مقالات

العلاج بالدراما.. الجسد يتكلم أولاً

محمد حسنين

المؤلف والمخرج المسرحي وممارس العلاج بالدراما..ورئيس مجلس إدارة الجمعية المصرية للعلاج بالسيكودراما

لأنَّ الحركةَ تسبقُ الفهمَ، والنبضُ يأتي قبلَ الكلام، فهناك أشياء كثيرة عشناها ولم نستطع أن نحكيها، ليس لأنها لم تحدث، وإنما لأنها حدثت في منطقة أعمق من الكلمات، فبقيت في طريقة جلوسنا، وفي المسافة التي نتركها بيننا وبين الآخرين، وفي اليد التي تتشبث بشيء دون أن تعرف لماذا، وفي الجسد الذي يتأهب دائمًا وكأن شيئًا ما على وشك الحدوث، وفي تلك اللحظة تستطيع أن ترى بوضوح أن كل ما تعتقد أنك نسيته، ما زال جسدك يتذكره.

الشفاءُ – في العلاجِ بالدراما – لا يبدأُ حينَ تفهمُ قصتَكَ، الشفاءُ يبدأُ حينَ يفهمُ جسدُكَ أنهُ آمنٌ الآنَ، حينَ تستطيعُ أنْ ترفعَ كفَّكَ دونَ خوفٍ، أنْ تفتحَ صدرَكَ دونَ أنْ تتوقعَ ضربةً، أنْ تقفَ مستقيمًا دونَ أنْ تُحاسبَ نفسَكَ، هذهِ ليستْ رفاهيةً، هذهِ إعادةُ بناءٍ منْ الداخلِ.

وأحيانًا لا يحتاج الجسد إلى أن نحكي له ما حدث، بقدر ما يحتاج إلى أن نمنحه فرصةً ليحكي هو ما حدث بطريقته، أن يتحرك دون أن نراقبه، أن يقترب حين يريد الاقتراب، وأن يتراجع حين يحتاج إلى المسافة، أن يصرخ في مساحة آمنة، أو يصمت، أو يسقط، أو يمد يده نحو شيء ظل بعيدًا عنه طويلًا.

وهنا يصبح الدور الدرامي أكثر من مجرد تمثيل؛ يصبح مساحةً تجريبيةً يستطيع فيها الجسد أن يعيش احتمالًا جديدًا، أن يختبر الخوف دون أن يكون في خطر، وأن يواجه ما كان يهرب منه دون أن يُجبر على العودة إلى الجرح نفسه، ففي المسرح لا نعيد الماضي كما حدث، وإنما نعيد تشكيل علاقتنا به، نمنح الجسد نهايةً أخرى، وحركةً أخرى، ومسافةً أخرى، وربما للمرة الأولى نسمح له أن يكتشف أن ما كان يحميه بالأمس، لم يعد يحتاج إلى أن يفعله اليوم.

فقد تمثل دور شخص خائف، فتكتشف أنك لم تكن تخاف من الموقف بقدر ما كنت تخاف من الاعتراف بخوفك، وقد تلعب دور الشخص القوي، فتكتشف أن القوة التي كنت تبحث عنها في الآخرين كانت موجودة في جسدك طوال الوقت، لكنها كانت تنتظر منك أن تسمح لها بالظهور، وهنا لا يصبح التمثيل هروبًا من الذات، بل يصبح طريقًا للعودة إليها.

وفي زمن أصبح فيه العالم شاشةً كبيرةً إلى الحد الذي جعلها تبتلعنا بداخلها وتعيد تشكيل هويتنا، يأتي دور الفن بشكل عام، والمسرح بشكل خاص، فأعيدوا إلينا مسرح المدرسة، ومسرح الشركات، ومسرح الشارع، ومسرح التجوال، ومسرح المنتدى. لعلنا نجد أنفسنا، ونعيد اكتشافها.

زر الذهاب إلى الأعلى