دوت جرين

العالم على صفيح ساخن.. كيف أعاد تغير المناخ رسم خريطة حرائق 2026؟

حرائق تتسع عبر القارات.. والمناخ والجفاف والأنشطة البشرية تعيد رسم خريطة الخطر

لم تعد حرائق الغابات في الجزائر وتونس حدثًا معزولاً عن المشهد المناخي العالمي، ففي الوقت الذي تواجه فيه مناطق واسعة من شمال أفريقيا موجات متجددة من النيران، تسجل مناطق أخرى من العالم حرائق واسعة أو مواسم شديدة النشاط، من إندونيسيا وروسيا إلى أجزاء من أوروبا والولايات المتحدة.
وتكشف خريطة الحرائق العالمية في نهاية أغسطس 2026، عن مشهد متزامن تتداخل فيه عوامل عدة، أبرزها ارتفاع درجات الحرارة، الجفاف، انخفاض رطوبة التربة والغطاء النباتي، إضافة إلى الأنشطة البشرية وإدارة الأراضي، فيما يزيد تغير المناخ من الظروف التي تساعد على انتشار الحرائق وشدتها.

شمال أفريقيا.. الجزائر وتونس في مواجهة النيران

في الجزائر، سجلت السلطات خلال موجة الحرائق الأخيرة عشرات الحرائق في عدد من الولايات، فيما أودت الحرائق بحياة أشخاص وأصابت آخرين، بالتزامن مع موجة حر شديدة ضربت شمال أفريقيا.
وفي 26 أغسطس، أعلنت الحماية المدنية الجزائرية تسجيل 154 حريقًا خلال يوم واحد، بينها 36 حريقًا في ولاية بجاية وحدها، بينما بلغت حصيلة الوفيات المعلنة آنذاك 12 شخصًا.
أما تونس، فتواجه بدورها حرائق في عدد من المناطق الشمالية، وسط ظروف مناخية شديدة الحرارة والجفاف.

ولا تعني هذه الأرقام أن تغير المناخ هو السبب المباشر لكل حريق؛ فالشرارة الأولى قد تكون بشرية أو مرتبطة بعوامل محلية، لكن ارتفاع الحرارة والجفاف يمكن أن يحولا الغطاء النباتي إلى وقود أكثر قابلية للاشتعال، ويساعدا النيران على الانتشار بسرعة أكبر.
مع تجدّد الحرائق الواسعة في الجزائر وتونس في الأيام الأخيرة من أغسطس، بعد أسابيع فقط من موجة حرائق سابقة ضربت شمال أفريقيا، تحذر منظمة غرينبيس الشرق الأوسط وشمال أفريقيا من واقع مناخي يتشكل أمام أعيننا، فعلى الرغم من أن معظم حرائق الغابات تبدأ نتيجة نشاط بشري، فإن أزمة المناخ تزيد من الظروف التي تجعل اندلاع الحرائق أكثر احتمالاً وتكرارًا، وتساعدها على الاستمرار لفترات أطول والانتشار بسرعة أكبر، كما تجعل السيطرة عليها أكثر صعوبة، فارتفاع درجات الحرارة، وتراجع الرطوبة، واشتداد الجفاف تؤدي إلى تجفيف الغطاء النباتي والتربة، ما يجعلها أكثر قابلية للاشتعال.

وعقبت كنزي عزمي، مسئولة الحملات الإقليمية في غرينبيس الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، قائلة:” قبل أسابيع كنا نتحدث عن الحرائق، واليوم، تجد مجتمعات في الجزائر وتونس نفسها مجدداً في مواجهة النيران. هذه ليست حالة طوارئ تنتهي بانتهاء يوم حار أو بإخماد آخر حريق، نحن أمام موسم خطر يضغط على الناس وفرق الحماية المدنية والمزارعين والأنظمة البيئية لفترات أطول، في منطقة شديدة التأثر بتداعيات أزمة المناخ، نقدم أحر التعازي إلى عائلات الضحايا وأحبائهم، وتتضامن مع جميع المتضررين الذين يواجهون اليوم ألم الفقد والنزوح والأضرار”.

ففي الجزائر، طالت موجة الحرائق الأخيرة عددًا كبيرًا من الولايات، وخلفت الحرائق وراءها مشاهد موجعة لعائلات فقدت أحباءها، وأخرى اضطرت إلى مغادرة منازلها تحت تهديد النيران، وتجاوز عدد الحرائق المسجلة 170 حريقًا، وتشير حصائل أولية إلى وفاة ما لا يقل عن 73 شخصًا.
وفي تونس أيضًا، تركت الحرائق آثارها على حياة الناس وأرزاقهم، بعدما طالت مناطق في جندوبة وباجة وسليانة، وألحقت أضراراً بمنازل ومنشآت زراعية وأشجار مثمرة ومحاصيل, ما يعني بالنسبة إلى كثير من العائلات خسارة دخل موسم كامل، أو سنوات من العمل والاستقرار.

إندونيسيا.. بؤرة آسيوية شديدة الخطورة

على الجانب الآخر من العالم، تواجه إندونيسيا موسم حرائق متصاعدًا، خصوصًا في جزيرتي سومطرة وبورنيو، في ظل ظروف جافة مرتبطة بظاهرة “إل نينيو” القوية.

وبحسب بيانات نقلتها رويترز، أمس الإثنين، في 31 أغسطس، تم رصد أكثر من 9 آلاف بؤرة ساخنة خلال أغسطس، مقابل 5077 بؤرة في الشهر نفسه من عام 2015. كما التهمت الحرائق قرابة 95 ألف هكتار خلال يوليو وحده، وهو أعلى مستوى شهري للخسائر في عقود.

وتتجاوز القضية في إندونيسيا البعد المناخي، حيث ترتبط بعض الحرائق بممارسات حرق الأراضي والتوسع الزراعي وإدارة مناطق الخث شديدة القابلية للاشتعال.

وتحقق السلطات الإندونيسية حاليًا مع 19 شركة مرتبطة بامتيازات اندلعت فيها حرائق غطت أكثر من 11 ألف هكتار.

روسيا.. حرائق سيبيريا والدخان العابر للحدود

وفي روسيا، تستمر حرائق واسعة في مناطق سيبيريا والقطب الشمالي الروسي، وتشير خدمة كوبرنيكوس الأوروبية لمراقبة الغلاف الجوي، إلى أن حرائق روسيا الشرقية، إلى جانب حرائق أمريكا الشمالية، أنتجت أعمدة دخان كثيفة انتقلت عبر أجزاء واسعة من نصف الكرة الشمالي، ووصلت إلى منطقة القطب الشمالي خلال أغسطس، كما سجلت انبعاثات الحرائق في المناطق الشمالية المرتفعة مستويات أعلى من المتوسط.

أوروبا.. إسبانيا وفرنسا في قلب موسم شديد

وفي أوروبا، شهد عام 2026 موسمًا شديدًا للحرائق، خصوصًا في إسبانيا وفرنسا، وبحسب بيانات المركز الأوروبي المشترك للبحوث، بلغ إجمالي المساحة المحترقة في الاتحاد الأوروبي حتى 30 أغسطس 2026 نحو 636,100 هكتار، مع تسجيل 1,861 حريقًا منذ بداية العام.

وكانت إسبانيا وفرنسا من أكثر الدول تضررًا. ووفق بيانات حتى أوائل أغسطس، احترق في إسبانيا نحو 185,948 هكتارًا، بينما بلغت المساحة المحترقة في فرنسا 99,092 هكتارًا.

وكانت موجات الحر والجفاف عاملًا أساسيًا في زيادة خطورة الظروف، فيما وثقت ناسا عبر الأقمار الصناعية حرائق واسعة في إسبانيا وفرنسا خلال الصيف.

الولايات المتحدة.. حرائق على ساحل كاليفورنيا

وفي الولايات المتحدة، لا تزال حرائق نشطة تضرب ساحل بيغ سور في كاليفورنيا، حيث أفادت وكالة أسوشيتد برس بأن حريقين، هما Plaskett Fire وTimber Fire، كانا نشطين في المنطقة، مع أوامر إخلاء وتحذيرات وإغلاق أجزاء من الطريق السريع الساحلي، وأحرق Timber Fire ما يقرب من 31 ميلًا مربعًا، بينما كان احتواء الحريق في حدود 20% وقت نشر التقرير.

وتوضح هذه الحالات أن الخطر لا يرتبط بمنطقة مناخية واحدة؛ فالمشهد يمتد من الغابات المتوسطية إلى الغابات الشمالية والمناطق الاستوائية.

 

هل العالم أمام “موسم حرائق جديد”؟

السؤال الأهم ليس فقط: أين تشتعل الحرائق؟، بل: لماذا تتزامن حرائق شديدة في مناطق مختلفة من العالم؟، فالعلماء يميزون بين سبب الاشتعال والظروف التي تسمح للحريق بالتحول إلى كارثة، فقد تكون الشرارة الأولى نتيجة نشاط بشري، لكن الحرارة الشديدة والجفاف والرياح والغطاء النباتي الجاف يمكن أن تزيد قدرة النار على الانتشار.

وفي إندونيسيا، مثلًا، يؤدي الجفاف المرتبط بظروف إل نينيو إلى زيادة قابلية الأراضي للاشتعال، بينما شهدت أوروبا خلال الصيف ظروفًا من الحرارة والجفاف ساعدت على تفاقم الحرائق.

الخريطة الجديدة للأزمة

 

من شمال أفريقيا إلى جنوب أوروبا، ومن سيبيريا إلى إندونيسيا وكاليفورنيا، تكشف حرائق صيف 2026 عن مشكلة تتجاوز مكافحة النيران بعد اندلاعها، والمطلوب أصبح يشمل الوقاية، والإنذار المبكر، وإدارة الغابات والأراضي، واستخدام الأقمار الصناعية، وتحديث خرائط المخاطر، والاستثمار في التكيف المناخي.

كما تطرح الحرائق سؤالًا اقتصاديًا وسياسيًا أكثر صعوبة، من يدفع تكلفة الكوارث المناخية؟، فالمجتمعات المحلية تتحمل خسارة المنازل والأراضي والمحاصيل ومصادر الدخل، بينما تتحمل الحكومات تكاليف الإطفاء والإجلاء وإعادة الإعمار، وفي المقابل، تظل مسؤولية الانبعاثات والتمويل المناخي محل نقاش عالمي متصاعد.

من الجزائر إلى إندونيسيا.. النار واحدة، لكن الأسباب والفاتورة مختلفة

لا يمكن اختزال كل حرائق العالم في تغير المناخ، كما لا يمكن تجاهل أثر المناخ المتغير في زيادة خطورة الظروف التي تشتعل فيها الغابات، ولهذا فإن الصورة الأهم التي تقدمها حرائق أغسطس 2026 ليست مجرد خريطة للنيران، وإنما خريطة جديدة للمخاطر المناخية؛ خريطة تتقاطع فيها الحرارة والجفاف والغطاء النباتي واستخدام الأراضي والنشاط البشري، بينما تنتقل آثار الدخان والخسائر الاقتصادية والبيئية عبر الحدود، وفي هذه الخريطة، يصبح السؤال الحقيقي: هل تستعد الدول لموسم حرائق قادم أكثر خطورة، أم أنها ما زالت تنتظر اشتعال الغابة حتى تبدأ المواجهة؟.
زر الذهاب إلى الأعلى