أولًا، حفظ الله مصر من شرور الخارج ومكره، وحفظ لنا في الداخل القدرة على الحوار والفهم وحرية التعبير؛ فالأوطان لا تُحمى فقط بقوة مؤسساتها، وإنما أيضًا بمجتمع قادر على التفكير، ومجال عام يسمح بالسؤال، وسياسة تعرف الفارق بين المسؤولية والصمت.
أقول هذا بعد الجدل الذي أثاره بيان حزب العدل بشأن حادث المنشأة الاستراتيجية في دمياط. فما استوقفني لم يكن تطور المعلومات بشأن الحادث فحسب، بل حجم الهجوم الذي تعرض له الحزب لمجرد أنه طرح سؤالًا، والأغرب أن جانبًا معتبرًا من هذا الهجوم جاء من سياسيين وصحفيين، يفترض أنهم الأكثر دفاعًا عن الحق في السؤال والبحث عن الحقيقة.
المشكلة في رأيي أكبر من بيان حزب أو حادث بعينه؛ فهي تكشف عن عدد من الأصنام الفكرية التي ترسخت في المجال العام. فمن الصعب أن نتحدث عن الحريات والإصلاح السياسي وحرية الصحافة، ثم نعجز عند التطبيق عن التفرقة بين السؤال والاتهام، وبين المعارضة والعداء للدولة، وبين انتظار الحقيقة وإنكار الاحتمالات قبل التحقق منها.
لنعد إلى البداية. في الساعات الأولى للحادث كانت هناك روايات متعددة تتحدث عن احتمال تعرض المنشأة لاستهداف خارجي. لكن هل حولنا هذا الاحتمال إلى حقيقة؟
لا. هل اتهمنا دولة بعينها؟ لا. هل طالبنا برد أو تصعيد؟ أيضًا لا.
كل ما فعلناه أننا استخدمنا صيغة واضحة: إذا ثبت وجود اعتداء خارجي فإننا نقف مع الدولة المصرية، وطالبنا بكشف الحقيقة.هذه الـ«إذا» ليست تفصيلًا لغويًا، بل هي جوهر القضية.
هناك فرق كبير بين تقرير واقعة لم تثبت بعد، وبين القول إن هناك مؤشرات تستحق التحقيق وكشف الحقيقة. الأولى ادعاء، والثانية ممارسة طبيعية لحق سياسي أصيل هو حق السؤال.
المفارقة أن بعض من هاجموا البيان كانوا أكثر يقينًا من أصحاب البيان أنفسهم.
ففي وقت سادت فيه موجة إنكار لاحتمال الاستهداف، لم يكتف البعض بالدعوة إلى انتظار نتائج التحقيق، بل نفى الاحتمال بصورة قاطعة وقدم تفسيرات مختلفة باعتبارها حقائق نهائية.
ثم جاءت المعلومات الرسمية في اليوم التالي لتعلن ارتباط الحادث بمسيّرة، وأصدرت الحكومة بيانًا شرحت فيه ما جرى، كما أصدر حزب العدل بيانًا ثانيًا أكد تضامنه الكامل مع الدولة المصرية.
وهنا يبدأ السؤال الحقيقي: هل وظيفة الحزب السياسي أن ينتظر البيان الرسمي حتى يفكر؟
هناك تصور راسخ لدى البعض بأن الحزب المسؤول هو الذي يلتزم الصمت حتى تتحدث الحكومة، ثم يكرر ما قالته وباللغة نفسها. لكن إذا كان هذا هو المطلوب، فما الحاجة أصلًا إلى وجود أحزاب سياسية؟
الحكومة جهة تنفيذية تمتلك أجهزة الدولة، وهي المسؤولة عن التحقيق واتخاذ القرار وإعلان النتائج. أما الحزب السياسي فوظيفته أن يراقب، ويسأل، ويحلل، ويطالب بالمعلومات، ويعبر عن موقف سياسي مسؤول. ليس من حقه أن يدعي امتلاك حقيقة لم تثبت، لكنه أيضًا ليس إدارة إعلامية ملحقة بالحكومة تنتظر ما يصدر عنها لتعيد نشره.
هذه ليست حياة حزبية، بل ما يمكن تسميته بسياسة الحظيرة.
فالحرية لا تعني أن كل رأي صحيح، لكنها تعني السماح بطرح الأسئلة والفرضيات المشروعة حتى تحسمها الحقائق. أما تحويل كل سؤال إلى تهمة، فهو الطريق إلى تجفيف المجال العام.
قد يقول البعض إن المنطقة تمر بظروف إقليمية معقدة، وإن طرح مثل هذه الأسئلة قد يربك المشهد أو يمنح خصوم الدولة فرصة. لكنني أرى أن النتيجة معاكسة.
فكلما ازدادت التحديات، ازدادت أهمية وجود مجتمع قادر على التمييز بين المعلومة والشائعة، وبين الاحتمال والحقيقة.حماية الدولة لا تعني إغلاق باب التفكير أو نفي كل احتمال قبل التحقق منه، بل تعني امتلاك مؤسسات قوية ومجتمع واعٍ وإعلام مسؤول يعرف كيف يسأل دون أن ينساق وراء الشائعات، وكيف ينتظر الحقيقة دون أن يصنعها.ومن الغريب أن نطالب الأحزاب والمواطنين بالدقة والمسؤولية، ثم نهاجمهم عندما يلتزمون بالفعل بصيغة احتمالية مثل «إذا ثبت». فما البديل؟ هل نصمت جميعًا حتى تصدر السلطة التنفيذية روايتها، ثم نبدأ في الكلام؟ بهذا المنطق لن تكون لدينا حياة سياسية حقيقية، بل مجرد صدى للرواية الرسمية.
وهنا يظهر صنم فكري آخر: الخلط بين الدولة والحكومة. يمكنك أن تقف بكل قوة مع الدولة المصرية، وفي الوقت نفسه تسأل الحكومة.
ويمكنك أن تنحاز بالكامل إلى أمن بلدك وسيادته، بينما تطالب السلطة التنفيذية بالمعلومات والشفافية. بل إن الأمرين متكاملان، لا متعارضان.
فعندما يكون هناك احتمال للمساس بمنشأة استراتيجية مصرية، فإن السؤال عن حقيقة ما جرى ليس موقفًا ضد الدولة، بل نابع من الحرص عليها. وإذا أثبتت التحقيقات وقوع اعتداء، يقف الجميع مع الدولة، وإذا أثبتت العكس، تكون الحقيقة قد ظهرت وانتهى الأمر.
أين المشكلة في ذلك؟الحياة السياسية التي نريدها لن تُبنى بأحزاب تنتظر الإذن المعنوي قبل أن تتحدث، ولا بصحافة تقيس شرعية السؤال بمدى توافقه مع الرواية الرسمية، كما أنها لن تُبنى بالتهور أو الشائعات أو إطلاق الاتهامات بلا دليل.هناك مساحة واسعة بين الصمت والفوضى، اسمها السياسة المسؤولة؛ أن تسأل دون أن تتهم، وأن تشك دون أن تدعي اليقين، وأن تختلف مع الحكومة دون أن تعادي الدولة، وأن تراجع موقفك عندما تظهر معلومات جديدة، وأن تدافع عن حق خصمك في طرح السؤال نفسه حتى لو اختلفت معه.في تقديري، لم تعد قضية بيان حزب العدل هي القضية الأهم. البيان صدر، والحكومة أعلنت نتائجها، والحزب أعلن تضامنه مع الدولة، وأصبح الحادث في عهدة المؤسسات المختصة. لكن ما يجب ألا ينتهي هو النقاش الذي كشفه هذا الجدل، لأننا لن نبني مجتمعًا يؤمن بالحريات ما دمنا نعتبر السؤال خروجًا عن الصف، والاختلاف خصومة، والاستقلال السياسي تمردًا، وانتظار التعليمات حكمة.فالدولة القوية لا تحتاج إلى مجتمع صامت، بل إلى مجتمع مسؤول، والحزب المسؤول ليس هو الذي لا يسأل، وإنما الذي يعرف كيف يسأل، ومتى يتوقف عن الاحتمالات عندما تظهر الحقيقة.
حفظ الله مصر من كل شر، وحفظ لنا معها القدرة على السؤال والفهم والاختلاف، فهذه أيضًا من عناصر قوة الدول، لا من علامات ضعفها.







