
شّكل إعلان الرئيس السنغالي باسيرو ديوماي فاي، السبت الماضي، إطلاق حزبه السياسي الجديد “ميراي”، الذي يُعني “الدرع” أو “الحماية” بلغة الولوف، نقطة تحول في المشهد السياسي السنغالي، حيث لم يقتصر على تدشين كيان سياسي جديد، بل مثل إعلانًا رسميًا لانتهاء التحالف الذي جمعه بزعيم حزب “باستيف” عثمان سونكو- رئيس الوزراء سابقًا- وهو التحالف الذي أطاح بالنظام السابق ومهد لوصول الرجلين إلى السلطة في انتخابات 2024، وتحمل هذه الخطوة دلالات سياسية عميقة، لأنها تنقل الأزمة من مرحلة الخلافات داخل السلطة إلى مرحلة إعادة تعريف موازين القوة داخل الدولة.
خطاب فاي .. من خطاب الوحدة إلى خطاب الشرعية المستقلة
في كلمته خلال حفل تدشين الحزب، حرص “فاي” على تقديم مشروعه بوصفه امتدادًا لمشروع الإصلاح الوطني، مؤكدًا أن الحزب الجديد سيكون “حزب الأغلبية” والقوة السياسية القادرة على حماية الدولة واستكمال الإصلاحات، كما ركز على مفاهيم الاستقرار، وحماية المؤسسات ومواصلة التغيير ضمن إطار دستوري ومؤسساتي.
ومن الناحية السياسية، يحمل هذا الخطاب رسائل متعددة:-
أولاً، تأكيد أن شرعيته السياسية لم تعد مستمدة من حزب باستيف أو من عثمان سونكو، وإنما من موقعه كرئيس منتخب للدولة.
ثانيًا، محاولة جذب القيادات والكوادر التي تفضل الاستقرار المؤسسي على الصراع الحزبي.
ثالثًا، تقديم نفسه بوصفه قائدًا للدولة لا قائدًا لفصيل سياسي، في مواجهة خطاب أكثر حدة يتبناه سونكو وأنصاره.
وبذلك، فإن “فاي” يسعى إلى بناء شرعية جديدة قائمة على الرئاسة والمؤسسات، بدلاً من الشرعية الثورية التي أوصلت المعارضة إلى الحكم.
لماذا أصبح باستيف عبئًا سياسيًا؟
لعب حزب باستيف دورًا محوريًا في إسقاط هيمنة النخبة السياسية التقليدية، حيث استطاع حشد التأييد الشعبي حول قضايا السيادة الوطنية، ومكافحة الفساد، وإعادة توزيع الثروة، وتقليص النفوذ الخارجي في القرار السنغالي، وأصبح الحزب خلال سنوات قليلة أكبر قوة معارضة قبل أن يقود الفوز في انتخابات 2024.
لكن وصوله إلى السلطة كشف تحديًا جوهريًا؛ فالحزب الذي نجح في قيادة الاحتجاج لم يكن مهيأ بالكامل لإدارة الدولة، ومع اتساع الخلافات حول أولويات الحكم، خصوصًا في الملف الاقتصادي والتعامل مع المؤسسات المالية الدولية، بدأ التباعد بين فاي وسونكو يتحول إلى صراع على اتجاه الدولة، وليس مجرد خلاف تنظيمي.
جوهر الأزمة.. من يقود المشروع؟
في ظاهرها تبدو الأزمة خلافًا بين شخصيتين سياسيتين، لكنها في حقيقتها صراع بين رؤيتين للحكم.
الرؤية الأولى، التي يمثلها الرئيس “فاي” تميل إلى البراغماتية، وإدارة الأزمة الاقتصادية عبر الحفاظ على قنوات التواصل مع المؤسسات المالية الدولية، واستعادة ثقة المستثمرين، وتجنب الصدامات التي قد تؤثر على الاقتصاد.
أما الرؤية الثانية، التي يجسدها عثمان سونكو، فتعطي الأولوية لخطاب السيادة الاقتصادية، وتقليص الاعتماد على المؤسسات الدولية، وتسريع تنفيذ برنامج التغيير الذي صوت له أنصار باستيف.
ومن ثم، فإن تأسيس “كيراي” ليس مجرد ولادة حزب جديد، بل يعكس انتقال الخلاف من داخل الحزب إلى تنافس بين مشروعين سياسيين مختلفين.
لماذا اختار “فاي” هذا التوقيت؟
يأتي إطلاق الحزب الجديد في لحظة تواجه فيها السنغال ضغوطًا اقتصادية كبيرة، أبرزها أزمة الدين العام، واستمرار المفاوضات مع صندوق النقد الدولي، إلى جانب الحاجة إلى إدارة عائدات النفط والغاز بطريقة تحافظ على ثقة المستثمرين.
وتشير هذه المعطيات إلى أن الرئيس يسعى إلى تأسيس قاعدة سياسية مستقلة تمنحه هامشًا أوسع لاتخاذ قرارات قد لا تحظى بإجماع داخل باستيف.
ماذا يعني ذلك لمستقبل السنغال؟
يدخل النظام السياسي السنغالي مرحلة جديدة، لم يعد فيها الاستقطاب بين السلطة والمعارضة، بل داخل المعسكر الذي قاد التغيير نفسه.
ومن المرجح أن تتركز المنافسة المقبلة على ثلاثة ملفات رئيسية:-
من يمتلك الشرعية الشعبية التي حملت مشروع التغيير؟
من يسيطر على الكتلة البرلمانية والقواعد التنظيمية؟
ومن يستطيع إدارة الاقتصاد في ظل الضغوط المالية دون فقدان التأييد الشعبية.
وبالنظر إلى أن حزب باستيف ما زال يحتفظ بقاعدة تنظيمية واسعة، بينما يراهن فاي على شرعية الرئاسة ومؤسسات الدولة، فإن المشهد يتجه نحو منافسة طويلة قد تعيد رسم الخريطة الحزبية بالكامل قبل الاستحقاقات الانتخابية المقبلة.
التقدير السياسي
إطلاق حزب “كيراي” يمثل نقطة تحول في السياسة السنغالية، لأنه ينهي عمليًا مرحلة “سونكو هو ديوماي” التي شكلت أساس حملة 2024، ويؤسس لمرحلة يصبح فيها كل طرف صاحب مشروع سياسي مستقل.
ويبقى نجاح هذا المشروع مرهونًا بقدرة الرئيس فاي على استقطاب النخب والكوادر، وتحقيق نتائج اقتصادية ملموسة، والحفاظ على استقرار المؤسسات.
وفي المقابل، سيظل حزب باستيف لاعبًا رئيسيًا بفضل حضوره الشعبي والتنظيمي، ما يجعل السنغال مقبلة على إعادة تشكيل عميقة لمعادلة السلطة، قد تتحول إلى منافسة ديمقراطية تعيد ترتيب المشهد السياسي، أو إلى استقطاب حاد إذا تعذر التوصل إلى توازن بين الرئاسة والحزب الذي قاد موجة التغيير.







