اقتصاد

“الرخصة الفضية”.. مقترح جديد لتسهيل تأسيس وتشغيل المشروعات الصغيرة والمتوسطة في مصر

توجه القيادة السياسية الحكومة بشكل متسارع نحو إتاحة المزيد من الوسائل والآليات الداعمة لجذب الاستثمارات المحلية والأجنبية، في ظل استمرار التوترات والصراعات الجيوسياسية عالميًا، بما يعزز قدرة الاقتصاد المصري على استقطاب رؤوس الأموال.

وتستهدف هذه التوجيهات تعزيز ثقة المستثمرين في السوق المصرية، إلى جانب توفير المزيد من الحوافز والتيسيرات والضمانات التي تدعم قراراتهم الاستثمارية، وتشجع على ضخ استثمارات جديدة والتوسع في الأنشطة والأعمال داخل الاقتصاد المصري.

وطرح حسام عيد ، الخبير الاقتصادي، و أمين الاستثمار المركزي بحزب العدل، مقترحًا لإطلاق مبادرة جديدة تحت اسم “الرخصة الفضية”، تستهدف دعم المشروعات الصغيرة والمتوسطة في مصر من خلال إنشاء آلية مبسطة وموازية لـ”الرخصة الذهبية”، تتيح للشركات المستهدفة الحصول على مجموعة من الموافقات والتراخيص الأساسية عبر مسار أكثر سرعة ومرونة.

ويستهدف المقترح معالجة واحدة من أبرز التحديات التي تواجه المشروعات الصغيرة والمتوسطة، والمتمثلة في تعدد الإجراءات والتراخيص وارتفاع تكلفة وزمن تأسيس وتشغيل الشركات، بما قد يمثل عائقًا أمام توسع القطاع الخاص وزيادة مساهمته في الإنتاج المحلي والتوظيف والصادرات.

وأوضح حسام عيد، أن فكرة “الرخصة الفضية” تستند إلى الاستفادة من تجربة “الرخصة الذهبية”، ولكن مع تكييف آلياتها لتناسب طبيعة وحجم المشروعات الصغيرة والمتوسطة والناشئة، بحيث تصبح الموافقات والإجراءات أكثر بساطة، دون الإخلال بالضوابط الرقابية والتنظيمية.

الرخصة الفضية.. مسار مبسط للمشروعات الصغيرة والمتوسطة

وبحسب المقترح، تصدر “الرخصة الفضية” من جهة مختصة واحدة، مع التنسيق مع الهيئة العامة للاستثمار وجهاز تنمية المشروعات المتوسطة والصغيرة ومتناهية الصغر، على أن تمثل الموافقة الشاملة مسارًا موحدًا يغطي إجراءات تأسيس الشركة والتراخيص الأساسية، إلى جانب تخصيص الأراضي أو المرافق، وإجراءات البناء والتشغيل والموافقات البيئية والصحية، وفقًا لطبيعة النشاط.

وتستهدف المبادرة المشروعات الصغيرة التي يتراوح حجم أعمالها السنوي بين مليون وأقل من 50 مليون جنيه، والمشروعات المتوسطة التي يتراوح حجم أعمالها بين 50 و200 مليون جنيه، وفقًا للتعريفات الواردة في قانون تنمية المشروعات رقم 152 لسنة 2020 وتعديلاته.

كما يمكن أن تشمل المبادرة شريحة من الشركات الناشئة الواعدة ذات إمكانات النمو المرتفعة، باعتبارها فئة تحتاج إلى سرعة أكبر في الإجراءات حتى تتمكن من الانتقال من مرحلة التأسيس إلى التشغيل والتوسع.

شروط الحصول على “الرخصة الفضية”

يطرح المقترح أن تكون الشركات المصرية، سواء كانت شركات مساهمة أو ذات مسؤولية محدودة أو من نوع شخص واحد، مؤهلة للحصول على الرخصة، مع تقديم دراسة جدوى مبسطة وخطة عمل لمدة 3 سنوات.

كما تتضمن الشروط المقترحة إثبات الملاءة المالية أو توفير تمويل معتمد، إلى جانب الالتزام بأحد مجموعة من المعايير المرتبطة بالتوظيف أو التصدير أو نسبة المكون المحلي، بنسبة مرنة تتراوح بين 20% و30% كحد أدنى بحسب القطاع.

وتمنح المبادرة أولوية للقطاعات ذات القيمة المضافة والقدرة على خلق فرص العمل وزيادة الإنتاج، ومن بينها الصناعات الغذائية، والتصنيع، والطاقة المتجددة، وتكنولوجيا المعلومات، واللوجستيات، والسياحة، والصناعات الحرفية ذات القيمة المضافة.

إصدار الرخصة خلال 10 إلى 15 يومًا

ويستهدف المقترح تقليص الفترة الزمنية اللازمة للحصول على الموافقات، بحيث يتم إصدار “الرخصة الفضية” خلال 10 إلى 15 يوم عمل كحد أقصى بعد استكمال المستندات، مقارنة بنحو 20 يومًا للرخصة الذهبية وفقًا للمقترح.

وتتضمن الحوافز المقترحة إعفاءات من بعض رسوم التأسيس والتسجيل والطوابع لفترة محددة، بالتنسيق مع قانون حوافز المشروعات الصغيرة والمتوسطة، فضلًا عن إمكانية تطبيق ضريبة مبسطة على حجم الأعمال أو خصم ضريبي وفقًا للتشريعات المنظمة.

كما تشمل الحوافز المقترحة دعمًا جزئيًا لتكاليف توصيل المرافق أو التدريب الفني، ومنح أولوية في تخصيص الأراضي الصناعية بنسبة محددة، تصل وفق المقترح إلى 30% وفقًا للتشريعات الحالية، مع إمكانية تقسيط تكلفة الأراضي.

“الرخصة الفضية” والتمويل.. ربط تلقائي ببرامج الدعم

ويقترح حسام عيد، ربط الشركات الحاصلة على «الرخصة الفضية» بصورة مباشرة ببرامج التمويل الميسر التي توفرها البنوك وجهاز تنمية المشروعات والصناديق التمويلية.

ويستهدف هذا الربط تجاوز واحدة من أبرز العقبات التي تواجه المشروعات الصغيرة والمتوسطة، وهي صعوبة الوصول إلى التمويل، من خلال تحويل الحصول على الرخصة إلى نقطة انطلاق للوصول إلى حزمة متكاملة من الخدمات التمويلية والفنية.

كما يتضمن المقترح تعزيز فرص التسويق من خلال إدراج الشركات المستفيدة على المنصات الحكومية وربطها بالشركات الكبرى كموردين محليين، إلى جانب دعم قدرتها على التصدير والوصول إلى الأسواق الخارجية.

منصة إلكترونية موحدة لتقديم الطلبات

ويعتمد تنفيذ المبادرة على إنشاء منصة إلكترونية موحدة، سواء ضمن بوابة الهيئة العامة للاستثمار أو من خلال جهاز تنمية المشروعات، تتيح للمستثمر تسجيل الطلب ورفع المستندات المطلوبة إلكترونيًا.

وتشمل المستندات الأساسية المقترحة السجل التجاري، والبطاقة الضريبية، ودراسة الجدوى المبسطة، وخطة العمل الزمنية، على أن تمر الطلبات بعملية مراجعة سريعة تنتهي بإصدار الرخصة المؤقتة ثم النهائية.

كما تتضمن المنظومة متابعة دورية لأداء الشركات، خاصة فيما يتعلق بالإنتاج والتوظيف والصادرات، بما يسمح بقياس الأثر الاقتصادي الفعلي للمبادرة.

لجنة مشتركة للمتابعة والحوكمة

ويقترح المقترح تشكيل لجنة مشتركة تضم جهاز تنمية المشروعات والهيئة العامة للاستثمار والوزارات والجهات المعنية، للإشراف على تطبيق المبادرة ومراجعة شروطها وحوافزها.

كما يشدد المقترح على ضرورة وضع معايير واضحة وشفافة لمنع إساءة استخدام الرخصة، مع إصدار تقارير دورية وسنوية تتضمن أعداد الرخص الصادرة وحجم الاستثمارات والوظائف التي تم توفيرها والأثر الاقتصادي الناتج عنها.

وفي المقابل، تتضمن المنظومة إمكانية سحب الرخصة حال عدم الالتزام بالشروط والضوابط المحددة.

3 مراحل للتنفيذ

ويقترح حسام عيد، تنفيذ المبادرة على ثلاث مراحل رئيسية تبدأ بمرحلة تحضيرية تستغرق 3 إلى 6 أشهر، يتم خلالها إعداد الإطار القانوني والمنصة الإلكترونية وتدريب الموظفين وإطلاق حملات التوعية.

وتأتي بعدها مرحلة الإطلاق التجريبي لمدة 6 أشهر في 3 إلى 5 محافظات أو مناطق صناعية رائدة، قبل الانتقال إلى مرحلة التعميم على مستوى الجمهورية خلال نحو 12 شهرًا.

أما مرحلة التقييم والتطوير فتستمر بصورة دورية بهدف قياس الأثر وتعديل شروط الاستفادة والحوافز وفقًا للنتائج الفعلية.

الجهات المعنية والشراكات المطلوبة

ويعتمد نجاح المبادرة على تعاون عدد من الجهات، في مقدمتها جهاز تنمية المشروعات المتوسطة والصغيرة ومتناهية الصغر والهيئة العامة للاستثمار، إلى جانب وزارات الاستثمار والتجارة والصناعة والمالية والخارجية، واتحاد الصناعات والبنوك والغرف التجارية.

كما يمكن ربط المبادرة ببرامج قائمة مثل “مشروعك”، إلى جانب صناديق رأس المال المخاطر والمبادرات الدولية الداعمة للمشروعات الصغيرة والمتوسطة.

خفض البيروقراطية وزيادة مساهمة القطاع الخاص

ويرى حسام عيد، أن تطبيق “الرخصة الفضية” يمكن أن يمثل خطوة عملية نحو تخفيف الأعباء الإدارية أمام المشروعات الصغيرة والمتوسطة، خاصة أن هذا القطاع يمثل قاعدة واسعة للنشاط الاقتصادي وفرص العمل والإنتاج المحلي.

ويستهدف المقترح تحقيق خفض في زمن تأسيس وتشغيل المشروعات الصغيرة والمتوسطة يتراوح بين 50% و70%، مع زيادة عدد المشروعات التي تنتقل من الاقتصاد غير الرسمي إلى الاقتصاد الرسمي، وتعزيز مساهمتها في الناتج المحلي والصادرات والتوظيف.

كما يستهدف قياس نجاح المبادرة من خلال مؤشرات واضحة، من بينها عدد الرخص الصادرة سنويًا، وحجم الاستثمارات والوظائف الجديدة، ومتوسط زمن إصدار الرخصة، ونسبة التحول من الاقتصاد غير الرسمي إلى الرسمي، ونمو صادرات المشروعات الصغيرة والمتوسطة ونسبة المكون المحلي، إلى جانب مستوى رضا المستفيدين.

فصل واضح بين”الفضية” و”الذهبية”

ويؤكد المقترح ضرورة وضع حدود واضحة بين “الرخصة الفضية” و”الرخصة الذهبية”، بحيث تستهدف الأولى المشروعات الصغيرة والمتوسطة وفق حجم أعمالها وطبيعة نشاطها، بينما تظل «الرخصة الذهبية» مخصصة للمشروعات الاستثمارية والاستراتيجية الكبرى.

ويهدف هذا الفصل إلى منع حدوث تداخل بين النظامين، مع الحفاظ على فلسفة «الرخصة الذهبية» كأداة لجذب الاستثمارات الكبرى، وفي الوقت نفسه توفير مسار أسرع وأقل تكلفة للشركات الصغيرة والمتوسطة.

“الرخصة الفضية”.. من فكرة إلى سياسة اقتصادية

ويطرح المقترح إمكانية تطوير المبادرة مستقبلًا إلى مسودة رسمية أو ورقة سياسات يمكن مناقشتها مع الجهات الحكومية المعنية، خاصة أن عددًا من عناصرها يستند إلى التجربة المصرية في تطبيق الرخصة الذهبية والحوافز الموجهة للمشروعات الصغيرة والمتوسطة.

وتكمن أهمية المقترح، وفقًا لرؤية حسام عيد، في أنه لا يستهدف مجرد إصدار ترخيص جديد، وإنما إعادة تصميم رحلة تأسيس وتشغيل المشروع الصغير والمتوسط بالكامل، من خلال الجمع بين الموافقة الموحدة، والرقمنة، وتسريع الإجراءات، والحوافز، والتمويل، وربط الشركات بالأسواق وسلاسل التوريد.

وبذلك يمكن أن تتحول “الرخصة الفضية” من مجرد آلية إدارية إلى أداة لدعم نمو القطاع الخاص المحلي، وتشجيع الاستثمار، وخلق فرص العمل، وزيادة الإنتاج والصادرات، وتسريع دمج الاقتصاد غير الرسمي داخل الاقتصاد الرسمي، بما يتماشى مع مستهدفات التنمية المستدامة ورؤية مصر 2030.

 

زر الذهاب إلى الأعلى