غول “المقطورات” لا يرحم.. مأساة الفيوم تفتح ملف الدماء على الأسفلت من جديد

5260 وفاة في عام واحد.. هل تكفي العقوبات لوقف حوادث النقل الثقيل؟

لم تكن دماء الشاب، ضحية حادث الفيوم، الذي لقي مصرعه إثر انقلاب شاحنة مقطورة فوق السيارة الملاكي التي كان يستقلها، سوى حلقة جديدة في مسلسل دموي لا يبدو أنه سيتوقف قريبًا على طرقاتنا، فقد أعادت هذه المأساة إلى الأذهان المشاهد المرعبة لحوادث المقطورات وسيارات النقل الثقيل، وفتحت من جديد ملفًا أصبح يمثل هاجسًا يؤرق المصريين على الطرق السريعة.

ورغم الطفرة غير المسبوقة التي شهدتها شبكة الطرق خلال السنوات الأخيرة، لا يزال غول حوادث المقطورات يلتهم هذه الإنجازات ويثير الفزع في قلوب المسافرين، في مشهد يتكرر بصورة مأساوية؛ يبدأ بحمولة زائدة أو فرامل متهالكة، وينتهي بكارثة إنسانية على الأسفلت.

5260 حالة وفاة خلال عام
ووفقًا لإحصائيات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء، قُدر عدد المتوفين في حوادث الطرق 5260 شخصًا عام 2024، مقابل 5861 عام 2023، في حين سجلت إصابات حوادث الطرق 76362 إصابة في 2024، مقابل 71016 عام 2023 بنسبة ارتفاع 7.5 في المائة.

وبالعودة لحادث المقطورة الأخير في الفيوم، كشفت وزارة الداخلية تفاصيل أكثر عمقًا عن الواقعة، موضحة أن حادث انقلاب مقطورة إحدى سيارات النقل على سيارتين ملاكي بمحافظة الفيوم، أسفر عن وفاة قائد إحدى السيارتين، وتم اتخاذ الإجراءات القانونية اللازمة.

وبالفحص، تبين أنه أثناء سير سيارة نقل بمقطورة سارية التراخيص، محملة بكمية من مواد البناء، قيادة سائق تم ضبطه ومقيم بدائرة قسم شرطة ثان الفيوم، انحرفت السيارة عن مسارها أثناء الدوران، ما أدى إلى انقلاب المقطورة على جانبها نتيجة ثقل حمولتها، لتسقط فوق سيارتين ملاكي كانتا متوقفتين على جانب الطريق.

أشهر حوادث المقطورات بمصر
وأسفر الحادث عن تهشم السيارتين بالكامل، ووفاة قائد إحدى السيارتين، فيما أقر قائد سيارة النقل بملابسات الواقعة لدى مواجهته.

وشهدت الطرق المصرية خلال الـ 5 سنوات الماضية سلسلة من الحوادث المأساوية التي كانت سيارات النقل الثقيل والمقطورات طرفًا رئيسيًا فيها، ففي أكتوبر 2023، وقع حادث تصادم أسفر عن حريق ضخم على طريق مصر – الإسكندرية الصحراوي، كما أسفر عن مصرع 35 شخصًا وإصابة آخرين، بعدما اشتعلت النيران في عدد من المركبات إثر تصادم متسلسل شاركت فيه شاحنات نقل ثقيل.

كما شهد الطريق الدائري بمنطقة المريوطية في يناير 2024 حادثًا مروعًا عندما فقد سائق مقطورة السيطرة عليها، ما أدى إلى اصطدامها بعدد من السيارات وسقوط قتلى ومصابين، بينما أسفر حادث تصادم سيارة نقل ثقيل بعدة مركبات على الطريق الدائري بالمعادي في مايو 2024 عن وفاة 4 أشخاص وإصابة 10 آخرين.

الحمولات الزائدة.. أخطر أسباب الحوادث
حوادث المقطورات لن تنتهي بين ليلة وضحاها، وتحتاج إلى قرارات صارمة للحد منها، وفقًا للدكتور حسن مهدي، أستاذ هندسة الطرق والنقل بجامعة عين شمس، منوهًا بأن حوادث المقطورات والنقل الثقيل ترتبط بعدة عوامل متشابكة، يأتي في مقدمتها العنصر البشري، وسلوكيات القيادة، وعدم الالتزام بقواعد الأمان على الطرق.

وأضاف “مهدي” لـ”ليبرالي”، أن الحمولات الزائدة تمثل أحد أخطر أسباب الحوادث، لأنها تؤثر على كفاءة المركبة، وتقلل قدرة الفرامل على إيقاف السيارة في الوقت المناسب، كما تؤدي إلى زيادة الضغط على الإطارات وأجزاء المركبة، وهو ما يرفع احتمالات وقوع الحوادث والانقلابات.

كما أشار أستاذ هندسة الطرق والنقل، إلى من أبرز أسباب حوادث المقطورات، السرعة الزائدة، والقيادة لفترات طويلة دون راحة، وعدم الالتزام بالمسافات الآمنة بين المركبات، إضافة إلى وجود مخالفات تتعلق بالحمولة والصيانة.

وحدد قرار مجلس الوزراء رقم 1721 لسنة 2018 الصادر في 4 سبتمبر 2018 مواعيد سير النقل الثقيل، إذ نص على حظر سير سيارات النقل الثقيل التي تزيد حمولتها عن 5 أطنان أو أكثر من الساعة السادسة صباحًا وحتى الثانية عشر مساءً.

غرامة 3 آلاف جنيه
وأقر مجلس الوزراء غرامة من 1000 جنيه ولا تزيد عن 3 آلاف جنيه لكل من سار مخالفًا بسيارة نقل ثقيل، وفق القرار 1721 لسنة 2018.

وأوضح “مهدي”، أن مواجهة المشكلة لا تكون فقط من خلال العقوبات بعد وقوع الحادث، ولكن من خلال منع الأسباب قبل حدوثها، عبر تشديد الرقابة على أوزان الشاحنات، وإجراء فحص فني دقيق للمركبات الثقيلة، والتأكد من صلاحية أنظمة الفرامل والإطارات، إلى جانب متابعة التزام السائقين بقواعد القيادة الآمنة.

وشدد أستاذ هندسة الطرق والنقل، على أن التكنولوجيا أصبحت عنصرًا أساسيًا في السيطرة على مخاطر النقل الثقيل، من خلال تركيب أجهزة تحديد السرعة وتتبع المركبات، وربط بيانات الشاحنات بمنظومة إلكترونية تسمح برصد المخالفات، خاصة على الطرق السريعة التي تشهد كثافات مرتفعة من سيارات النقل.

تدريب السائقين قبل السماح لهم بقيادة المركبات
وشدد “مهدي” على:” ضرورة الاهتمام بتدريب سائقي النقل الثقيل قبل السماح لهم بقيادة هذه المركبات، لأن قيادة المقطورة تختلف تمامًا عن قيادة السيارة العادية، وتحتاج إلى مهارات خاصة في التعامل مع المنحدرات والمنحنيات وحالات الطوارئ”.

وفي السياق ذاته، قال اللواء أحمد هشام، الخبير المروري، إن العنصر البشري، وبالأخص سائقي النقل الثقيل والمقطورات، يمثل السبب الرئيسي وراء استمرار حوادث الطرق، رغم التحسن الكبير في جودة البنية التحتية.

وأضاف “هشام” لـ”ليبرالي”، أن الكثير من السائقين يتعمدون مخالفة قواعد السلامة المرورية، في سبيل تحقيق أرباح مالية عبر مضاعفة عدد الرحلات اليومية، ما يؤدي إلى تجاهل الصيانة الدورية واستخدام إطارات متهالكة وحمل حمولات زائدة.

حظر سير المقطورات من أول أغسطس2015
وأشار الخبير المروري، إلى أن هذه السلوكيات تسببت مؤخرًا في حوادث مأساوية، لافتًا إلى أن الحلول لا تقتصر على تطوير الطرق، بل تتطلب تكامل الجهود بين الدولة والمواطنين لضبط السلوك المروري، وتحقيق أمان فعلي على الطرق المصرية.

وأصدر الرئيس عبدالفتاح السيسي،  قرارًا بقانون بتعديل بعض أحكام القانون رقم 121 لسنة 2008، بتعديل قانون المرور الصادر بالقانون رقم 66 لسنة 1973، بحيث يحظر تسيير المقطورات بعد أول أغسطس2015 .

ونص التعديل في مادته الأولى على أن يستبدل بنص البند ثالثاً من المادة الخامسة من القانون رقم 121 لسنة 2008 بتعديل بعض أحكام قانون المرور الصادر بالقانون رقم 66 لسنة 1973 المشار إليه، النص التالي: يلتزم مالكو المقطورات المنصوص عليها في المادة (6) من قانون المرور الصادر بالقانون رقم 66 لسنة 1973 بعدم تسييرها بعد تاريخ 1/8/2015.

ومع ذلك يجوز خلال السنة الأخيرة من المادة المشار إليها في الفترة السابقة، سحب تراخيص هذه المقطورات بصورة تدريجية وفقًا لأقدمية تاريخ إنتاج المقطورة، وللمعايير التي يصدر بها قرار من وزير الداخلية بالاتفاق مع وزير النقل.

تركيب أجهزة تتبع (GPS)
وللحد من هذه الحوادث، شدد الخبير المروري، على ضرورة تخصيص حارة مرورية خرسانية لسيارات النقل على الطرق السريعة، إلى جانب إنشاء موازين ثابتة ومتحركة لضبط الحمولات، وزيادة الأكمنة الأمنية المزودة بمندوبين من وزارة الصحة للكشف على السائقين وضبط متعاطي المواد المخدرة.

كما طالب الخبير المروري، بضرورة تفعيل آليات منع سير المقطورات المزدوجة “الجرار الذي يجر مقطورتين”، وتغليظ العقوبات على الشركات التي تسمح بخروج شاحناتها دون فحص فني يومي، فضلًا عن ربط تراخيص النقل الثقيل بمنظومة إلكترونية موحدة ترصد المخالفات الخطرة كالسير عكس الاتجاه أو تجاوز السرعة القانونية بشكل فوري، مع سحب رخصة القيادة المهنية نهائيًا في حال تكرار المخالفة.

مطالب “هشام” للحد من حوداث المقطورات لم تتوقف عند المقترحات سالفة الذكر، بل امتدت لتشمل المطالبة بإلزام جميع الشاحنات الكبيرة بتركيب أجهزة تتبع (GPS) مربوطة بغرف عمليات المرور، لضمان التزامها بالممرات الإجبارية والمواعيد المحددة لحركتها، مؤكدًا أن فرض الانضباط التكنولوجي هو الحل الوحيد لضبط حركة المقطورات، قائلاً:” الردع الإلكتروني الفوري هو السلاح الأقوى لإنهاء فوضى النقل الثقيل على الطرق السريعة”.

تتبع حركة الشاحنات.. وربطها بمنظومة إلكترونية
اللواء مدحت قريطم، مساعد وزير الداخلية الأسبق للشرطة المتخصصة وخبير المرور، أفاد بأن تقليل حوادث المقطورات يتطلب رفع كفاءة العنصر البشري، لأن سائق النقل الثقيل يتعامل مع مركبة تختلف تمامًا عن السيارات العادية من حيث الحجم والوزن وطريقة التحكم.

وقال “قريطم”، إن سائق المقطورة يحتاج إلى تدريب مستمر على كيفية التعامل مع الطرق السريعة، والمنحنيات، ومسافات التوقف، وظروف الطوارئ، وليس مجرد الحصول على رخصة قيادة، مشددًا على ضرورة وجود برامج تأهيل دورية لسائقي النقل الثقيل.

وأضاف مساعد وزير الداخلية الأسبق، أن استخدام التكنولوجيا أصبح أمرًا ضروريًا في الرقابة على هذه المركبات، من خلال تركيب أجهزة تحديد السرعة وتتبع حركة الشاحنات، وربطها بمنظومة إلكترونية تساعد في كشف المخالفات مثل تجاوز السرعات أو مخالفة مسارات السير.

منع الحوادث قبل وقوعها
وأوضح أن المسؤولية لا تقع على السائق وحده، بل تشمل مالك المركبة وشركات النقل، فإذا كانت هناك سيارة غير صالحة للسير أو حمولة مخالفة أو ضغط على السائق للقيام برحلات طويلة في وقت قصير، فإن الجميع يتحمل جزءًا من المسؤولية.

وأشار “قريطم” إلى أن الفحص الفني للمركبات الثقيلة يجب أن يكون أكثر صرامة، خاصة فيما يتعلق بأنظمة الفرامل والإطارات وأجزاء التوصيل بين الجرار والمقطورة، مؤكدًا على أن الكثير من الحوادث يمكن منعها قبل وقوعها إذا تم اكتشاف الأعطال مبكرًا.

وشدد مساعد وزير الداخلية الأسبق ،على ضرورة تنظيم عمل شركات النقل، ومراقبة ساعات قيادة السائقين، لأن الإرهاق وقلة النوم من العوامل التي تؤثر على التركيز وتزيد احتمالات وقوع الحوادث.