محليات

دراسة حقوقية تطالب بمساواة الحد الأدنى للمعاش بالأجور.. و”الميرغني: بمثابة نداء لإنقاذ أصحاب المعاشات

26 مليون مواطن تحت مظلة القضية.. والدارسة تؤكد: 1755 جنيهًا لا تكفي للحياة.. وعائد أموال التأمينات مفتاح التمويل

طالبت دراسة صادرة عن المركز المصري للحقوق الاقتصادية والاجتماعية برفع الحد الأدنى للمعاشات في مصر ليعادل الحد الأدنى للأجور، معتبرة أن الفجوة الحالية بين دخل العاملين وأصحاب المعاشات أصبحت تمثل أحد أبرز مظاهر عدم العدالة الاجتماعية، في ظل ارتفاع تكاليف المعيشة وتآكل القدرة الشرائية للمعاشات بفعل التضخم.

وأكدت الدراسة، التي أعدها الخبير الاقتصادي إلهامي الميرغني مؤخرًا تحت عنوان “الحد الأدنى الكافي للمعاش ضرورة لاستمرار الحياة”، أن القضية لا تتعلق برفع قيمة المعاشات باعتبارها منحة اجتماعية، وإنما باعتبارها حقًا أصيلًا للمؤمن عليهم الذين سددوا اشتراكات التأمين طوال سنوات عملهم، مشيرة إلى أن رفع الحد الأدنى للمعاش إلى مستوى الحد الأدنى للأجور يمثل، وفق رؤيتها، تصحيحًا لخطأ ممتد لسنوات.

وتستند الدراسة إلى بيانات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء ووزارة التضامن الاجتماعي ووزارة المالية والبنك المركزي، إلى جانب مصادر صحفية ودراسات وتقييمات لبرامج الحماية الاجتماعية.

دراسة المركز المصري للحقوق الاقتصادية
دراسة المركز المصري للحقوق الاقتصادية

 26 مليون مواطن تحت مظلة القضية

تشير الدراسة إلى أن عدد المؤمن عليهم بلغ نحو 13.7 مليون مواطن، فيما يصل عدد أصحاب المعاشات والمستفيدين إلى نحو 12.5 مليونًا، بما يجعل قضية التأمينات والمعاشات مرتبطة بدخول أكثر من 26 مليون مواطن وأسرهم.

وفي المقابل، ترصد الدراسة تراجعًا في أعداد المؤمن عليهم خارج الجهاز الحكومي، رغم زيادة أعداد المشتغلين. فوفق تحليلها للبيانات، انخفض عدد المؤمن عليهم من القطاعات المختلفة من 11.9 مليون عام 2017 إلى 9.6 مليون في 2024، بينما ارتفع عدد المشتغلين من 22.9 مليون إلى 26 مليونًا خلال الفترة نفسها.

وتلفت الدراسة إلى ضعف التغطية التأمينية بصورة خاصة في القطاع غير الرسمي، مشيرة إلى أن نحو 90% من العاملين في القطاع الخاص غير المنظم خارج المنشآت غير مؤمن عليهم، وهو ما يطرح تحديًا أمام استدامة نظام التأمينات الاجتماعية واتساع قاعدة المشتركين فيه.

فجوة واسعة بين الأجر والمعاش

وترى الدراسة أن أبرز مؤشرات الأزمة تتمثل في اتساع الفارق بين الحد الأدنى للأجور والحد الأدنى للمعاشات.

ففي عام 2014، كان الحد الأدنى للأجور 1200 جنيه، مقابل 300 جنيه للمعاش، بما يعادل 25% فقط من الحد الأدنى للأجر. وفي عام 2020 ارتفع الحد الأدنى للأجور إلى 2000 جنيه، بينما بلغ الحد الأدنى للمعاش 910 جنيهات، أي نحو 46% من الأجر.

لكن بحلول عام 2026، أصبح الحد الأدنى للأجور 8000 جنيه، مقابل 1755 جنيهًا للمعاش، بما يعادل نحو 22% فقط من الحد الأدنى للأجور، وفق الدراسة.

وتؤكد الدراسة أن صاحب المعاش والعامل يعيشان في الظروف الاقتصادية نفسها، ويشتريان السلع والخدمات ذاتها، ويدفعان تكاليف الكهرباء والمياه والغاز والمواصلات والعلاج، وبالتالي فإن استمرار الفجوة بين الحد الأدنى للأجر والمعاش يؤدي إلى تراجع مستوى معيشة المتقاعدين.

التضخم يلتهم الزيادات

وتشير الدراسة إلى أن المشكلة لا تتوقف عند قيمة المعاش الاسمية، وإنما تمتد إلى قدرته الشرائية، موضحة أن القانون رقم 148 لسنة 2019 حدد زيادة سنوية للمعاشات مرتبطة بمعدل التضخم، بحد أقصى 15%.

وبحسب تحليل الدراسة، شهدت السنوات الأخيرة موجات تضخم أدت إلى تآكل القيمة الحقيقية للمعاشات. ففي 2022 بلغ التضخم، وفق البيانات التي اعتمدت عليها الدراسة، 24.4% في ديسمبر، مقابل زيادة معاشات قدرها 13%.

وفي 2023 تجاوز التضخم 35% خلال عدد من شهور العام، ووصل إلى أكثر من 40% في بعض الشهور، بينما بلغت زيادة المعاشات 15%. وترى الدراسة أن ذلك أدى إلى انخفاض ملموس في القدرة الشرائية لأصحاب المعاشات.

كما ترصد ارتفاعات كبيرة في أسعار عدد من السلع والخدمات خلال السنوات الماضية، من بينها اللحوم والدواجن والزيت والعدس وأسطوانات البوتاجاز، فضلًا عن ارتفاع أسعار الكهرباء والغاز وتذاكر المترو، معتبرة أن هذه الزيادات جعلت المعاشات المحدودة عاجزة عن تغطية الاحتياجات الأساسية.

“تكافل وكرامة” ليس بديلًا عن المعاش

وتتناول الدراسة أيضًا تطور برنامج “تكافل وكرامة” باعتباره أحد برامج الحماية الاجتماعية لغير الخاضعين لأنظمة التأمين، مشيرة إلى ارتفاع عدد المستفيدين من البرنامجين من نحو 2.2 مليون مستفيد إلى 4.3 مليون خلال الفترة التي رصدتها.

وفي 2026، ارتفعت قيمة معاش “تكافل” إلى 900 جنيه، بينما وصلت قيمة “كرامة” إلى 707 جنيهات وقد تصل إلى 900 جنيه بحسب الحالة، وهي مبالغ ترى الدراسة أنها لا تتناسب مع مستوى الأسعار ولا تمثل سوى نسبة محدودة من الحد الأدنى للأجور.

وتستند الدراسة إلى عدد من التقييمات التي خلصت إلى أن التضخم وارتفاع الأسعار حدّا من الأثر المباشر للبرنامج في خفض الفقر وتحسين مستويات المعيشة، رغم مساهمته في دعم بعض الأسر في مجالي التعليم والصحة.

أموال التأمينات وسؤال العائد

وتضع الدراسة قضية استثمار أموال التأمينات في قلب النقاش حول مصادر تمويل زيادة المعاشات، منتقدة ما تعتبره انخفاضًا تاريخيًا في العائد الممنوح لأموال أصحاب المعاشات مقارنة بأسعار الفائدة السائدة.

وتشير إلى أن الفوائد على أموال المعاشات تراوحت في فترات سابقة حول 3% إلى 4%، بينما كانت أسعار الفائدة المصرفية وأسعار العائد على أدوات الدين الحكومي أعلى بكثير.

كما تتوقف الدراسة أمام تعديلات قانون التأمينات والمعاشات التي أقرها مجلس النواب في مايو 2026، والتي رفعت القسط السنوي الذي تسدده الخزانة العامة للهيئة القومية للتأمين الاجتماعي إلى 238.55 مليار جنيه بدلًا من نحو 227.08 مليار جنيه، مع تعديل معدل الزيادة السنوية للقسط.

وترى الدراسة أن إعادة النظر في طريقة استثمار أموال التأمينات يمكن أن تمثل موردًا مهمًا لتمويل زيادة المعاشات.

توصية بعائد 12% على أموال المعاشات

وتطرح الدراسة تصورًا رئيسيًا يتمثل في رفع سعر الفائدة على أموال المعاشات إلى 12%، معتبرة أن هذا العائد، بحسب حساباتها، يقل عن نصف مستويات الفائدة السائدة في السوق، ويمكن أن يوفر موارد إضافية لزيادة المعاشات دون تحميل الخزانة العامة أعباء إضافية.

وتطالب الدراسة أيضًا بتوسيع نطاق الحماية الاجتماعية لتشمل العمالة غير المنتظمة، وتحسين إدارة واستثمار أموال التأمينات، وتعزيز الرقابة البرلمانية والشعبية عليها، إلى جانب وضع آلية تضمن مواكبة الحد الأدنى للمعاش لأي زيادات مستقبلية في الحد الأدنى للأجور.

نداء إنقاذ 

إلهامي الميرغني
إلهامي الميرغني

من جانبه أكد الخبير الاقتصادي الهامي الميرغني لـ”ليبرالي” أن الدراسة بمثابة نداء لإنقاذ ما يمكن إنقاذه عبر مساواة الحد الأدنى للمعاش بالحد الأدنى للأجر، مشددًا على أنها ليست، من وجهة نظره، مسألة مالية فقط، وإنما قضية تتعلق بالعدالة الاجتماعية والحماية من الفقر.

وأضاف أن المعاش ينبغي أن يوفر الحد الأدنى اللازم للحياة الكريمة، لا أن يتحول إلى دخل عاجز عن مواجهة تكاليف الغذاء والسكن والعلاج والمواصلات.

وأوضح أن رفع الحد الأدنى للمعاش إلى مستوى الحد الأدنى للأجور، مع ضمان عائد عادل ومستدام لأموال التأمينات، يمثلان محورين أساسيين لأي إصلاح حقيقي لأوضاع أصحاب المعاشات في مصر.

زر الذهاب إلى الأعلى