
لم تكن جلسة لجنة الإسكان بمجلس النواب والتي عقدت الأربعاء الماضي لمناقشة موازنة هيئة تنمية الصعيد جلسةً عادية. حين شرع النائب حسام حسن الخشت، نائب الهيئة البرلمانية لحزب العدل، في مساءلة اللواء المهندس عمرو عبدالمنعم، رئيس هيئة تنمية الصعيد، عن مشروعات متوقفة وأموال أُنفقت دون عائد واضح، لم يجد أمامه رئيسًا يستمع ويُجيب، بل رجلًا ثائرًا يقول: “أنا مشروعاتي كلها مستغلة”، ثم يُعلن في مواجهة النواب: “مش جاى المجلس تانى.. أنا نزيه”، ويختم بجملة أشعلت القاعة: “وريني مين هيجيبني”. ردّ عليه الخشت بهدوء حازم: “لا، هتيجي تاني بدل المرة عشرة، ده مال عام وإحنا مسؤولين عنه أمام الشعب، وأقسمنا يمين نحافظ عليه”. هذا التبادل لم يكن خلافًا شخصيًا بين رجلين، بل كشف عن أزمة أعمق ممثلة في مؤسسة تتلقى المال العام وتحمل مسؤولية تنمية ملايين المصريين في الجنوب، لكنها تبدو في الوقت ذاته بعيدة عن المساءلة ومتحصّنة ضد الرقابة. والسؤال الذي لا يزال معلّقًا: ماذا أنجزت هيئة تنمية الصعيد في سبع سنوات، ولماذا لا تريد أن تُجيب؟.

في عام 2018، أصدرت الدولة المصرية القانون رقم 157، وبموجبه وُلدت هيئة تنمية الصعيد، مؤسسة حكومية أُسندت إليها مهمة من بين أصعب المهام: سد الفجوة التنموية بين محافظات الجنوب وبقية أقاليم الجمهورية. ثمان سنوات مرّت على ذلك، والصعيد لا يزال يحتل قاع مؤشرات التنمية البشرية، فيما تتصاعد الأسئلة البرلمانية حول ما أنجزته الهيئة فعليًا، وكيف أنفقت ما خُصص لها من موارد عامة.
الصعيد بالأرقام.. 50% تحت خط الفقر

لا يحتاج المراقب إلى كثير من التحليل ليدرك حجم التحدي الذي تواجهه هيئة تنمية الصعيد. البيانات الرسمية الصادرة عن الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء تكشف أن نحو 29.7% من المصريين يعيشون تحت خط الفقر، غير أن هذا الرقم يخفي وراءه واقعًا أشد قسوة في الجنوب؛ إذ تتجاوز معدلات الفقر في ريف الوجه القبلي حاجز 50%، أي أن واحدًا من كل اثنين في تلك المناطق لا يملك ما يكفيه.
وعلى صعيد سوق العمل، تتراوح معدلات البطالة الرسمية بين 6 و7%، لكن البطالة المقنعة والعمالة غير المنتجة تجعل هذه الأرقام أقل تعبيرًا عن الواقع الفعلي. وتؤكد تقارير برنامج الأمم المتحدة الإنمائي استمرار تدني مؤشرات التنمية البشرية في محافظات الصعيد مقارنة بالأقاليم الأخرى، فيما تشير منظمة الهجرة الدولية إلى أن هذه المحافظات تمثل أحد أبرز مناطق انطلاق الهجرة غير النظامية، في إشارة واضحة إلى أن الضغوط الاقتصادية تدفع الشباب نحو المغامرة بحياتهم بحثًا عن مستقبل لا يجدونه في قراهم. هذه الأرقام هي التي أوجدت مبرر وجود هيئة تنمية الصعيد، وهي في الوقت ذاته المعيار الذي يجب أن يُقاس عليه أداؤها.

غياب الشفافية
قبل أن يناقش أحد كفاءة الهيئة، ثمة مشكلة تسبق كل ذلك: غياب التقارير. تقدّم النائب حسين هريدي بطلب إحاطة موجّه إلى الحكومة، كشف فيه أن الهيئة لا تنشر تقاريرها الدورية رغم أن قانون إنشائها ولائحته التنفيذية تنصّان صراحة على ذلك. وهو ما وصفه بـ”غياب الإفصاح والشفافية”.
وبحسب طلب الإحاطة، فإن انعدام البيانات الرسمية المنشورة يثير تساؤلات جوهرية حول حجم ما أُنجز فعليًا منذ تأسيس الهيئة حتى اليوم، كما يقيد قدرة مجلس النواب والرأي العام على متابعة أداء مؤسسة تتلقى تمويلًا من المال العام وتحمل في اسمها مسؤولية تنمية ملايين المصريين.

مشروعات متوقفة وأموال معلّقة
المشكلة لا تقف عند غياب التقارير. ففي اجتماع لجنة الإسكان بمجلس النواب، الذي خُصص لمناقشة موازنة الهيئة، اندلع نقاش حادّ بين النائب حسام حسن الخشت عضو مجلس النواب عن حزب العدل، وبين اللواء المهندس عمرو عبدالمنعم، رئيس هيئة تنمية الصعيد.
طرح النائب الخشت أمثلة ملموسة لمشروعات يصفها بأنها متوقفة أو غير مستغلة، من بينها مشروعات في المنيا وأسيوط بمنطقتي عرب العوامر وعرب مطير بتكلفة تصل إلى 55 مليون جنيه، إضافة إلى مجمع للصناعات الصغيرة، ومزارع جوجوبا في البحر الأحمر، ومصنع للأخشاب توقف عن العمل، وأراض غير مستغلة في أسيوط.
ردّ رئيس الهيئة بحسم قائلًا: “أنا مشروعاتي كلها مستغلة”، وهو ما رفضه النائب مستندًا إلى أمثلة بعينها.
ربما كان أبرز ما كُشف في ذلك الاجتماع، تصريح رئيس الهيئة بأن الهيئة “خدمية وليست تنموية”، وهو توصيف رفضه النواب جملةً وتفصيلًا. فمنذ اليوم الأول، وُلدت الهيئة لتكون أداة تنمية اقتصادية تجذب الاستثمارات وتخلق فرص عمل حقيقية، لا جهازًا يقدم خدمات. وإن صحّ وصف رئيسها لها بالخدمية، فإن ذلك يطرح تساؤلًا عميقًا حول الفجوة بين ما أُنشئت الهيئة من أجله وما تمارسه فعليًا على أرض الواقع.
مكافآت في زمن الترشيد
زاد على كل ذلك ما أثاره النائب الخشت من اعتراض على ارتفاع ميزانية مكافآت المستشارين من 400 ألف جنيه إلى 500 ألف جنيه في موازنة عام 2026، إضافة إلى تخصيص 700 ألف جنيه لبند “ملابس العاملين”، وذلك في وقت تدعو فيه الحكومة علنًا إلى ترشيد الإنفاق العام وخفض الفواتير الإدارية.

ما فاقم الأزمة أكثر لم يكن الأرقام ولا المشروعات المتوقفة، بل كان ردّ فعل رئيس الهيئة ذاته. فقد أعلن في الاجتماع أنه لن يعود إلى لجنة الإسكان مرة أخرى، قائلًا: “وريني مين هيجيبني”، وهو موقف وصفه النائب الخشت بأنه غير مقبول، مؤكدًا أن الهيئة ستظل خاضعة للرقابة البرلمانية بحكم الدستور، ومذكّرًا بأنه أقسم على حماية المال العام.
وفي السياق ذاته، شهد الاجتماع توترًا مماثلًا عقب تصريحات النائب محمد بنجي، الذي أفاد بأنه طرح على رئيس الهيئة تساؤلات حول ضعف استثمارات الباب السادس التي لا تتجاوز 250 مليون جنيه، معتبرًا إياها غير كافية لتلبية احتياجات الصعيد التشغيلية، ولم يجد ردًّا مقنعًا. وقال بنجي إن رئيس الهيئة ردّ “بعصبية شديدة وبأسلوب غير لائق”، مما دفع أعضاء اللجنة إلى تصعيد الأمر رسميًا إلى هيئة مكتب اللجنة لاتخاذ ما تراه من إجراءات.

الخشت يطالب بمناقشة عامة
في سياق متصل تقدم النائب حسام حسن الخشت بطلب مناقشة عامة موجه إلى رئيس مجلس الوزراء، ووزراء التخطيط والتنمية المحلية والمالية، يلتمسون فيه إدراج ملف هيئة تنمية الصعيد للنقاش أمام المجلس بكامل هيئته.
ويهدف الطلب المقرر عرضه خلال جلسات مجلس النواب الأسبوع المقبل إلى الوقوف على مدى فاعلية الإطار التشريعي والمؤسسي للهيئة، وتقييم قدرتها على جذب الاستثمار الخاص والتحوّل من نموذج يرتكز على الإنفاق الحكومي إلى نموذج يقوده القطاع الخاص.

كما يطالب بتوضيح آليات التنسيق بين الهيئة والوزارات المعنية والمحافظات، وبيان أسباب غياب مؤشرات أداء واضحة وقابلة للقياس تعكس أثر تدخلات الهيئة على مؤشرات الفقر والتشغيل والاستثمار، مطالبا بتشكيل لجنة لحصر المشروعات الستين التابعة للهيئة ومراجعة أوضاعها الفعلية على أرض الواقع.





