عودة الضربات الجوية في شمال إثيوبيا.. هل تعكس تحولاً في استراتيجية حكومة آبي أحمد؟

أعادت التقارير المتداولة بشأن تنفيذ غارة بطائرة مسيّرة في منطقة رايا ألاماتا شمال إثيوبيا، في الساعات الأولي صباح أمس الإثنين، وما تردد عن استهداف مواقع تابعة لقوات دفاع تيجراي، ملف الصراع الإثيوبي إلى واجهة الاهتمام الإقليمي والدولي، بعد نحو عامين من توقيع اتفاق بريتوريا الذي أنهي رسميًا الحرب بين الحكومة الفيدرالية وجبهة تحرير شعب تيجراي، ورغم عدم توافر تأكيد مستقل ونهائي بشأن تفاصيل العملية أو نتائجها، فإن أهمية هذه التقارير لا تكمن في الحدث العكسري ذاته بقدر ما تكمن في دلالاته السياسية.
إذ تأتي في توقيت يشهد تعقيدات داخلية وإقليمية متزايدة، ما يفتح الباب أمام تساؤلات حول ما إذا كانت الحكومة الإثيوبية بصدد إعادة صياغة مقاربتها الأمنية تجاه تيجراي، أو أنها تسعى إلى توظيف القوة العسكرية ضمن استراتيجية ردع محدودة تمنع عودة التهديدات دون الانزلاق إلى حرب شاملة.
وتنطلق هذه القراءة من فرضية مفادها أن أي استخدام محتمل للقوة في هذه المرحلة لا يمكن عزله عن البيئة السياسية التي تعمل فيها حكومة رئيس الوزراء آبي أحمد، والتي تختلف بصورة جوهرية عن البيئة التي سادت خلال الحرب بين عامي 2020 -2022، فإثيوبيا اليوم ليست دولة تواجه تحديًا أمنيًا واحدًا، وإنما مجموعة من الأزمات المتداخلة التي تفرض على صانع القرار إعادة ترتيب أولوياته بين تثبيت السلطة المركزية، واستكمال الإصلاحات الاقتصادية، ومنع تفكك التوازنات الأمنية التي نشأت بعد اتفاق بريتوريا.
سلام أنهى الحرب ولم يٌنهِ الأزمة
شكّل اتفاق بريتوريا نقطة تحول في مسار الصراع الإثيوبي، لكنه لم يتحول إلى تسوية سياسية شاملة، فقد نجح الاتفاق في وقف العمليات العسكرية الواسعة وفتح المجال أمام استئناف المساعدات الإنسانية وعودة جزء من المؤسسات الحكومية، إلا أنه ترك ملفات جوهرية دون حسم، أبرزها مستقبل المناطق المتنازع عليها، وآليات إعادة دمج القوات، وعودة النازحين، والعدالة الانتقالية، وحدود الصلاحيات بين الحكومة الفيدرالية وسلطات إقليم تيغراي.
وبالتالي، فإن الهدوء الذي ساد شمال البلاد خلال العامين الماضيين ظل أقرب إلى حالة من “السلام السلبي”، أي غياب الحرب المباشرة دون إزالة مسبباتها السياسية والأمنية، وفي مثل هذه البيئات، لا يكون وقف إطلاق النار كافيًا لضمان الاستقرار، بل يبقي أي حاجث ميداني قادرًا على إعادة إنتاج مناخ عدم الثقة بين الأطراف.
ولهذا، فإن التقارير الخاصة بالغارة، إذا تأكدت، لا ينبغي قراءتها باعتبارها مجرد عملية عسكرية، بل باعتبارها اختبارًا جديدًا لقدرة اتفاق بريتوريا على الصمود أمام الضغوط الأمنية المتزايدة.
لماذا الآن؟
توقيت هذه التطورات يحمل دلالات لا تقل أهمية عن طبيعة الحدث نفسه، فالحكومة الإثيوبية تواجه خلال المرحلة الحالية تحديات متزامنة في أكثر من إقليم، ففي أمهرة لا تزال المواجهات مع مجموعات “فانو” تستنزف جزءًا من القدرات الأمنية للدولة، بينما تستمر الاضطرابات في أوروميا، بما يعكس استمرار أزمة العلاقة بين المركز والأقاليم، وإلى جانب ذلك.
تواجه الحكومة الإثيوبية ضغوطًا اقتصادية مرتبطة ببرامج الإصلاح، وارتفاع تكاليف المعيشة، والحاجة إلى استعادة ثقة المستثمرين والمؤسسات المالية الدولية.
في ظل هذه البيئة، يصبح من المنطقي افتراض أن أي تحرك عسكري إذا ثبت لا يهدف فقط إلى التعامل مع تهديد ميداني محتمل، وإنما يحمل أيضًا رسائل سياسية داخلية، فإظهار قدرة الدولة على استخدام القوة عند الضرورة يمثل جزءًا من استراتيجية الحفاظ على هيبة السلطة المركزية، خاصة في دولة متعددة القوميات والأقاليم، حيث يُنظر إلى تراجع قبضة الدولة باعتباره عاملًا قد يشجع قوى أخرى على تحدي الحكومة.
ومن ثم، فإن الحكومة قد تكون معنية بإيصال رسالة مزدوجة؛ الأولى إلى القوى المسلحة في تيجراي بأن إعادة بناء القدرات العسكرية ستظل تحت المراقبة، والثانية إلى الفاعلين الآخرين داخل إثيوبيا بأن السلطة الفيدرالية لا تزال تمتلك زمام المبادرة الأمنية.
هل تغيرت استراتيجية آبي أحمد؟
يصعب الجزم بأن الحكومة الإثيوبية تتجه إلى حرب جديدة، لأن الظروف الحالية تختلف جذريًا عن تلك التي سبقت حرب 2020، فقد خرجت الدولة من صراع استنزف الاقتصاد، وأثر في صورتها الدولية، وفرض ضغوطًا دبلوماسية وإنسانية كبيرة، كما أن الحكومة تسعى اليوم إلى جذب الاستثمارات وتنفيذ إصلاحات اقتصادية تحتاج إلى قدر من الاستقرار السياسي.
لكن في المقابل، يبدو أن الحكومة لم تتخل عن فكرة استخدام القوة باعتبارها أداة مكملة للمسار السياسي، فإذا صحت التقارير بشأن الغارة، فقد تعكس تبني ما يمكن وصفه بسياسة “الردع العسكري المحدود”، أي توجيه عمليات دقيقة ومحدودة لتحقيق أهداف أمنية أو سياسية، دون الانزلاق إلى مواجهة واسعة.
وتقوم هذه الاستراتيجية على فرضية أن الحفاظ على اتفاق بريتوريا لا يعني التخلي الكامل عن الوسائل العسكرية، وإنما استخدام القوة بصورة انتقائية للحيلولة دون تغير ميزان القوى على الأرض، غير أن نجاح هذه المقاربة يظل مرهونًا بقدرة الحكومة على منع التصعيد من التحول إلى ردود متبادلة قد تقوض أسس الاتفاق نفسه.
حسابات تيجراي بين تجنب الحرب والحفاظ على الردع
إذا كانت الحكومة الإثيوبية تسعى إلى توظيف القوة العسكرية ضمن سياسة ردع محدودة، فإن قيادة تيجراي تواجه بدورها معادلة أكثر تعقيدًا، فمن جهة، تدرك النخبة السياسية والعسكرية في الإقليم أن العودة إلى الحرب ستكون مكلفة للغاية، ليس فقط بسبب الخسائر البشرية والاقتصادية التي خلفها الصراع السابق، وإنها أيضًا لأن البيئة الإقليمية والدولية لم تعد مهيأة لدعم مواجهة عسكرية طويلة الأمد،ومن جهة أخرى، لا تستطيع القيادة في ميكيلي تجاهل أي تحرك عسكري قد يُفسر على أنه محاولة لإعادة فرض معادلات القوة التي سبقت اتفاق بريتوريا.
وتشير التجربة التي أعقبت توقيع الاتفاق إلى أن قيادة تيجراي فضلت في معظم الأحيان، إبقاء خلافاتها مع الحكومة الفيدرالية داخل الإطار السياسي، مع الحفاظ في الوقت نفسه على قدر من الجاهزية العسكرية، ويعكس هذا التوجه إدراكًا بأن الاتفاق لم يحسم القضايا الجوهرية، وأن الضمانة الأساسية لعدم تهميش الإقليم لا تزال ترتبط بامتلاكه أوراق ضغط سياسية وأمنية، حتى وإن لم تُستخدم بصورة مباشرة.
ومن ثم، فإن أي تصعيد جديد، إذا تأكد، قد يدفع الطرفين إلى إعادة تقييم قواعد الاشتباك التي حكمت مرحلة ما بعد بريتوريا، وهو ما يهدد بإضعاف الثقة المتبادلة التي تعد أحد أهم مقومات استمرار الاتفاق.
البعد الإقليمي .. أزمة تتجاوز حدود إثيوبيا
لا يمكن قراءة أي تطور في شمال إثيوبيا بمعزل عن التحولات التي يشهدها القرن الأفريقي، فالمنطقة تمر بمرحلة إعادة تشكيل للتوازنات الأمنية والسياسية، في ظل استمرار الحرب في السودان، وتصاعد المنافسة على النفوذ في البحر الأحمر، وتباين مواقف الفاعلين الإقليميين تجاه عدد من الملفات الاستراتيجية.
وفي هذا السياق، فإن أي تدهور أمنى في تيجراي ستكون له انعكاسات تتجاوز الحدود الإثيوبية، فمن ناحية، قد يؤدي إلى موجات نزوح جديدة تضيف أعباءً إنسانية على دول الجوار، ومن ناحية أخرى، قد يدفع بعض القوى الإقليمية إلى إعادة تقييم سياساتها تجاه إثيوبيا، خاصة إذا اتجهت الأزمة نحو التصعيد.
كما أن أي اضطراب داخلي واسع قد يؤثر في قدرة أديس أبابا على تنفيذ مشروعاتها الاقتصادية والإقليمية، ويحد من هامش حركتها الدبلوماسية في الملفات المرتبطة بالبحر الأحمر والعلاقات مع دول الجوار.
هل نحن أمام تحول استراتيجي أم رسالة تكتيكية؟
السؤال المركزي لا يتعلق فقط بما إذا كانت الغارة قد وقعت، بل بما إذا كانت في حال تأكدها تمثل تحولاً في نهج الحكومة الفيدرالية، وحتى الآن، لا تبدو المؤشرات كافية للقول إن أديس أبابا قررت التخلي عن اتفاق بريتوريا أو العودة إلى حرب شاملة، إذ إن الكلفة السياسية والاقتصادية لمثل هذا الخيار ستكون مرتفعة على جميع الأطراف.
لكن في المقابل، تشير المعطيات إلى احتمال تبني الحكومة سياسة أكثر تشددًا في إدارة التوازنات الأمنية، تقوم على توجيه رسائل ردع محدودة كلما رأت أن ميزان القوى على الأرض يتغير بصورة لا تتوافق مع مصالحها، وتنسجم هذه المقاربة مع سلوك دول تواجه تحديات أمنية داخلية متعددة، وتسعى إلى الحفاظ على هيبة الدولة دون الانجرار إلى صراع مفتوح.
وبالتالي، فإن الحديث عن عودة الحرب قد يكون سابقًا لأوانه، بينما يبدو الحديث عن “عودة أدوات الردع العسكري” أكثر اتساقًا مع المؤشرات الحالية.
السيناريوهات المحتملة
يمكن رسم ثلاثة سيناريوهات رئيسية لمسار الأزمة خلال الأشهر المقبلة.
السيناريو الأول: الاحتواء السياسي: ويقوم على استمرار التزام الأطراف بالإطار العام لاتفاق بريتوريا، مع احتواء أي حوادث ميدانية عبر القنوات الأمنية والسياسية، ويظل هذا السيناريو الأكثر انسجامًا مع مصالح الحكومة الفيدرالية وقيادة تيجراي، نظرًا للكلفة المرتفعة لأي مواجهة جديدة.
السيناريو الثاني: التصعيد المحدود: ويتمثل في تكرار عمليات عسكرية موضعية أو ضربات دقيقة، مع تجنب الانخراط حرب واسعة، ويُعد هذا السيناريو الأكثرترجيحًا إذا استمرت حالة انعدام الثقة، دون أن تصل إلى حد انهيار الاتفاق.
السيناريو الثالث: انهبار اتفاق بريتوريا، ويحدث إذا تحولت الحوادث المحدودة إلى سلسلة من الردود العسكرية المتبادلة، أو إذا فشلت القنوات السياسية في احتواء التوتر، ورغم أن هذا السيناريو يظل الأقل احتمالاً في المدى القريب، فإنه لا يمكن استبعاده إذا استمرت الملفات العالقة دون معالجة.






