صورة أثارت التساؤلات والتخوفات.. خطط إسرائيلية “خبيثة” عند بوابة باب المندب عبر “أرض الصومال”

رئيس ما يعرف بأرض الصومال ورئيس إسرائيل يشيران إلى باب المندب في صورة تحمل دلالات خطيرة

في تطور أثار ردود فعل إقليمية ودولية واسعة، افتتحت أرض الصومال، الإقليم الانفصالي غير المعترف به دوليًا، ممثلية لها في القدس المحتلة، في خطوة اعتبرتها الحكومة الفيدرالية الصومالية انتهاكًا لسيادتها ووحدة أراضيها، بينما قوبلت بإدانات رسمية من حكومة الصومال والخارجية المصرية وجامعة الدول العربية ومنظمة التعاون الإسلامي.

ولم تتوقف تداعيات الحدث عند حدود الافتتاح الدبلوماسي، بل ازدادت أهميته السياسية والاستراتيجية مع تداول صور من مراسم توقيع تفاهمات للتعاون بين رئيس أرض الصومال ومسؤولين إسرائيليين، ظهر خلالها الطرفان وهما يشيران إلى خريطة البحر الأحمر ومضيق باب المندب، الأمر الذي فتح الباب أمام تساؤلات واسعة بشأن الأبعاد الحقيقية لهذا التقارب، وما إذا كان الأمر يتعلق فقط بسعي أرض الصومال للحصول على اعتراف سياسي، أم أنه جزء من مشروع أوسع لإعادة تشكيل موازين القوى في القرن الإفريقي والبحر الأحمر.

إدانات متتالية ورسائل سياسية واضحة

جاءت ردود الفعل الرافضة سريعة وحاسمة، فقد أكد الخارجية المصرية رفضها أي خطوات تمس وحدة وسيادة جمهورية الصومال الفيدرالية، مشددة على موقف القاهرة الثابت الداعم لوحدة الأراضي الصومالية ورفض أي إجراءات أحادية تهدد استقرار المنطقة.

بيان الخارجية المصرية

كما أدانت الحكومة الصومالية افتتاح الممثلية، معتبرة أن أي تحرك خارجي تقوم به أرض الصومال لا يمتلك أي شرعية قانونية أو سياسية، باعتبار الإقليم جزءًا لا يتجزأ من الدولة الصومالية المعترف بها دوليًا.

وانضمت إلى هذا الموقف كل من جامعة الدول العربية ومنظمة التعاون الإسلامي، اللتين أكدتا دعمها لوحدة الصومال ورفض أي خطوات من شأنها المساس بسيادته أو تشجيع النزعات الانفصالية.

غير أن أهمية هذه الإدانات لا ترتبط فقط بالجانب القانوني، بل تعكس إدراكًا متزايدًا لحساسية التوقيت والموقع والرسائل الكامنة خلف هذا التحرك.

بيان جامعة الدول العربية

الصورة التي لفتت الأنظار

رغم أهمية افتتاح الممثلية، فإن الصورة التي جرى تداولها عقب توقيع التفاهمات بين الجانبيين كانت الأكثر إثارة للاهتمام.

ففي عالم السياسة والجغرافيا الاستراتيجية لا تكون الخرائط مجرد خلفيات بروتوكولية، بل تتحول أحيانًا إلى رسائل سياسية مقصودة.

ظهور خريطة البحر الأحمر وباب المندب أثناء الحديث عن التعاون بين الطرفين دفع العديد من المراقبين إلى الربط بين الحدث وبين التنافس المتصاعد على الممرات البحرية الاستراتيجية، خصوصًا  أن أرض الصومال تمتلك موقعًا جغرافيًا بالغ الأهمية يطل مباشرة على خليج عدن بالقرب من المدخل الجنوبي للبحر الأحمر.

ومن هنا انتقل النقاش من مسألة الاعتراف السياسي إلى سؤال أكبر: لماذا باب المندب؟

نقطة الاختناق الأخطر في العالم

يعد مضيق باب المندب أحد أهم الممرات البحرية في العالم، إذ يربط البحر الأحمر بخليج عدن والمحيط الهندي، ويمثل البوابة الجنوبية المؤدية إلى قناة السويس.

وتشير التقديرات الدولية إلى أن ما يقارب 12% من حجم التجارة العالمية يمر عبر البحر الأحمر، كما تعتمد عليه حركة نقل الطاقة والبضائع بين آسيا وأوروبا بشكل أساسي.

وبالنسبة لمصر، فإن أهمية المضيق تتجاوز البعد الملاحي، إذ يرتبط مباشرة بأمن قناة السويس التي تمثل أحد أهم مصادر الدخل القومي المصري.

ولهذا السبب ظلت القاهرة تنظر تاريخيًا إلى أمن باب المندب باعتباره جزءًا لا يتجزأ من أمنها القومي، وهي معادلة ترسخت منذ عقود طويلة.

إسرائيل والبحر الأحمر.. قصة قديمة

الخطأ الشائع في قراءة التطورات الأخيرة هو التعانل معها باعتبارها حدثًا منفصلًا عن السياق التاريخي، فالاهتمام الإسرائيلي بالبحر الأحمر يعود إلى عقوج طويلة، وتحديدًا منذ تأسيس الدولة العبرية.

ففي خمسينيات القرن الماضي وضع رئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق دافيد بن جوريون ما عرف بـ”استراتيجية الأطراف”، التي هدفت إلى بناء شبكة من التحالفات مع القوى غير العربية المحيطة بالعالم العربي.

أهمية القرن الإفريقي

لكن التحول الأبرز جاء بعد حرب أكتوبر 1973، عندما أدى إغلاق باب المندب أمام السفن المرتبطة بإسرائيل إلى إدراك تل أبيب حجم المخاطر التي قد تواجهها إذا فقدت حرية الحركة في البحر الأحمر.

ومنذ ذلك الحين أصبح تأمين خطوط الملاحة البحرية في البحر الأحمر، هدفًا ثابتًا ضمن الحسابات الأمنية الإسرائيلية.

لذلك فإن أي تقارب إسرائيلي مع كيان يطل على خليج عدن لا يمكن عزله عن هذه الخلفية التاريخية الممتدة لعقود.

أرض الصومال.. مساعي الاعتراف والجغرافيا السياسية

منذ إعلان انفصالها عن الصومال عام 1991، تسعى أرض الصومال إلى الحصول على اعتراف دولي يمكنها من التحول إلى دولة كاملة العضوية في المجتمع الدولي.

ورغم نجاحها في بناء مؤسسات سياسية وأمنية مستقرة نسبيًا مقارنة ببقية مناطق الصومال، فإنها ما زالت تواجه رفضًا دوليًا واسعًا للاعتراف بها.

فالإقليم يمتلك ساحلًا يتجاوز 800 كيلومتر على خليج عدن، ويضم موانئ ذات أهمية متزايدة بالنسبة للقوى الإقليمية والدولية.

ومن هنا تسعى قيادته إلى توظيف موقعه الاستراتيجي لجذب الشركاء الدوليين وكسر العزلة السياسية التي يعيشها منذ أكثر من ثلاثة عقود.

من مذكرة إثيوبيا إلى التقارب الإسرائيلي

لا يمكن فهم التطورات الحالية بمعزل عن مذكرة التفاهم التي وقعتها إثيوبيا مع أرض الصومال مطلع عام 2024 للحصول على منفذ بحري مقابل دراسة الاعتراف بالإقليم.

فقد أدت تلك الخطوة إلى أزمة حادة بين أديس أبابا ومقديشو، كما دفعت العديد من القوى الإقليمية إلى إعادة النظر في حساباتها داخل القرن الإفريقي.

ولذلك يأتي الانفتاح الإسرائيلي على أرض الصومال في سياق إقليمي شديد الحساسية، ما يطرح تساؤلات حول ما إذا كانت المنطقة تشهد بداية مرحلة جديدة من إعادة توزيع النفوذ على سواح البحر الأحمر.

مذكرة تفاهم بين أرض الصومال وإثيوبيا

لماذا يقلق ذلك مصر والعالم العربي؟

لا يرتبط القلق المصري والعربي فقط بمبدأ دعم وحدة الأراضي الصومالية، بل يتصل أيضًا بتداعيات أي تغيير في موازين القوى عند المدخل الجنوبي للبحر الأحمر.

فإذا تحول التقارب الحالي إلى شراكة أمنية أو استراتيجية طويلة الأمد، فإن ذلك قد يؤدي إلى ظهور معادلات جديدة في منطقة تعد من أكثر المناطق حساسية بالنسبة للأمن القومي العربي.

كما أن تزايد التنافس الدولي في القرن الإفريقي، في ظل وجود قواعد عسكرية ومشروعات موانئ ومصالح متشابكة لقوى دولية وإقليمية، يجعل أي تحرك جديد جزءًا من لوحه أكبر تتجاوز حدود الصومال أو إسرائيل.

ما بعد القدس

قد يبدو افتتاح ممثلية لأرض الصومال في القدس حدثًا محدودًا في ظاهره، لكن في جوهره يعكس تحولات أعمق تتعلق بالصراع على الممرات البحرية والنفوذ الجيوسياسي في القرن الإفريقي.

فالقضية لم تعد مجرد خلاف قانوني حول وضع إقليم انفصالي، بل أصبحت مرتبطة بمستقبل البحر الأحمر نفسه، وبالسؤال الذي يشغل العواصم الإقليمية والدولية اليوم: من يملك القدرة على التأثير في باب المندب؟

وفي ضوء الصورة المتداولة، وبيانات الإدانة الصادرة عن مصر والصومال وجامعة الدول العربية ومنظمة التعاون الإسلامي، والتنافس المتصاعد على الموانئ والممرات البحرية، تبدو المنطقة مقبلة على مرحلة جديدة قد تعيد رسم خرائط النفوذ من القدس إلى خليج عدن، ومن باب المندب إلى قناة السويس.

وربما يسجل المؤرخون هذه اللحظة مستقبلًا باعتبارها أكثر من مجرد افتتاح ممثلية دبلوماسية، بل باعتبارها إحدى العلامات المبكرة على بداية معركة جيوسياسية جديدة حول البحر الأحمر، ذلك الممر الذي ظل عبر التاريخ مفتاحًا للقوة والنفوذ والتجارة العالمية.

توقيع اتفاقية بين إسرائيل وأرض الصومال
من داخل سفارة أرض الصومال بالقدس المحتلة
رئيس إقليم ما يعرف أرض الصومال أمام حائط البراق