مقالات

المقهى والمسرح العلاجي: متى تنتهي المساندة ويبدأ العلاج؟

محمد حسنين

المؤلف والمخرج المسرحي وممارس العلاج بالدراما..ورئيس مجلس إدارة الجمعية المصرية للعلاج بالسيكودراما

إذا كنت تجلس الآن على المقهى، فربما تلاحظ ذلك الرجل الذي يرتشف قليلًا من قهوته بينما تتعلق عيناه بالحديث في صمت. إنه يفعل أهم ما يمكن أن يقدمه إنسان لصديقه “إنه يستمع” .

ولا تتوقف عند هذا فقط؛ انتبه للرجل الآخر الذي دخل المشهد الآن ليحكي أنه مرّ بتجربة مشابهة. هذه هي المشاركة، أحد أهم أركان المسرح العلاجي. المشاركة ليست مجرد الكلام أمام الآخرين، بل أن يصبح الشخص فاعلًا في العملية: يحكي تجربته، يعبّر عن مشاعره، يجرب طرقًا جديدة للتفاعل، ويتلقى استجابات تساعده على رؤية نفسه ومشكلته من زوايا مختلفة.

ولا تنزعج من الصديق الثالث حين يضحك أو يقول شيئًا خارج الموضوع؛ فالجماعة ستعود إلى الحكاية الأولى وكأن شيئًا لم يكن.

هذا المشهد يتكرر كل يوم، في آلاف المقاهي، حول آلاف الطاولات، رجل يحكي، وآخر يستمع، وثالث ينصح، ورابع يتابع في صمت. وبينما نظن أننا نجلس فقط لنتبادل الأحاديث ونقتل الوقت، يحدث شيء آخر لا ننتبه إليه . تتحول الطاولة تدريجيًا إلى دائرة صغيرة من المساندة، دائرة بلا اسم، بلا قواعد، بلا معالج يقودها. وهنا يبدأ التشابه مع المسرح العلاجي؛ ففي المسرح، كما على المقهى، لا تبقى التجربة حبيسة صاحبها، بل تنتقل إلى مساحة يمكن للآخرين رؤيتها والتفاعل معها.

لكن المسرح العلاجي يذهب خطوة أبعد، فهو لا يكتفي بالحكاية، بل يمنحها جسدًا وصوتًا وحركة، يسمح لنا أن نرى تجربتنا من الخارج، وأن نجرب أدوارًا واستجابات جديدة، يصبح الجسد جزءًا من القصة، وتصبح الحركة والصمت والنظرة لغة أخرى للتعبير تمنحنا ما نحتاج إليه جميعًا الا وهو أن نتكلم، وأن نجد من يسمع، وأن نكتشف أن ما نمر به ليس حكرًا علينا وحدنا.

المقهى يمنحنا الجماعة بصورة عفوية، بينما يستخدم المسرح العلاجي قوة الجماعة بصورة مقصودة، المقهى يتيح لنا أن نحكي، والمسرح يمنح الحكاية شكلًا يمكن التعامل معه، المقهى يقدم المساندة لأننا وجدنا من يستمع، بينما يحوّل المسرح هذا اللقاء إلى عملية منظمة لها أهداف وحدود ومسؤولية مهنية.

وهنا تحديدًا أرغب في تحذيرك يا عزيزي.

فإذا كنت تمر بمشكلة حقيقية أو أزمة نفسية، فقد تصبح المجموعة نفسها مصدر خطر، خصوصًا إذا كان أفرادها يسخرون من مشاعرك، أو يقللون من معاناتك، أو يشجعونك على سلوك مؤذٍ، أو يقدمون نصائح قاطعة بلا فهم. أحيانًا لا تكتفي المجموعة غير المناسبة بعدم المساعدة، بل تزيد الإحساس بالذنب والعزلة، فتجعل الشخص يتردد في طلب الدعم المتخصص الذي يحتاج إليه.

لذلك من الضروري أن ننتبه إلى طبيعة الناس الذين تجلس معهم، وأن تدرك أن الصحبة قد تكون مساحة أمان، لكنها قد تكون أيضًا مساحة ضغط وأذى، وأن المشكلات الجادة تحتاج إلى مختص، لا إلى آراء عابرة مهما كانت النوايا طيبة.

وهنا يظهر السؤال الذي لا يمكن الهروب منه .

إذا كان المقهى يمنحنا الإنصات والمشاركة والمساندة، وكان المسرح العلاجي يستخدم هذه العناصر نفسها داخل إطار علاجي، فأين ينتهي دور الصديق ويبدأ دور المعالج؟.

تنتهي المساندة حين لا تعود المشكلة مجرد موقف عابر يمكن احتماله أو الحديث عنه، بل تصبح معاناة مستمرة تؤثر في النوم، أو العمل، أو الدراسة، أو العلاقات، أو القدرة على ممارسة الحياة اليومية.

وتنتهي حين تتكرر الأعراض أو تزداد حدتها، أو حين يشعر الإنسان بأنه عالق في الدائرة نفسها رغم محاولاته.

وتنتهي أيضًا عندما يظهر إيذاء النفس أو الآخرين، أو فقدان الرغبة في الحياة؛ فهنا لا يكفي الانتظار ولا نصيحة صديق، بل يجب طلب مساعدة متخصصة فورًا.

يجب أن تعرف يا عزيزي أن العلاج لا يبدأ لأن الشخص ضعيف، ولا لأن أصدقاءه فشلوا في مساعدته، بل لأن بعض الأوجاع تحتاج إلى معرفة وأدوات ومسؤولية مهنية.

المعالج لا يستبدل الصديق، ولا يلغي قيمة الصحبة، لكنه يقدم مساحة آمنة ومنظمة، يستمع فيها دون أحكام، ويساعد الشخص على فهم ما يحدث له، وتحديد ما يحتاج إليه، وتجربة طرق أكثر أمانًا وفاعلية للتعامل مع ألمه.

لذلك لا نحتاج إلى الاختيار بين المقهى والمعالج، ولا إلى التقليل من قيمة أي منهما.

قد تكون المقهي بداية مهمة ، كلمة صادقة، أو أذن تسمع، أو صديق يلاحظ أن شيئًا ما ليس على ما يرام. لكنها لا ينبغي أن تكون نهاية الطريق عندما تصبح المعاناة أكبر من قدرتنا على الاحتمال.

الصديق يستطيع أن يقول: «أنا جنبك»، أما المعالج فيساعدك على أن تفهم ما يحدث، وأن تستعيد قدرتك على الوقوف.

زر الذهاب إلى الأعلى