“ربة منزل” ليست سُبة يا سيادة النائبة
بين الحين والآخر ننشغل بتغيير الأسماء والألقاب، وكأن القيمة الحقيقية للأشياء تتلخص في حروفها لا في أثرها، فمؤخرًا طرحت النائبة شيرين صبري، عضو مجلس الشيوخ، اقتراحًا بتغيير مسمى “ربة منزل” إلى “صانعة جيل”، في البطاقة الشخصية، وهو اقتراح يحمل في ظاهره تقديرًا لدور المرأة والأم، لكنني أرى أن المشكلة ليست أبدًا في مسمى “ربة منزل”، وإنما في نظرتنا نحن إلى هذا المسمى.
فمنذ متى أصبحت “ربة المنزل” كلمة تنتقص من قدر المرأة حتى نبحث لها عن اسم بديل؟، ومن أقنعنا أن اللقب الذي حملته أمهاتنا وجداتنا بكل فخر أصبح بحاجة إلى تجميل أو تغيير؟ إن “ربة المنزل” ليست سُبة يا سيادة النائبة، بل هي من أجمل الأوصاف التي حملتها المرأة عبر عقود طويلة، إنها ليست مجرد امرأة تجلس في بيتها، كما يحاول البعض اختزال المعنى، وإنما هي “ربة” هذا البيت، سيدة شأنه، والعالمة بأموره كافة، والقائمة على تفاصيله التي لا تنتهي، والحارسة لطمأنينته، وصاحبة الفضل في أن يكون البيت وطنًا صغيرًا لا مجرد جدران وأثاث.
“ربة” ليست مجرد وصف بل تحمل في معناها السيادة والرعاية والتدبير، فكيف تحولت في أذهان البعض إلى وصف يحتاج إلى التغيير؟ ولماذا نُصر دائمًا على النظر إلى أنفسنا من زاوية النقص، فنسعى إلى اختراع مسميات جديدة توحي بأن القديم كان مَعيبًا أو أقل شأنًا؟، فكل أمهاتنا العظيمات كن ربات بيوت.
الأم التي سهرت على مذاكرتنا، والتي كانت تحفظ مواعيد أدويتنا، وتنتظرنا على الباب، وتصنع لنا ذكرياتنا الأولى، كانت ربة منزل، والجدة التي جمعت أبناءها وأحفادها حول مائدة واحدة، وربت رجالًا ونساءً صاروا أصحاب شأن في مجتمعاتهم، كانت ربة منزل، وحتى هؤلاء الذين ملأوا الدنيا علمًا وفنًا وأدبًا وسياسة، كثير منهم كانت وراءهم امرأة اختارت أن تكون ربة منزل، فصنعت أجيالاً دون أن تطلب لقبًا أكثر بريقًا.
والغريب في الأمر أن كلمة “صانعة جيل” التي يُراد بها تكريم المرأة، لا تشمل كل النساء اللاتي يحملن لقب ربة منزل، فماذا عن المرأة التي لم تُرزق بأبناء؟، أو التي ترعى زوجًا مريضًا، أو أبًا وأمًا كبيرين في السن، أو تلك التي تدير بيتًا كاملاً بكل ما فيه من مسؤوليات؟، أليست ربة منزل أيضًا؟، وهل ينحصر عطاؤها في إنجاب الأجيال وحده؟، أما “ربة منزل” فهي أوسع وأشمل، إنها وصف لدور إنساني واجتماعي واقتصادي بالغ الأهمية، لا يقتصر على التربية وحدها، وإنما يشمل الإدارة والرعاية والتنظيم والاحتواء وصناعة الاستقرار النفسي للأسرة كلها.
لقد اعتدنا للأسف أن نتعامل مع كل ما يرتبط بالبيت وكأنه أقل قيمة مما يرتبط بسوق العمل، وكأن الجهد الذي يُبذل داخل المنزل لا يستحق التقدير، ومع الوقت، انتقلت إلينا هذه النظرة حتى أصبحنا نبحث عن أسماء بديلة لنُشعر أنفسنا بأهمية ما نقوم به، بينما الحقيقة أننا لسنا بحاجة إلى ذلك على الإطلاق، فلا أريد أن نُجمل الكلمات لأننا نشعر في داخلنا أنها ناقصة، بل أريد أن نُعيد لها معناها الحقيقي، فالقيمة لا يصنعها الاسم، وإنما يصنعها الفعل، ولسنا قليلين حتى نُبدل أسماءنا بحثا عن تقدير الآخرين، فالمرأة التي تدير بيتا كاملاً ليست أقل شأنًا من أي منصب أو وظيفة، وتأثيرها يمتد لعقود طويلة عبر الأجيال التي تربت بين يديها، سواء سميناها “ربة منزل” أو “صانعة جيل”.
وبصراحة أخشى أن يتحول الأمر إلى معركة جديدة نخوضها مع الكلمات، بينما لدينا معارك أكثر أهمية تتعلق بحقوق المرأة الحقيقية، وتقدير دورها، وضمان حمايتها الاجتماعية والاقتصادية، والاعتراف بما تبذله من جهد داخل بيتها وخارجه، فلنكف عن النظر إلى أنفسنا باعتبارنا أقل دائمًا مما نحن عليه، لذلك اسمحي لي يا سيادة النائبة أن أختلف معكِ، لا أريد لقبًا جديدًا لربة المنزل، وإنما أريد أن نستعيد احترامنا لهذا اللقب القديم الجميل، الذي حملته ملايين النساء العظيمات بكل فخر، فربة المنزل ليست سُبة ولن تكون.





