عربي ودولي

غينيا بيساو.. عودة للحكم المدني أم إعادة هندسة للسلطة؟

هل يعيد الجيش صياغة قواعد الديمقراطية قبل إعادة السلطة للمدنيين؟

لم يكن الاستفتاء الدستوري الذي شهدته غينيا بيساو في 30 أغسطس 2026، مجرد محطة إجرائية تسبق الانتخابات المقررة في ديسمبر المقبل، بل يمثل في جوهره محاولة لإعادة تعريف شكل الدولة التي ستعود إليها السلطة المدنية.

فبعد أقل من عام على انقلاب 26 نوفمبر 2025، تتجه البلاد إلى انتخابات رئاسية وتشريعية مقررة في 6 ديسمبر 2026، لكن قبل العودة إلى صناديق الاقتراع اختارت السلطة الانتقالية أن تضع دستورًا جديدًا أمام الناخبين، يقترح الانتقال إلى نظام رئاسي أكثر قوة، وتوسيع صلاحيات رئيس الجمهورية وتقليص البرلمان من 102 إلى 65 مقعدًا.

وهنا تظهر المفارقة التي تختصر الأزمة كلها؛ الجيش يقول إنه يمهد لعودة الديمقراطية، لكنه في الوقت نفسه يعيد صياغة قواعد الديمقراطية التي ستأتي بعده، وهذه ليست مسألة قانونية فقط، وإنما مسألة تتعلق بموازين القوة داخل الدولة.

أولاً:- الاستفتاء وليد أزمة سياسية بدأت بالانقلاب

في نوفمبر 2026 كانت غينيا بيساو خارجة من انتخابات رئاسية وتشريعية شديدة التوتر، وقبل إعلان النتائج النهائية، أعلن الرئيس السابق عمر سيسوكو، ومرشخ المعارضة فرناندو دياس، مواقف متعارضة بشأن نتيجة الانتخابات.

وفي 26 نوفمبر تدخل الجيش وسيطر على السلطة، لتتوقف العملية الانتخابية قبل اكتمال إعلان النتائج.

وبذلك أصبحت البلاد أمام مشكلة شرعية مزدوجة:- شرعية انتخابات لم تُحسم ،وسلطة عسكرية لم تأت عبر الانتخابات، ومن هنا بنت المؤسسة العسكرية خطابها الانتقالي على فكرة أنها تدخلت لمنع انهيار الدولة والفوضى السياسية.

لكن هذه الصيغة تحمل تناقضًا جوهريًا، إذا كان الانقلاب قد جاء بسبب أزمة المؤسسات المنتخبة، فإن إعادة بناء الشرعية لا يمكن أن تعتمد فقط على المؤسسات التي أنشأها الانقلاب نفسه، وهذا هو أول اختبار حقيقي للاستفتاء الحالي.

ثانيًا:- لماذا تغير النظام من شبه رئاسي إلى رئاسي؟

هذه أهم نقطة في الملف، النظام القائم قبل الاستفتاء كان يمنح الرئيس ورئيس الوزراء أدوارًا متداخلة مع ارتباط تشكيل الحكومة بنتائج البرلمان، هذه أهم نقطة في الملف.

السلطات الانتقالية تقول إن هذا الترتيب كان أحد مصادر عدم الاستقرار المتكرر في البلاد؛ حيث أدى التعايش بين رئيس الجمهورية ورئيس الوزراء والبرلمان إلى صراعات على الصلاحيات ومراكز القرار.

لذلك يقترح الدستور الجديد تقوية مؤسسة الرئاسة وإعادة تنظيم العلاقة بينها وبين الحكومة والبرلمان، ظاهريًا، يبدو ذلك منطقيًا، إذا كانت ازداوجية السلطة تسبب الأزمات، فالحل هو تحديد مركز القرار لكن سياسيًا، هناك سؤال آخر: هل المشكلة كانت في النظام شبه الرئاسي نفسه، أن في ضعف المؤسسات السياسية التي تطلبقه؟.

هذه نقطة جوهرية، فالدولة التي تعاني من ضعف الأحزاب، وتدخل الجيش في السياسية، وهشاشة المؤسسات القضائية والانتخابية، قد لا يؤدي تركيز السلطة إلى الاستقرار بالضرورة.

قد يؤدي بدلاً من ذلك إلى تحويل الصراع من صراع بين مؤسسات متعددة إلى صراع على السيطرة على مؤسسة الرئاسة نفسها، أي أن الأزمة لا تختفي؛ وإنما يتغير مكانها.

ثالثًا:- تقليص البرلمان

وتقدم السلطة الانتقالية ذلك باعتباره إصلاحًا يجعل المؤسسة التشريعية أكثر كفاءة وأقل تكلفة وأكثر قدرة على اتخاذ القرار، لكن القراءة السياسية يجب أن تتجاوز المبرر الإداري، في أي نظام سياسي، البرلمان ليس مجرد عدد مقاعد، إنه إحدى أدوات توزيع القوة والتمثيل السياسي، وعندما يحدث أمران معًا: تقليص البرلمان وتوسيع صلاحيات الرئيس، فإن النتيجة المحتملة هي انتقال مركز الثقل السياسي بصورة واضحة من المؤسسة التشريعية إلى السلطة التنفيذية.

وهنا يصبح السؤال: هل يجري إصلاح البرلمان، أم إعادة تعريف حدوده أمام مؤسسة الرئاسة؟، هذه هي النقطة التي تجعل الاستفتاء أكثر أهمية من مجرد تعديل دستوري.

رابعًا:- الجيش لا يحتاج إلى البقاء في السلطة حتى يحافظ على نفوذه 

 

القراءة التقليدية للانقلابات العسكرية تقوم على سؤال: هل سيبقى الجيش في الحكم؟

لكن غينيا بيساو تقدم سؤالًا أكثر تعقيدًا: هل يستطيع الجيش الخروج من الحكم مع الاحتفاظ بتأثيره في شكل النظام السياسي؟، السلطة الانتقالية أعلنت موعد الانتخابات في ديسمبر، كما أن الإطار الانتقالي وضع قيودًا على ترشح قادة المرحلة الانتقالية.

وبالتالي لا يمكن اختزال المسألة في رغبة الجنرالات في الترشح للانتخابات، الأهم هو الإرث المؤسسي للمرحلة الانتقالية، فحتى إذا خرج العسكريون من القصر، فإنهم يكونون قد تركوا وراءهم نظامًا يمنح الرئاسة صلاحيات أوسع، وهذا يعني أن السؤال ليس : هل سيحكم الجنرال هورتا؟ بل من سيحكم بعده، وبأي قواعد؟.

وهنا تتحول المؤسسة العسكرية من لاعب مباشر إلى فاعل مؤثر في تصميم قواعد اللعبة السياسية، وهذه نقلة مهمة جدًا في فهم الانقلابات الأفريقية الحديثة.

خامسًا : غينيا بيساو لا تعاني فقط من أزمة حكومات

شهدت البلاد منذ الاستقلال عام 1973 حالة من عدم الاستقرار والتدخلات العسكرية المتكررة، وهو ما جعل العلاقة بين المؤسسة العسكرية والسياسة المدنية واحدة من أكثر مشكلات بناء الدولة تعقيدًا.

وتشير دراسات أكاديمية إلى أن المؤسسة العسكرية احتفظت تاريخيًا بنفوذ يفوق دورها الرسمي داخل النظام السياسي.

ولهذا فإن تغيير الدستور لا يعالج وحده المشكلة الأساسية، لأن الديمقراطية المستقرة تحتاج إلى جيش يخضع للسلطة المدنية، انتخابات يمكن لجميع الأطراف الوثوق بنتائجها، قضاء قادر على الفضل في النزاعات، برلمان يمتلك
استقلالًا فعليًا، فضلاً عن أحزاب سياسية تستطيع تداول السلطة، مؤسسات انتخابية لا تعتمد على السلطة التنفيذية،
إذا لم تتغير هذه العناصر، فإن تغيير شكل النظام قد ينتج ديمقراطية أكثر مركزية، لا ديمقراطية أكثر رسوخًا.

سادسًا :- المعارضة أمام معضلة صعبة

دعت قوى معارضة إلى مقاطعة الاستفتاء، معتبرة أن العملية يمكن أن تمنح السلطة التنفيذية صلاحيات أكبر وتضعف دور البرلمان ورئيس الوزراء، وأظهرت تقارير صحفية وجود ضعف في الإقبال ببعض مراكز الاقتراع، بينما بدأت عملية الفرز بعد انتهاء التصويت.

لكن المقاطعة نفسها تحمل مخاطرة سياسية، إذا قاطعت المعارضة، ثم أُقر الدستور، فقد تجد نفسها أمام قواعد سياسية جديدة لم تشارك في صياغتها أو التصويت عليها، أما إذا شاركت ورفضت التعديلات، فإنها تمنح العملية قدرًا أكبر من الشرعية السياسية.

وبالتالي تواجه المعارضة معادلة: المشاركة تعني الاعتراف بالمسار، والمقاطعة قد تعني خسارة القدرة على التأثير في نتيجته، وهذه ليست مشكلة غينيا بيساو وحدها؛ إنها واحدة من المعضلات المتكررة في مراحل الانتقال السياسي التي تديرها سلطات غير منتخبة.

سابعًا:- الإيكواس أمام اختبار حقيقي

القضية لا تتعلق بيساو وحدها، الجماعة الاقتصادية لدول غرب أفريقيا “ إيكواس” تواجه منذ سنوات أزمة في قدرتها على التعامل مع الانقلابات، فمن جهة تتمسك بمبدأ العودة إلى الحكم الدستوري.

ومن جهة أخرى، أصبح غرب أفريقيا يعيش واقعًا سياسيًا جديدًا، بعد سلسلة الانقلابات التي أعادت تعريف العلاقة بين الجيوش والأنظمة المدنية.

وفي حالة غينيا بيساو، تصبح المسألة أكثر تعقيدًا، إذا أجريت الانتخابات في ديسمبر، ثم قالت السلطة الانتقالية إن الدستور الجديد أقره الشعب، فسيصبح من الصعب على إيكواس رفض المسار بالكامل دون أن تقدم بديلاً عمليًا، ولهذا فإن الشرعية التي ستنتج عن الانتخابات المقبلة ستكون أهم من شرعية الاستفتاء نفسه، فالاستفتاء يعيد صياغة القواعد، أما الانتخابات فستختبر” من يملك حق استخدام هذه القواعد”.

ثامنًا: السيناريو الأخطر ليس انقلابًا جديدًا

قد يبدو السيناريو الأخطر هو عودة الجيش إلى الانقلاب، لكن سياسيًا، هناك سيناريو أكثر تعقيدًا “المدنية الشكلية”، أي أن تجري الانتخابات بالفعل، ويأتي رئيس منتخب، وًيسلم الجيش السلطة رسميًا، لكن الرئيس يمتلك صلاحيات شديدة الاتساع” البرلمان أضعف، المؤسسات الرقابية محدودة، الجيش يحتفظ بنفوذ غير رسمي، والمعارضة غير قادرة على موازنة السلطة التنفيذية، في هذه الحالة ستصبح غينيا بيساو دولة مدنية انتخابيًا، لكنها شديدة المركزية مؤسسيًا”، وهذا هو السيناريو الذي يجب مراقبته، وليس فقط سؤال: هل عاد الجيش إلى الثكنات؟.

زر الذهاب إلى الأعلى