
أكد الكاتب وائل توفيق، أمين العمل الجماهيري بحزب التحالف الشعبي الاشتراكي، أن النقاش الذي فتحه النائب الدكتور محمد فؤاد حول قانون تنظيم جهاز “مستقبل مصر” نقل الجدل من مناقشة مواد القانون إلى تساؤلات أوسع تتعلق بطبيعة الدولة وحدود سلطتها وآليات إدارتها، معتبرًا أن الخلاف الحقيقي لا يدور حول أهمية الحوكمة، وإنما حول الجهة التي تضع قواعدها وتحدد مسارها.
وأوضح توفيق، في مقال نشره بموقع “درب”، أن الدكتور محمد فؤاد نجح في الارتقاء بالنقاش من الخلاف السياسي المباشر إلى الاختلاف بين منهجين في فهم الدولة، مشيرًا إلى أن فؤاد ينطلق من أولوية تصميم المؤسسات وآليات الحوكمة، بينما يرى هو أن السؤال الأسبق يتعلق بمن يملك سلطة وضع هذه القواعد ولصالح أي مصالح اجتماعية وسياسية؟.
وأشار إلى أن الطرفين لا يختلفان حول أهمية الشفافية أو المساءلة أو بناء مؤسسات كفؤة، لكن الخلاف يبدأ من نقطة سابقة، حيث يرى أن الحوكمة ليست نقطة البداية، وإنما نتيجة لطبيعة توزيع السلطة داخل الدولة والاختيارات السياسية التي أعادت تشكيل مؤسساتها.
وأضاف أن المدرسة المؤسسية، التي يستند إليها محمد فؤاد من خلال أفكار دوغلاس نورث وجوزيف ستيجليتز، قدمت إسهامًا مهمًا في تفسير أثر المؤسسات على نجاح السياسات العامة، لكنها – بحسب رأيه – لا تغني عن طرح أسئلة تتعلق بكيفية نشأة هذه المؤسسات ومن منحها سلطاتها والمصالح التي تعكسها.
وأكد أن الاعتراض على قانون “جهاز مستقبل مصر” لا يقتصر على كيفية إدارة الجهاز، وإنما يمتد إلى التساؤل حول أسباب إنشائه، وأسباب نقل اختصاصات كانت تمارسها مؤسسات الدولة الدستورية إليه، وما إذا كان تركيز وظائف التخطيط والاستثمار والتنفيذ والتنسيق في كيان واحد يعيد توزيع السلطة داخل الدولة بصورة تستوجب النقاش.
ورأى توفيق أن الإدارة الرشيدة لا تبدأ فقط بتحسين أداء المؤسسات، وإنما بمساءلة الأساس الذي قامت عليه وحدود الصلاحيات التي منحت لها، معتبرًا أن السؤال الأهم هو: “من يكتب قواعد اللعبة؟” قبل الانتقال إلى سؤال “كيف تُدار الدولة؟”.
وأشار إلى أن دوغلاس نورث نفسه لم يفصل بين المؤسسات والسلطة، وإنما اعتبر أن المؤسسات نتاج لتفاعلات تاريخية وصراعات وموازين قوى اجتماعية وسياسية، لافتًا إلى أن قواعد اللعبة لا توضع في فراغ، وإنما تعكس التوازنات السائدة وتتغير بتغيرها.
وأضاف أن الاختلاف مع محمد فؤاد يتمثل في ترتيب الأسئلة؛ فبينما يبدأ الأخير بكيفية تصميم قواعد الحوكمة، ينطلق هو من سؤال من يمتلك سلطة صياغة هذه القواعد، باعتبار أن الإجابة عنه تحدد مضمون أي نظام للحوكمة لاحقًا.
وتناول توفيق كذلك أفكار الاقتصادي ميلتون فريدمان، معتبرًا أنها تلتقي مع الرؤية الاشتراكية في التحذير من تركيز السلطة، رغم اختلاف المنطلقات،حيث يرى الطرفان أن احتكار القوة الاقتصادية أو السياسية يمثل خطرًا على الحرية والمساءلة، وإن اختلفا بشأن وسائل معالجته.
وأكد أن اعتراضه على القانون لا يعني رفض تدخل الدولة في الاقتصاد، بل يقوم على الدفاع عن دور تنموي للدولة يخضع لرقابة المؤسسات الدستورية والبرلمان والرقابة الشعبية، وليس عبر كيانات استثنائية تتسع صلاحياتها تدريجيًا على حساب المؤسسات القائمة.
كما أوضح أن الخلاف لا يتعلق بكفاءة جهاز بعينه، وإنما بالكيفية التي يعاد بها توزيع السلطة داخل الدولة، والحدود التي ينبغي ألا تتجاوزها أي مؤسسة، مهما بلغت كفاءتها أو حسنت نوايا القائمين عليها.
واختتم توفيق مقاله بالتأكيد على أن الحوكمة تمثل عنصرًا ضروريًا في إدارة الدولة، لكنها لا يمكن أن تكون نقطة البداية، معتبرًا أن السؤال الجوهري يظل متعلقًا بكيفية بناء الدولة، ومن يملك سلطة إعادة توزيع الاختصاصات داخلها، لأن الإجابة عن هذا السؤال تسبق أي نقاش حول قواعد الحوكمة وآلياتها.







