة للأحياء في رفع المخلفات، بما يدعم استراتيجية الاقتصاد الأخضر والحفاظ على البيئة.

مصر تُنتج 60 ألف طن مخلفات يوميًا

ووفقا لجهاز شؤون البيئة، تُنتج مصر 60 ألف طن مخلفات يومياً، بواقع 25 مليون طن سنويًا، بينما يصل إجمالي حجم المخلفات الصلبة في مصر قرابة الـ 100 مليون طن سنويًا، تشمل المخلفات المنزلية والزراعية والصناعية، إلى جانب مخلفات الهدم والبناء وغيرها، بخلاف وجود 22 مصنعًا لتدوير المخلفات لشركات القطاع الخاص، باستثمارات تتراحو ما بين 4 إلى 5 مليارات جنيه سنويًا.

بدوره، قال شحاتة المقدس، نقيب الزبالين، إن أي تجربة جديدة في مصر يجب أن تراعي أيضًا طبيعة منظومة النظافة القائمة، خاصة العاملين في جمع القمامة، لأن البلاستيك والكانز يمثلان مواد ذات قيمة اقتصادية بالنسبة لهم، وبالتالي فإن سحب هذه المواد من المنظومة دون وضع آلية لإشراك العمال فيها  سيؤدي إلى مشكلة جديدة بدلًا من حل المشكلة القائمة.

وشدد المقدس في تصريحه لـ”ليبرالي”، على  أن الماكينات يمكن أن تكون إضافة جيدة لمنظومة النظافة إذا جرى دمجها بصورة صحيحة مع عمال النظافة وشركات الجمع وإعادة التدوير، أما الاعتماد عليها باعتبارها بديلًا عن المنظومة الحالية فلن يكون كافيًا للقضاء على أزمة القمامة.

نجاح التجربة لم يكن قائمًا على وضع ماكينة في الشارع فقط

وأشار نقيب الزباين إلى تجربة ماكينات الجمع الذاتي للمخلفات في حي الدقي، لا يمكن مقارنتها بصورة مباشرة بالمنظومات المتطورة المطبقة في أوروبا وبعض دول الخليج، لأن نجاح هذه التجارب لم يكن قائمًا على وضع ماكينة في الشارع فقط، وإنما على منظومة متكاملة لجمع وفرز ونقل وإعادة تدوير المخلفات.

في حين أن ماكينات الدقي، وفقًا للمقدس، تُركز على استقبال بعض العبوات القابلة لإعادة التدوير، مثل زجاجات البلاستيك وعلب الكانز، مقابل منح المواطن نقاطًا أو حوافز، بينما المنظومات المتقدمة في الخارج تعتمد على فصل المخلفات من البداية، وربط عمليات الجمع والفرز والنقل وإعادة التدوير ببعضها البعض، بما يضمن وصول كل نوع من المخلفات إلى المسار المناسب له.

وتُطبق الإمارات نموذجًا واضحًا لماكينات الجمع الذاتي للمخلفات، من خلال تجارب في أبوظبي ودبي والشارقة، حيث جرى في أبوظبي تركيب عشرات الماكينات في أماكن ذات حركة مرتفعة، ويمكن للمواطن إيداع الزجاجات والحصول على نقاط تُستخدم في الحصول على مكافآت، بل أتاحت إحدى المبادرات تحويل نقاط إعادة تدوير الزجاجات إلى رحلات باستخدام الحافلات العامة.

السعودية جمعت أكثر من 189 ألف عبوة خلال عام

 وفي السعودية، توجد تجربة الشركة السعودية الاستثمارية لإعادة التدوير “SIRC”، التي استخدمت ماكينات RVM تمنح المستخدم نقاطًا مقابل إيداع زجاجات البلاستيك وعلب الألومنيوم، مع ربطها بتطبيق للمكافآت، ووفق تقرير الاستدامة للشركة، جرى جمع أكثر من 189 ألف عبوة خلال عام 2023 ضمن المشروع، إلى جانب 188 ألف زجاجة بلاستيكية و828 علبة ألومنيوم.

أما في أوروبا، فتختلف المنظومة إذ لا تُعامل الماكينات باعتبارها مجرد مبادرة تطوعية للحصول على نقاط، وإنما تأتي كجزء من نظام وطني لاسترداد قيمة مالية سبق أن دفعها المستهلك عند شراء العبوة، وفي ألمانيا، تُفرض قيمة تأمين “Pfand” على كثير من زجاجات المشروبات وعلبها، وعندما يعيد المستهلك العبوة إلى ماكينة الاسترجاع يحصل على قيمة التأمين مرة أخرى، وتتم عملية الاسترجاع عادة من خلال ماكينات RVM الموجودة لدى المتاجر.

بالعودة لنقيب الزبالين، أوضح أن المشكلة ليست في استخدام التكنولوجيا أو الاستعانة بالماكينات الحديثة، وإنما في أن التكنولوجيا يجب أن تكون جزءًا من منظومة كاملة، مؤكدًا أن وضع ماكينة لجمع البلاستيك والكانز لا يعني وحده حل أزمة المخلفات، لأن هناك أنواعًا أخرى من القمامة تحتاج إلى جمع وفرز والتعامل معها بصورة مستقلة.

نجاح أي تجربة يرتبط بقدرتها على تحقيق الفصل من المصدر

وأفاد المقدس بأن التجارب الأوروبية والخليجية الناجحة تعتمد بدرجة كبيرة على وجود حوافز واضحة للمواطن، وشبكة واسعة من نقاط الجمع، وآليات محددة لتفريغ الماكينات ونقل المخلفات، فضلًا عن وجود جهات مسؤولة عن إعادة التدوير.

وعقب الدكتور خالد قاسم، مساعد وزير التنمية المحلية والبيئة السابق، على تجربة القمامة الذكية في حي الدقي تمثل اتجاهًا مهمًا في تطوير منظومة إدارة المخلفات، لأنها تنقل التعامل مع القمامة من مجرد الجمع والنقل والتخلص منها إلى مفهوم أكثر تكاملًا يقوم على الفرز والاستفادة وإعادة التدوير.

وأضاف قاسم في تصريحه لـ”ليبرالي”، أن نجاح أي تجربة حديثة في إدارة المخلفات يرتبط بقدرتها على تحقيق الفصل من المصدر، لأن اختلاط المواد القابلة لإعادة التدوير بباقي المخلفات يؤدي إلى فقد جزء كبير من قيمتها الاقتصادية، بينما يتيح جمع البلاستيك والمعادن وغيرها بصورة منفصلة إعادة إدخالها في دورة الإنتاج.

فتح المجال أمام استثمارات جديدة وتوفير فرص عمل

وأشار مساعد وزير التنمية المحلية السابق إلى أن الدولة تتحرك خلال الفترة الأخيرة نحو تطوير البنية الأساسية لمنظومة المخلفات وزيادة قدرات إعادة التدوير، بالتوازي مع رفع وعي المواطنين، مؤكدًا على أن التحول إلى الاقتصاد الدائري يعني النظر إلى المخلفات باعتبارها موردًا يمكن تعظيم قيمته وليس مجرد مشكلة بيئية يجب التخلص منها.

كما لفت قاسم إلى أن زيادة كميات المخلفات المفروزة من المصدر ترفع كفاءة عمليات إعادة التدوير وتوفر خامات يمكن استخدامها في الصناعة، وهو ما يفتح المجال أمام استثمارات جديدة ويوفر فرص عمل، بدلًا من أن تظل المخلفات عبئًا تتحمل الدولة تكلفة التخلص منه فقط.

 

 

زر الذهاب إلى الأعلى