عربي ودولي

السنغال بعد سقوط وهم الاستقرار.. هل تتحول أزمة الدين إلى معركة على السيادة السياسية؟

لم تعد أزمة الدين في السنغال مجرد أزمة أرقام تبحث فيها وزارة المالية عن مساحة للمناورة، ولا مجرد مفاوضات تقنية بين داكار وصندوق النقد الدولي.

ما يجري أعمق من ذلك بكثير؛ فالأزمة المالية أعادت فتح سؤال السلطة نفسه: من يملك القرار الاقتصادي في السنغال؟ ومن يدفع ثمن أخطاء الماضي؟ ومن يحدد شكل المستقبل؟ وهنا تكمن المفارقة السنغالية.

فالدولة التي ظلت تُقدَّم لسنوات باعتبارها إحدى أكثر الديمقراطيات استقرارًا في غرب أفريقيا، تجد نفسها اليوم أمام أزمة ثقة مالية وسياسية في آن واحد، والأخطر أن الأزمة جاءت في اللحظة التي وصل فيها إلى السلطة مشروع سياسي رفع شعار السيادة الاقتصادية، ومراجعة علاقة السنغال بالمؤسسات الخارجية، وإعادة تعريف أولويات الدولة.

لكن الواقع المالي دفع هذا المشروع إلى مواجهة سؤال لم يكن في حساباته بهذه الحدة، كيف تحقق السيادة الاقتصادية وأنت تحتاج إلى صندوق النقد لإنقاذ قدرتك على الحركة؟

من كشف الدين إلى كشف بنية الدولة

المشكلة لم تبدأ عندما ارتفعت نسبة الدين إلى الناتج المحلي، بل عندما اكتشفت السلطة الجديدة أن الأرقام التي ورثتها لا تعكس بالكامل حقيقة الوضع المالي للدولة.

وكشف التدقيق عن فجوة كبيرة بين البيانات السابقة والواقع، وأظهر أن حجم الدين العام كان أعلى بكثير مما كان معلنًا، وبحلول نهاية 2024، قُدّر الدين السيادي بنحو 119% من الناتج المحلي، ويرتفع إلى قرابة 131% عند احتساب المتأخرات والتزامات كيانات حكومية أخرى.

وهنا يتحول الدين من مسألة مالية إلى مسألة شرعية سياسية، فالسلطة الجديدة تستطيع أن تقول إن الأزمة إرث من الحكم السابق، لكنها لا تستطيع سياسيًا أن تحكم إلى ما لا نهاية من خلال رواية «نحن ورثنا المشكلة»، فالمواطن لا يدفع الضرائب للحكومة السابقة، بل يدفعها للدولة الحالية، والأسواق لا تفاوض التاريخ، وإنما تفاوض الحكومة الموجودة أمامها.

لذلك أصبحت حكومة الرئيس باسيرو ديوماي فاي أمام معادلة صعبة، تحويل مسؤولية الماضي إلى رأسمال سياسي، من دون السماح لهذا الماضي بأن يتحول إلى عذر لفشل الحاضر.

سونكو وفاي.. عندما يصبح الدين جزءًا من الصراع على السلطة

هنا تظهر النقطة التي تجعل الحالة السنغالية مختلفة، فالخلاف بين الرئيس فاي ورئيس الوزراء السابق عثمان سونكو لم يكن مجرد خلاف شخصي داخل قمة السلطة، فقد اتخذ الصراع أبعادًا سياسية واقتصادية، وانتهى بإقالة سونكو وحل الحكومة في مايو 2026، بينما أصبح سونكو لاحقًا رئيسًا للجمعية الوطنية، محتفظًا بقدرة كبيرة على التأثير في مسار السياسات الحكومية، وهذا يعني أن أزمة الدين دخلت قلب التوازن بين مؤسستي الرئاسة والبرلمان.

«فاي» يحتاج إلى الاستقرار المالي واستعادة ثقة الأسواق وصندوق النقد، بينما يستطيع الزعيم سونكو استخدام موقعه البرلماني لمساءلة الحكومة حول شروط التمويل ومستقبل الدين وتكلفة الإصلاحات على المجتمع.

وهنا يصبح صندوق النقد، بصورة غير مباشرة، جزءًا من السياسة الداخلية السنغالية، ليس لأن الصندوق يريد التدخل في الصراع السياسي، وإنما لأن كل شرط مالي دولي يتحول داخل الدولة إلى سؤال سياسي، من وافق عليه؟ ومن سيتحمل تكلفته؟ وهذه إحدى نتائج الأزمة.

المفارقة الكبرى.. خطاب السيادة يصطدم بحسابات الدولة

وصل مشروع «فاي» و«سونكو» إلى السلطة وسط رغبة شعبية في استعادة القرار الوطني، وإعادة النظر في علاقات السنغال الاقتصادية والسياسية التقليدية، لكن الأزمة كشفت حدود الخطاب السيادي عندما تصطدم الدولة بحسابات الخزانة.

في سبتمبر 2026، توصلت السنغال إلى اتفاق على مستوى الخبراء مع صندوق النقد بشأن برنامج تمويلي بقيمة 2.2 مليار دولار على ثلاث سنوات، وفي الوقت نفسه، أعلنت الحكومة أنها لا تريد إعادة هيكلة تقليدية للدين، وإنما إعادة تشكيله عبر تمديد آجال الاستحقاق وإعادة التفاوض على أسعار الفائدة، مع ضرورة تسوية نحو 3.5 مليار دولار من المتأخرات.

وهنا يمكن فهم السياسة السنغالية الجديدة بصورة مختلفة:

داكار لا تريد الاستسلام للدائنين، لكنها لم تعد قادرة أيضًا على تجاهلهم، إنها تحاول إنتاج صيغة ثالثة، لا قطيعة مع المؤسسات الدولية، ولا قبول كامل بإملاءات الأسواق. وهذه الصيغة قد تكون جوهر إعادة التموضع الاقتصادي السنغالي في المرحلة المقبلة.

لماذا اختارت داكار «إعادة تشكيل» الدين؟

المصطلح هنا سياسي بقدر ما هو مالي، فالحكومة السنغالية تحاول تجنب الصورة المرتبطة بالتعثر أو الإفلاس أو إعادة الهيكلة القسرية، لأنها تعرف أن مجرد هذه الصورة يمكن أن تضرب ثقة المستثمرين وترفع تكلفة التمويل مستقبلًا.

ولهذا جاء التركيز على reprofiling، أي تمديد آجال السداد وإعادة التفاوض على الفوائد، بدلًا من إعلان إعادة هيكلة شاملة.

لكن الأسواق لا تنظر دائمًا إلى المصطلحات بالطريقة نفسها التي تنظر بها الحكومات؛ فقد اعتبرت وكالة «S&P» أن احتمال حدوث عملية تؤدي إلى خسائر للدائنين الأجانب مرتفع للغاية، وخفضت تصنيف السنغال إلى CC.

وهنا تظهر معضلة جديدة، الحكومة تريد السيطرة على الرواية السياسية للأزمة، بينما الأسواق تريد الحكم عليها من خلال الأرقام والمخاطر، وهذه فجوة يصعب على أي حكومة سدها بالخطاب وحده.

استثناء الدين المحلي.. قرار اقتصادي أم حماية للاستقرار السياسي؟

من أكثر القرارات دلالة استثناء جانب كبير من الدين المقوّم بالفرنك الأفريقي من خطة المعالجة، وهذا ليس تفصيلًا فنيًا؛ فالسوق المالية المحلية مرتبطة بالبنوك والمؤسسات الاستثمارية في منطقة غرب أفريقيا، وبالتالي فإن ضرب الدين المحلي بعنف قد يعني نقل الأزمة من ميزانية الدولة إلى النظام المالي الإقليمي.

وبالتالي تبدو داكار وكأنها تقول: «سنفاوض الخارج، لكننا لن نسمح بأن تتحول معالجة الدين إلى أزمة مصرفية داخلية».

وهذه النقطة تكشف أن إعادة التموضع الاقتصادي السنغالي لا تستهدف فقط العلاقة مع صندوق النقد، وإنما تستهدف أيضًا إعادة ترتيب العلاقة بين الدولة والسوق المالية الإقليمية.

النفط والغاز.. الورقة التي قد تغير قواعد اللعبة

هنا يدخل العامل الأكثر أهمية، الطاقة، فالدولة دخلت مرحلة جديدة مع إنتاج النفط والغاز، وهو ما ساهم في دفع النمو بقوة، لكن الاعتماد على المحروقات يحمل خطرًا سياسيًا واضحًا، يتمثل في أن تتحول الموارد الجديدة إلى وسيلة لتمويل الديون القديمة بدلًا من بناء اقتصاد جديد.

إذا حدث ذلك، فستصبح السنغال أمام نسخة جديدة من النموذج الذي تحاول التخلص منه، الاقتراض اليوم على أساس إيرادات الغد.

أما إذا استخدمت عائدات الطاقة في بناء قطاعات إنتاجية، وتحسين البنية التحتية، ودعم الصناعة والزراعة، وتوسيع القاعدة الضريبية، فستمتلك الدولة فرصة حقيقية لتحويل الأزمة إلى نقطة تحول.

إذن، المعركة ليست حول النفط نفسه، وإنما حول من يملك قرار استخدام عائداته ولأي هدف.

السنغال أمام إعادة تعريف موقعها في غرب أفريقيا

هناك بُعد إقليمي لا ينبغي تجاهله، فالسنغال ليست دولة معزولة حاليًا؛ إنها جزء من منظومة غرب أفريقيا النقدية والاقتصادية، وتتحرك داخل منطقة تستخدم الفرنك الأفريقي، بينما تواجه دول المنطقة في الوقت نفسه أسئلة حول السيادة الاقتصادية والاعتماد على المؤسسات المالية الدولية.

لذلك يمكن أن تصبح تجربة داكار اختبارًا مهمًا، هل يمكن لدولة أفريقية أن تستعيد هامشًا أكبر من الاستقلال الاقتصادي دون الانفصال عن النظام المالي الدولي؟

السنغال تحاول الآن الإجابة عمليًا عن هذا السؤال، وإذا نجحت في الخروج من الأزمة دون انهيار العملة أو النظام المصرفي أو الاستثمار، فقد تقدم نموذجًا مختلفًا عن المسارين اللذين ظهرا في أفريقيا خلال السنوات الأخيرة، مسار الارتهان المالي الكامل، ومسار القطيعة السياسية مع المؤسسات الغربية، لكن الخطر الأكبر ليس الدين، بل تآكل الثقة.

زر الذهاب إلى الأعلى