عربي ودولي

مصر والصين.. إعادة بناء معادلة النفوذ من حوض النيل إلى البحر الأحمر

النيل والبحر الأحمر.. كيف تعيد القاهرة وبكين رسم خرائط النفوذ في القرن الأفريقي؟

لم تكن زيارة الرئيس الصيني شي جينبينج، إلى القاهرة في الأول والثاني من سبتمبر 2026، مجرد احتفال بمرور سبعة عقود على إقامة العلاقات الدبلوماسية بين مصر والصين، ولا مجرد محطة تاريخية في مسار اقتصادي متصاعد، فالبيان المشترك الذي صدر في ختام الزيارة يكشف عن تحول أكثر عمقًا في طبيعة الشراكة؛ حيث انتقلت الملفات المرتبطة بالأمن المائي والبحر الأحمر والقرن الأفريقي والسودان إلى قلب الحوار الاستراتيجي بين القاهرة وبكين.

وتكمن أهمية هذا التحول في أن مصر والصين لا تتعاملان مع هذه الملفات باعتبارها قضايا منفصلة، بل تلتقي مصالحهما عند مساحة جغرافية شديدة الحساسية تمتد من حوض النيل إلى البحر الأحمر، ومن شرق أفريقيا إلى طرق التجارة الدولية، فالبيان أكد بصورة صريحة، إدراك الصين للأهمية الحيوية لنهر النيل بالنسبة لمصر وحقها في حماية أمنها المائي والغذائي ومصالحها التنموية، داعيًا دول حوض النيل إلى الالتزام بالقانون الدولي، بما في ذلك عدم التسبب في إحداث ضرر.

وفي المقابل، أكد الجانبان أن حوكمة البحر الأحمر وأمنه تقع مسؤوليتهما الرئيسية على الدول المشاطئة، مع ضرورة تعزيز التعاون بينها وضمان حرية الملاحة والتجارة الدولية، وهنا تحديدًا تبدأ القراءة السياسية الأهم للبيان: القاهرة نجحت في وضع الأمن المائي وأمن البحر الأحمر داخل إطار أوسع من الشراكة مع قوة دولية كبرى، بينما وجدت بكين في مصر شريكًا قادرًا على وصل مصالحها الآسيوية بالأمن والاستقرار في أفريقيا والشرق الأوسط.

النيل.. تثبيت الأمن المائي باعتباره قضية سيادية

الحديث المصري عن نهر النيل ليس جديدًا، لكن الجديد في هذه الحالة هو السياق الذي ورد فيه، فالقاهرة لم تطرح النيل باعتباره ملفًا فنيًا متعلقًا بالمياه فقط، وإنما ربطته بالأمن المائي والغذائي والتنمية، والصين بدورها أقرت بهذه الأهمية في وثيقة سياسية مشتركة مع مصر.

هذه النقطة لها وزنها؛ لأن بكين ليست دولة من دول حوض النيل، ومن ثم فإن موقفها لا يأتي من موقع طرف مباشر في إدارة الموارد المائي، وإنما من موقع قوة دولية تربطها بمصر شراكة استراتيجية شاملة.

وهنا تبرز استراتيجية مصرية واضحة، تحويل الأمن المائي من قضية مصرية ضيقة إلى قضية مرتبطة بقواعد التعامل الدولي مع الأنهار العابرة للحدود، لكن في الوقت نفسه، لا ينبغي تحميل البيان أكثر مما يحتمل، فهو لا يعني أن الصين انضمت إلى طرف مصري ضد إثيوبيا، ولا أنه يمثل تحولاً صينيًا إلى طرف تفاوضي في قضية سد النهضة، وإنما يعني أن القاهرة استطاعت الحصول على صياغة سياسية صينية تؤكد مبادئ تراها مصر أساسية في حماية مصالحها المائية.

وهذا مكسب دبلوماسي مهم، دون أن يتحول إلى تحالف مائي ضد دولة أخرى.

لماذا البحر الأحمر الآن؟

إذا كان النيل يمثل العمق المائي للأمن القومي المصري؛ فإن البحر الأحمر يمثل الامتداد البحري والاستراتيجي لهذا الأمن.

مصر لا تنظر إلى البحر الأحمر باعتباره مجرد مساحة جغرافية تفصلها عن القرن الأفريقي؛ فوجود قناة السويس يجعل أمن البحر الأحمر متصلاً مباشرة بمصالح الاقتصاد المصري وبحركة التجارة العالمية، أما الصين فالمعادلة مختلفة لكنها تلتقي في النتيجة.

بكين أصبحت قوة تجارية وصناعية عالمية، ولذلك فإن استقرار طرق الملاحة التي تربط آسيا بأوروبا وأفريقيا يمثل مصلحة اقتصادية واستراتيجية لها.

ولهذا جاءت عبارة البيان حول أن المسؤولية الرئيسية عن حوكمة البحر الأحمر أمنه تقع على الدول المشاطئة  بالتوازي مع ضمان حرية الملاحة والتجارة الدولية.

هذه الصياغة تحمل مستويين متداخلين هم كالآتي:-

الأول :- تأكيد الدور المركزي للدول الساحلية في إدارة أمن البحر الأحمر.

الثاني:- عدم تجاهل المصالح الدولية المرتبطة بالممر الملاحي.

أي أن المعادلة التي تطرحها القاهرة وبكين لا تقوم على إغلاق البحر الأحمر أمام القوى الدولية، وإنما على رفض أن تتحول ترتيبات آمنه إلى شأن يُقرر من خارج المنطقة دون مشاركة الدول المشاطئة، وهذه نقطة بالغة الأهمية في ظل تصاعد التنافس الدولي على الممرات البحرية والموانئ والنقاط الاستراتيجية في البحر الأحمر والقرن الأفريقي.

من أمن البحر الأحمر إلى حوكمة

استخدام مفهوم الحوكمة بدلاً من الاقتصار على مفهوم الأمن يحمل دلالة سياسية أوسع، فالأمن يتعامل عادة مع التهديدات والمخاطر، بينما الحوكمة تتعلق بمن يضع القواعد، ومن يشارك في اتخاذ القرار، وكيف تُدار المصالح المتعارضة، وعندما يربط البيان بين حوكمة البحر الأحمر ومسؤولية الدول المشاطئة فإنه يطرح بصورة غير مباشرة سؤالًا أكبر: من يملك حق صياغة قواعد إدارة هذا الممر الحيوي؟

بالنسبة إلى مصر، الإجابة يجب ألا تنفصل عن الدول المطلة على البحر.

وبالنسبة إلى الصين، فإن وجود بيئة إقليمية مستقرة وقواعد واضحة للملاحة يخدم مصالحها التجارية والاستثمارية، وهنا يحدث التقاطع، القاهرة لديها الجغرافيا، وبكين لديها الثقل الاقتصادي والدولي.

ومن ثم فإن الشراكة بينهما يمكن أن تمنح الطرفين أدوات أكبر للدفاع عن مفهوم إقليمي لأمن البحر الأحمر يقوم على الاستقرار وحرية الملاحة واحترام سيادة الدول.

القرن الأفريقي.. المنطقة التي تجمع النيل والبحر

الخطأ في قراءة ملف البحر الأحمر هو التعامل معه بمعزل عن القرن الأفريقي.

فالاضطرابات السياسية والأمنية في القرن لا تتوقف آثارها عند الحدود البرية، وإنما تمتد إلى المجال البحري، كما أن التحولات في توازنات القوة داخل دول المنطقة يمكن أن تؤثر في أمن الممرات البحرية.

وهنا جاءت الفقرة الخاصة بالقرن الأفريقي في البيان لتؤكد احترام سيادة دولة ووحدة أراضيها وسلامتها الإقليمية، ثم ربطت ذلك بأمن البحر الأحمر، هذا الربط مهم للغاية بالنسبة إلى القاهرة.

فمصر تنظر إلى شرق أفريقيا من ثلاث زوايا متزامنة:-

  • الأمن المائي، والأمن البحري، والأمن الإقليمي.
  • النيل يأخذها إلى قلب شرق أفريقيا.
  • والبحر الأحمر يفتح أمامها المجال البحري.
  • السودان يربط المجالين برابط جغرافي وسياسي مباشر.

لذلك فإن استقرار القرن الأفريقي بالنسبة لمصر ليس قضية بعيدة، وإنما جزء من البيئة الاستراتيجية المحيطة بالدولة المصرية.

السودان.. الحلقة التي لا يمكن تجاوزها

وضع السودان في هذا السياق يمنح البيان بعدًا إضافيًا.

فمصر والصين أكدتا احترام وحدة السودان وسيادته والحفاظ على مؤسساته الوطنية وعدم التدخل في شؤونه  الداخلية، مع الدعوة إلى وقف الحرب وإطلاق عملية سياسية شاملة بملكية سودانية، واللافت أن هذا الموقف يأتي بعد الحديث عن استقرار القرن الأفريقي وأمن البحر الأحمر، وهذا يجعل السودان حلقة وصل بين الملفات الثلاثة.

فالسودان دولة محورية في حوض النيل، ويطل على البحر الأحمر، وينتمي سياسيًا وجغرافيًا إلى المجال الأوسع للقرن الأفريقي.

ومن هنا فإن استمرار الحرب السودانية لا يمثل بالنسبة إلى مصر مجرد أزمة في دولة مجاورة، وإنما أزمة يمكن أن تنتج تداعيات على الأمن المائي والحدود والبحر الأحمر واستقرار شرق أفريقيا.

أما الصين، فلديها مصلحة في استقرار البيئة الإقليمية التي تتحرك من خلالها تجارتها واستثماراتها، لذلك فإن التوافق المصري الصيني حول وحدة السودان ومؤسساته يمكن أن يشكل قاعدة لتنسيق سياسي أكبر، خصوصًا في المحافل الدولية.

الصين لا تدخل البحر الأحمر من بوابة عسكرية.. بل من بوابة المصالح

من المهم هنا تجنب قراءة الشراكة المصرية الصينية باعتبارها مقدمة لتحالف عسكري في البحر الأحمر.

المؤشرات الأوضح في البيان تتحرك في اتجاه آخر: التجارة، والاستثمار، والاستقرار، والقانون الدولي، وحرية الملاحة، والتنسيق السياسي.

الصين لديها بالفعل مصالح واسعة في المنطقة، لكن نموذج حضورها يعتمد بدرجة كبيرة على الاقتصاد والبنية التحتية والتجارة والعلاقات الدبلوماسية، وهذا يجعل مصر شريكًا طبيعيًا لبكين.

فمصر تمتلك قناة السويس والمنطقة الاقتصادية، بينما تمتلك الصين قدرة صناعية وتمويلية وتكنولوجية ضخمة.

والبيان أكد بالفعل التوسع في المنطقة الاقتصادية لقناة السويس، وتطوير التعاون في الطاقة المتجددة والسيارات والتصنيع والتكنولوجيا، كما أعلن الرئيس السيسي الاتفاق على تدشين المرحلة الثالثة من توسعات المنطقة الصناعية المصرية الصينية في المنطقة الاقتصادية لقناة السويس.

وهنا تظهر المعادلة الأعمق: كلما تعمق الارتباط الاقتصادي الصيني بقناة السويس، زادت مصلحة بكين في استقرار البحر الأحمر، وبالتاللي يمكن أن يتحول التعاون الاقتصادي بصورة طبيعية إلى عامل يدعم التنسيق السياسي حول أمن  الممر البحري.

زر الذهاب إلى الأعلى