قروض المدارس تكشف تحديات التمويل غير المصرفي
فؤاد يحذر والرقابة المالية تعلن حظر التعامل عبر طرف ثالث

قال الدكتور محمد فؤاد، عضو اللجنة الاقتصادية بمجلس النواب ورئيس الهيئة البرلمانية لحزب العدل إن التوسع في مؤسسات التمويل غير المصرفية جاء في الأساس بهدف دعم الشمول المالي وإدخال المواطنين الذين لا يمتلكون حسابات مصرفية إلى المنظومة المالية الرسمية، إلا أن سرعة نمو القطاع لم تواكبها، بحسب رؤيته، ضوابط رقابية بالقدر الكافي.
وأشار في مداخلة هاتفيه له مع برنامج “حضرة المواطن” المذاع على قناة “الحدث اليوم” ويقدمه الإعلامي سيد علي، إلى ارتفاع حجم التمويل الاستهلاكي من نحو 61 مليار جنيه في عام 2024 إلى 96 مليار جنيه في عام 2025، بزيادة بلغت نحو 57% خلال عام واحد، مع تجاوز عدد المستفيدين 11 مليون مواطن، ووجود 48 رخصة قائمة لشركات التمويل.

وحول واقعة تمويل أولياء الأمور من خلال المدارس، أوضح فؤاد أن المشكلة الإجرائية تمثلت في تعامل شركة التمويل مع إدارة المدرسة باعتبارها طرفاً يتولى جمع المستندات وإنجاز إجراءات التمويل، بدلاً من إتمام التعامل بصورة مباشرة مع العميل.
وأكد أن الإجراءات التمويلية تستلزم التحقق من العميل وتوثيق التعاقد بصورة مباشرة أو من خلال وسائل إلكترونية آمنة، معتبراً أن واقعة المدارس قد تكون مؤشراً على مشكلات أوسع تستدعي إعادة مراجعة الإجراءات الرقابية المطبقة على القطاع.
الرقابة المالية: لا تعامل مع العميل عبر طرف ثالث
وفي السياق ذاته، أعلن الدكتور إسلام عزام، رئيس الهيئة العامة للرقابة المالية، حزمة من الإجراءات التنظيمية لتشديد الرقابة على سوق التمويل غير المصرفي والتمويل الاستهلاكي.
وأكد عزام، خلال تصريحات للبرنامج نفسه، عدم السماح لشركات التمويل بالاعتماد على طرف ثالث للتحقق من هوية العميل أو استكمال إجراءات التعاقد، مشدداً على ضرورة أن تتولى الشركة بنفسها إجراءات العناية الواجبة والتحقق من بيانات العملاء.
وأوضح أن الهيئة أوقفت الممارسات التي تتيح لجهات أخرى، من بينها المدارس، جمع المستندات أو تحرير العقود نيابة عن شركات التمويل، مشيراً إلى أن التعاقدات التقليدية يجب أن تتم بحضور العميل وممثلي الشركة، بينما تتطلب المعاملات الرقمية استخدام وسائل التحقق الإلكتروني، بما يشمل مطابقة الوجه والبيانات مع قواعد البيانات الرسمية ذات الصلة.

وكشف رئيس الهيئة عن وصول إجمالي التمويلات الاستهلاكية إلى نحو 92 مليار جنيه خلال عام 2025، فيما بلغت التمويلات خلال النصف الأول من عام 2026 نحو 72 مليار جنيه، مسجلة، وفق تصريحاته، نمواً تجاوز 88% مقارنة بالفترة نفسها من العام السابق.
وأشار إلى أن الاعتماد المتزايد على التمويل الاستهلاكي بات يشمل احتياجات أساسية، لا سيما في مجالي الصحة والتعليم، الأمر الذي يرفع أهمية التأكد من قدرة العملاء على السداد قبل منح التمويلات.
وفي هذا الإطار، أعلن عزام تفعيل الربط اللحظي مع الشركة المصرية للاستعلام الائتماني «I-Score»، بما يتيح ظهور بيانات العميل عند اتخاذ قرار منح التمويل، بهدف الحد من حصول الشخص نفسه على تمويلات متعددة من شركات مختلفة في الوقت ذاته، وتقليل مخاطر التعثر.
ربط إلكتروني شامل وشطب الشركات المخالفة
وأضاف رئيس الهيئة أن العمل جارٍ على إطلاق منظومة ربط إلكتروني شاملة لقطاعات التمويل غير المصرفي، تشمل التأمين والتمويل متناهي الصغر والتمويل الاستهلاكي وتمويل السيارات، بما يسمح لفرق الرقابة بمتابعة العقود والبيانات بصورة لحظية بدلاً من الاعتماد فقط على حملات التفتيش الميداني.
كما أشار إلى تنظيم نشاط شركات التحصيل من خلال سجل رسمي لدى الهيئة، موضحاً أنه جرى توفيق أوضاع خمس شركات تحصيل حتى الآن، مع التأكيد على استبعاد وشطب أي شركة يثبت ارتكابها مخالفات إجرائية أو إساءة معاملة الجمهور.
الدين الخارجي.. بين الالتزامات والفجوة التمويلية
وعلى صعيد ملف الدين الخارجي، أوضح فؤاد أن إجمالي الالتزامات المستحقة على مصر خلال الأشهر الـ12 المقبلة يبلغ نحو 62.3 مليار دولار، لكنه أشار إلى أن الجزء الأكبر من هذا الرقم يتم التعامل معه من خلال آليات إعادة الجدولة وتجديد الودائع والقروض القائمة.
وأضاف أن التحدي الأساسي الذي ينبغي التركيز عليه يتمثل في الفجوة التمويلية الجديدة، والتي قدرها بنحو 9.2 مليار دولار، باعتبارها الموارد التي يتعين توفيرها لسد الفارق بين الالتزامات والموارد المتاحة.
وحذر عضو اللجنة الاقتصادية من أن ارتفاع خدمة الدين لا يمثل تحدياً مالياً خارجياً فقط، بل ينعكس بصورة مباشرة على الموازنة العامة، من خلال تقليص المساحة المتاحة أمام الدولة للتعامل مع الصدمات الاقتصادية أو زيادة الإنفاق على قطاعات أساسية مثل الصحة والتعليم.
تمكين القطاع الخاص.. “المفتاح الذهبي” للنمو
وفيما يتعلق بمستقبل الاقتصاد المصري، قال فؤاد إن الاقتصاد في جوهره «اقتصاد سياسي»، لكنه أشار إلى أن التجارب الدولية لا تثبت وجود علاقة حتمية بين تحقيق إصلاح سياسي شامل وبين الوصول السريع إلى معدلات نمو مرتفعة.
واستشهد بالنموذجين السنغافوري والصيني، معتبراً أن التجربتين تقدمان دروساً يمكن الاستفادة منها عند صياغة السياسات الاقتصادية المصرية، خصوصاً فيما يتعلق بتوفير بيئة داعمة للاستثمار والإنتاج.
وشدد على أن تمكين القطاع الخاص وتوفير السيولة اللازمة له يمثلان، من وجهة نظره، العامل الأهم في نجاح أي نموذج تنموي، منتقداً تراجع حصة التمويل المتاح للقطاع الخاص إلى أقل من 30% من السوق، في ظل منافسة القطاع الحكومي على السيولة لتمويل المشروعات القومية.
واختتم فؤاد رؤيته بالتأكيد على أن الاقتصاد المصري لا يفتقر إلى الخطط والاستراتيجيات بقدر ما يحتاج إلى آليات أكثر دقة للمتابعة والتقييم وقياس نتائج التنفيذ.
وضرب مثالاً بما وصفه ببطء تنفيذ وثيقة سياسة ملكية الدولة، إلى جانب تأخر تحقيق مستهدفات نمو الصادرات بنسبة 25% سنوياً وصولاً إلى 145 مليار دولار، داعياً إلى الانتقال من مستوى التصريحات والاستراتيجيات إلى مؤشرات تنفيذ واضحة وأرقام قابلة للقياس.






