حواراتسياسة

محمود فؤاد: مصر تحتاج إلى توطين حقيقي لصناعة الإنسولين وليس مجرد تعبئة لمواد خام مستوردة

الحق في الدواء: أسعار الأدوية زادت 6 مرات منذ 2018

نقوم بتعبئة الإنسولين وليس تصنيعه بالكامل من الصفر.. وإجبار المريض على شراء المنتج المستورد على نفقته الخاصة يتنافى مع حقوق المريض المقررة دوليًا 

صناعة الدواء المصرية تعتمد على استيراد 90% من مدخلات الإنتاج

في ظل ما يشهده سوق الدواء المصري من أزمات متلاحقة تتعلق بنقص بعض الأصناف، وارتفاع الأسعار، وصعوبة توفير أدوية الأمراض المزمنة، طغى جدل ملف الإنسولين باعتباره أحد أكثر الملفات حساسية، لما يمثله من أهمية مباشرة لملايين المرضى عقب تصريحات وزير الصحة الدكتور خالد عبد الغفار بشأن تطور إنتاج الإنسولين محليًا، وما أثير حول قدرة مصر على تأمين احتياجات المرضى وتقليل الاعتماد على الاستيراد.. وفي حوار خاص لـ”ليبرالي” يسلط محمود فؤاد، المدير التنفيذي للمركز المصري للحق في الدواء، الضوء على جذور أزمة الإنسولين، وحدود التصنيع المحلي، وأسباب نقص الأدوية، إلى جانب تقييمه لأداء الحكومة وهيئاتها المعنية بإدارة سوق الدواء، وتأثير ارتفاع الأسعار والمديونيات على قدرة الشركات والصيدليات والمواطنين على الحصول على العلاج، وإلى نص الحوار:

كيف ترى الجدل المثار حول الإنسولين وتقييمك لتصريحات وزير الصحة؟

تشير بيانات الاتحاد الدولي للسكري إلى أن مصر تضم ما بين 13 إلى 15 مليون مريض بالسكري، غالبيتهم العظمى من النوع الأول؛ مما يعني أننا شعب مستهلك للإنسولين بشكل كبير. وتاريخياً، كنا نعتمد على الاستيراد بنسبة تقارب 80% مقابل 20% فقط للإنتاج المحلي. ورغم وجود محاولات سابقة للإنتاج المحلي عبر شركات قطاع الأعمال العام مثل شركة “النيل”، أو بعض الشركات المحلية مثل “سيديكو”، إلا أن هذه التجارب لم تحقق نجاحاً مستداماً نظراً لعقبات تتعلق بتوفير المواد الفعالة. وفي المقابل، تسيطر أربع شركات عالمية كبرى على السوق العالمي والمحلي “مثل سانوفي، وإيلي ليلي، ونوفو نورديسك”.

أما فيما يخص الإنسولين المصري، فقد شهدت الفترة الأخيرة تطوراً، ولكن يجب توضيح نقطة جوهرية؛ نحن نقوم بعملية “تعبئة” للإنسولين وليس تصنيعه بالكامل من الصفر. حيث نستورد المواد الخام الفعالة من الشركات متعددة الجنسيات التي تشترط الإشراف الكامل على عملية التعبئة والإنتاج لضمان الجودة وحماية علامتها التجارية قبل طرحه في الأسواق. وتكمن المشكلة الحقيقية هنا في براءة الاختراع والمعرفة الفنية، والقدرة على تحقيق نفس الجودة، بالإضافة إلى العائق النفسي والذهني لدى المريض الذي اعتاد على نوع معين من الإنسولين المستورد لسنوات طويلة، ويصعب إقناعه بالانتقال إلى منتج محلي بديل، لا سيما عندما يُطلب منه شراء المنتج المستورد على نفقته الخاصة إذا رغب فيه. وهذا يتنافى مع حقوق المريض المقررة دولياً في اختيار الدواء والجرعات والمواعيد المناسبة له.

كيف تقيمون أزمة نقص الدواء في السوق المصري خلال الفترة الماضية؟

يلبي التصنيع المحلي حوالي 80% من احتياجات سوق الدواء إجمالاً، لكن الأزمة تتركز بوضوح في أدوية الأمراض المزمنة مثل الإنسولين. على سبيل المثال، يتردد أن بعض أنواع الإنسولين لا تتوفر إلا في صيدليات الإسعاف التي تعمل على مدار 24 ساعة، وهذا لا يعود إلى رغبة في الاحتكار، بل لأن حجم الإنتاج المحلي محدود ولا يكفي لتوزيعه على كافة الصيدليات في الجمهورية، وذلك لضعف الاستثمارات وغياب السيولة النقدية الكافية لدى الشركات لتوفير كميات كبيرة. فعندما تنتج شركة ما كمية محدودة (نحو 100 ألف عبوة مثلاً)، فإنها تفضل توجيهها إلى الصيدليات الحكومية الكبرى لضمان بيعها وتوزيعها بشكل مباشر.

يضاف إلى ذلك تراجع ميزانية وزارة الصحة وعدم وصولها إلى النسب الدستورية المطلوبة مقارنة بالناتج المحلي الإجمالي، مما يضع أعباءً وضغوطاً هائلة على برامج العلاج على نفقة الدولة والتأمين الصحي في ظل الزيادة السكانية المستمرة (حوالي 1.6 مليون مولود جديد سنوياً). هذا الوضع يجعل توفير أدوية الأمراض المزمنة والحديثة أمراً بالغ الصعوبة، ويتوقع أن تزداد هذه الصعوبات في الفترات القادمة مع الارتفاع المستمر في أسعار الأدوية الأصلية.

يرصد البعض أن الدواء بات يمثل عبئاً مادياً كبيراً على كاهل المواطن المصري .. كيف تنظر إلى هذا الارتفاع المتكرر في أسعار الدواء وأثره على المواطنين؟

منذ عام 2018 وحتى الآن، جرى تحريك وزيادة أسعار الدواء في مصر نحو ست مرات، وهو معدل غير مسبوق تاريخياً؛ إذ لم تكن الأسعار تتحرك لأكثر من مرتين أو ثلاث طوال ستين عاماً مضت. يعود هذا بالدرجة الأولى إلى عدم الاستقرار الاقتصادي والسياسات النقدية التي تؤثر مباشرة على صناعة الدواء الوطنية التي تعتمد على استيراد نحو 90% من مدخلاتها وموادها الخام، وحتى أحبار الطباعة على العبوات، مما يضع الصناعة تحت رحمة أسعار الصرف وتذبذب العملة. وبما أن الدواء سلعة مسعرة جبرياً، فإن أي فجوة في سعر الصرف تؤدي إما إلى نقص الدواء أو لجوء الشركات لرفع الأسعار لاستمرار الإنتاج.

هذا الارتفاع المستمر أثر سلباً على حركة المبيعات بالصيدليات التي أصبحت تعاني من التضخم وضعف القوة الشرائية، حتى بات بعض المرضى يطلبون شراء “شريط واحد” أو حتى نصف شريط لعدم قدرتهم على دفع ثمن العبوة كاملة. المواطن اليوم لم يعد يحمل همّ قيمة الكشف الطبي بقدر ما يحمل همّ تكلفة الروشتة العلاجية التي قد تصل إلى مئات الجنيهات.

يمتد هذا العبء إلى المستشفيات الحكومية وعيادات التأمين الصحي التي باتت تقتصر على صرف صنف دواء واحد في بعض الأحيان، ناهيك عن طوابير الانتظار الطويلة للمواطنين التي تنتهي غالباً بنفاد الكميات المتاحة.

ومن الجدير بالذكر أن هيئة الشراء الموحد (التي تأسست عام 2019 والمناط بها توفير الأدوية للمستشفيات) تواجه مديونيات ضخمة لشركات الدواء (تُقدر بنحو 42 مليار جنيه)، وتطالب الشركات ببعض مستحقاتها لتتمكن من مواصلة استيراد المواد الخام وتلبية الاحتياجات الأساسية للمستشفيات، وهو الأمر الذي استدعى اجتماع رئيس الوزراء ورئيس الجمهورية لبحث حلول لهذه الأزمة.

هل تعاني مصر من احتكار وأباطرة الدواء؟

لا يمكن القول بوجود احتكار مطلق في سوق الدواء بمصر نظراً لوجود منافسة بين شركات متعددة تنتج بدائل ومثائل للأدوية المختلفة؛ مما يمنع السيطرة الكاملة لجهة واحدة، باستثناء بعض الأدوية الحيوية والعالمية التي لا تملك بدائل محلية. ومع ذلك، فإن الأزمة الحقيقية في مصر تكمن في غياب آلية تسعير عادلة ومبنية على أسس علمية واضحة تراعي التكلفة الحقيقية للمواد الخام والتعبئة والتصنيع، بل تخضع أحياناً لنفوذ الشركات وعلاقتها بالجهات الحكومية. نحن بحاجة ماسة أيضاً إلى صياغة سياسات دوائية وصحية طويلة الأجل ترتكز على دراسة دقيقة للخريطة المرضية، ومعدلات الاستهلاك الحقيقية، والتركيز على الطب الوقائي للحد من الأمراض.

 

 

زر الذهاب إلى الأعلى