الرئيسيةملفات

حادث الدواويس بالإسماعيلية يفتح ملف التعويضات.. هل تكفي أموال الحكومة أسر الضحايا؟

بعد وفاة 18 شخصًا بحادث الدواويس.. كيف تحدد الحكومة تعويضات الضحايا؟

لم يكن حداث طريق الدواويس بالإسماعيلية مجرد حادث سير مأساوي، بعدما أسفر عن وفاة 18 شخصا وإصابة 30 آخرين، تتراوح أعمارهم بين 9 و50 عاماً، تم نقلهم إلى المستشفيات الحكومية بمحافظة الإسماعيلية.

وجود أطفال بين الضحايا، كشف جانبًا أكثر قسوة من الحادث، وأعاد إلى الواجهة ملفات تشغيل الأطفال، والعمالة غير الرسمية، ووسائل نقل العمال، ومدى توافر الحماية الاجتماعية والمهنية، ومن هنا لم يعد السؤال الذي تفرضه الكارثة هو فقط: كم تحصل أسرة الضحية من تعويض؟، وإنما السؤال الأهم: ماذا قدمت الدولة للعامل قبل أن يصبح  ضحية، ومن كان مسؤولا عن حمايته قبل أن تبدأ إجراءات التعويض؟.

واحتدت ردود الأفعال على الحكومة بسبب صغر سن المتوفيين في الحادث، واستغلال أطفال في العمل والذين راحوا ضحية لقمة العيش بما يخالف قانون العمل المصري، ودون توفير أبسط حقوق الحماية الاجتماعية لهؤلاء الأطفال وتلك الأسر البسيطة، كما تزايدت ردود الأفعال حول قيمة التعويضات وتسعيرة الموت لدى الحكومة وكيفية تحديدها.

كيف تُحدد التعويضات؟

قبل صدور قرار وزير التضامن الاجتماعي رقم 433 لسنة 2022، كانت تعويضات ومساعدات الحكومة في حالات الحوادث الجماعية والنكبات تحسم وتحدد بناءً على قوانين الإغاثة القديمة وقرارات أقدم لإدارة الكوارث، حيث كانت المبالغ المرصودة زهيدة للغاية وتعتمد على إعانات عاجلة محدودة أو توجيهات رئاسية استثنائية لكل حادث على حدة لتغطية الفجوة التمويلية.

ويختص القرار بتنظيم المساعدات والتعويضات في حالات الحوادث الجماعية، ويحدد إذا كان المتوفى “رب الأسرة أو عائل الأسرة يحصل على 50 ألف جنيه والفرد 25 ألف جنيه،. ولكن بناءا على توجيهات رئيس الجمهورية، قررت وزيرة التضامن مضاعفة المبلغ، وللمصابين أيضَا تم مضاعفة التعويض بناءا على فترة العلاج في المستشفى.

لكن هذه المساعدت لا تمثل بالضرورة جميع الحقوق التي قد يستحقها الضحية أو أسرته، إذ يجب التمييز بين المساعدة الاجتماعية الاستثنائية وبين الحقوق التأمينية أو التعويضات التي قد تترتب على المسؤولية القانونية عن الحادث.

وهنا يطرح الملف سؤالًا ضروريا: هل تكفي قواعد وقيم مالية وضعت قبل سنوات لمواجهة الخسائر التي تتعرض لها أسرة تفقد عائلها في ظل الظروف الاقتصادية الحالية؟

أزمة أعمق من حوادث الطرق

من جانبه قال حسن بربري، القيادي العمالي، إن ما حدث للعمال والعاملات خلال الفترة الماضية، والحوادث المتكررة التي تشهدها البلاد منذ فترة، إلى جانب اتساع رقعة العمل أو السوق غير الرسمي، واتساع فئة العمالة غير الرسمية في مصر نتيجة الأوضاع الاقتصادية، يجعلنا أمام أزمة أعمق من مجرد الكوارث والحوادث التي وقعت على الطرق.

ماذا وفرت الدولة لهؤلاء العمال قبل وقوع الحادث؟

وأضاف:” نحن أمام فئة هشة تعمل في ظروف هشة، وهي خارجة عن علاقات العمل الرسمية التي تضمن لها التأمين والحماية والسلامة المهنية، وكل ما نتحدث عنه من ضرورة أن يكون هناك ظهر للعامل الذي يعمل، أو حتى الأطفال الذين يعملون” وأضاف مستنكرًا:” لذلك عندما نتحدث عن تعويض لعامل متوفى نتيجة هذه الحوادث، فإن ذلك لا ينفي السؤال: ماذا وفرت الدولة لهم أصلًا قبل الحادث؟، ماذا كان يحدث قبل وقوع الحادث؟، صحيح أن الدولة تتحرك وتصرف إعانات بعد الوفاة، لكن ذلك لا يعوض الحماية التي من المفترض أن تكون الدولة مسؤولة عنها وموجودة بها، ممثلة في وزارة العمل”.

مقارنات دولية

وأشار “بربري” إلى أن هناك دولا أخرى تعاني المشكلة نفسها، خاصة في مجالات الصناعات والزراعة، وضرب مثالًا بالهند، التي تضم بالفعل أكبر رقعة من العمالة غير الرسمية، قائلًا:” إنها وضعت قانونًا للتعويضات بهذا الشكل، أي قانونًا مستقلًا لتعويض العامل عن الوفاة أو الإصابة، فهي تتحدث عن أن التعويض يحسب وفقًا لعناصر محددة، إذ يؤخذ 40% من أجر العامل ويضرب في متوسط عمر العامل، ليخرج التعويض، وهذا التعويض يكون غير المعاش، وفي البرازيل، جرى توسيع الحماية الاجتماعية أصلًا لهذه الفئة غير المنتظمة، من خلال إنشاء صناديق حماية للعمالة غير الرسمية، وتوفير معاش للورثة”.

وأكد أن تكرار الحوادث بهذا الشكل، وردود أفعال المسؤولين المعنيين بحماية العمال على مستوى جمهورية مصر العربية، وخاصة في وزارة العمل، يتطلب تنفيذ القوانين الموجودة بالفعل، وحتى قانون العمل الجديد الذي “يتم الترويج له بشكل كبير”، مضيفًا:” نحن فعلنا وسوينا، وخرجوا إلى منظمة العمل الدولية وقالوا إن لدينا قانونًا من أفضل القوانين، لكنه على الورق وغير منفذ، وهذه هي النتيجة التي نراها، وهي الحوادث التي نشاهدها طوال الوقت، والتي يذهب ضحيتها كثيرون”.

وأشار إلى أن قانون التأمينات الاجتماعية يتضمن تعويضات، قائلًا: “صحيح، لكنه يتحدث عن الحماية أيضًا أنت تحمي قبل الوفاة، وليس بعد الوفاة، أنت تأتي بعد الكارثة وتتحدث عنها، متابعًا:” لدي الآن وزارة العمل ووزارة التضامن ووزارة النقل، والوزارات الثلاث متهمة بالإهمال، وهذه أرواح، والمشكلة كلها تتكرر، فيتكرر معنا الأمر نفسه؛ تتكرر الوفيات والحوادث، وتجد رد الفعل دائمًا واحدًا: نصرف كذا، ونصرف كذا، ونتابع من على بعد، ونستثمر، ولا نعرف ماذا؟”.

أين الحماية الاجتماعية؟

وأشار القيادي العمالي، إلى أنه إذا نظرنا إلى كل الأخبار منذ عام 2020 وحتى الآن، ستجد ردًا واحدًا: منح أو مساعدات أو أي شيء آخر، لكن قبل الحادث، ماذا كان دورك تجاه الأطفال والشباب والفتيات؟، ما دورك يا وزارة النقل معهم في هذا الموضوع؟ انظري إلى القصة كيف تسير، وما دورك؟ وما دور وزارة التضامن في مواجهة الفقر الذي يدفع أطفالًا في سن صغيرة جدًا إلى الخروج للعمل من أجل الحصول على مائة جنيه أو أكثر؟ أين دورك في الحماية من الفقر؟.

وتساءل عن دور وزارة العمل قائلًا: “أين دور وزارة العمل في أن تحقق كل البنود الموجودة في السلامة والصحة المهنية المنصوص عليها في قانون العمل، وكذلك المجلس الأعلى الاستشاري للصحة والسلامة المهنية؟.

واختتم “بربري” تصريحاته قائلًا:” لدينا أشياء كثيرة جدًا موجودة على الورق وفي السماء، لكن ليس لها أثر على أرض الواقع، وهذه هي نتيجة الفجوة بين المكتوب وبين الفعل على أرض الواقع.

محاسبة المسئولين عن تشغيل الأطفال

من جانبه، وجه محسن عليوة، القيادي العمالي، اللوم لصاحب المزرعة أو صاحب العمل الذي يسمح بتشغيل الأطفال، مشددا على ضرورة محاسبته ومساءلته قانونيا، واتخاذ كافة الإجراءات التي تمنع غيره من تشغيل الأطفال في هذا السن الغير قانوني، أو القيام بنقلهم بوسائل نقل غير مناسبة.

وأضاف أن المزارع معروفة بأنها موجودة في أماكن محددة وحيز جغرافي وعمراني معين، متسائلًا: لماذا لا يتابعها مكتب من مكاتب العمل؟ ولماذا لا يباشرون متابعة هذه العمالة، أيًا كان مسماها؟ أنا أقول إن هذه العمالة تحتاج إلى حماية.

جرم بحق مصر

وتابع أنه يجب أيضًا سؤال بعض الآباء والأمهات لماذا تشغلون الأطفال في هذا السن؟ الموضوع جرم بحق البلد، لأن الأطفال الذين يعملون يكونون في الغالب من أسر فقيرة، وإذا كانت أسرهم فقيرة، فهذا يعني أنه لا يوجد تكافل اجتماعي، ولا توجد عدالة اجتماعية.

وأكد “عليوة” أن الموضوع شائك جدًا وهناك ضرورة ضرورة لتحديد المسؤولية بشكل واضح، سواء تجاه أصحاب المزارع أو الأماكن التي يذهب إليها الأطفال للعمل، أو الأشخاص الذين يقومون بتوريد العمالة، قائلًا:” معروف من الذي يورد هذه العمالة، ويجب أن يساءل، ويقال له إن ما تفعله سيجرمم، حتى يخاف غيره من تكرار الأمر”.

وأضاف:” تأتي بعد ذلك إلى أصحاب السيارات التي تنقل الأطفال، إذا تمت محاسبة أحدهم ولو لمرة واحدة، سواء كان هناك مصاب أو متوفى أو غير ذلك، وتم التعامل معه بصورة رسمية ووضع حل رادع، فإن هذا الشخص وغيره لن يقدموا على نقل الأطفال بهذا الشكل مرة أخرى، ولن تتحول هذه السيارات إلى مصيدة للموت”.

واختتم محسن عليوة تصريحاته مشددا على ضرورة تطبيق القانون على كل من يخالف القواعد الخاصة بتشغيل الأطفال، وهنا يجب أن يتغير السؤال من: كم ستدفع الحكومة بعد موت العامل؟، إلى السؤال الأكثر أهمية: ماذا ستفعل حتى لا يموت العامل؟، فالتعويض حق للضحية وأسرته، لكن الحماية مسئولية تبدأ قبل الكارثة وليس بعدها.

 

 

زر الذهاب إلى الأعلى