طباعة النقود في مصر تقفز 122% خلال 5 سنوات.. هل تهدد التضخم وتضغط على القوة الشرائية؟
بشكل مستمر تصدر الحكومة برئاسة الدكتور مصطفي مدبولي؛ إلى الرأي العام توجهات تقليص معدلات إصدار النقود وطباعتها داخل السوق المصرية والإعتماد على التحويلات المالية الإلكترونية بإعتبارها الأكثر تأمينا وأقل تكلفة على الاقتصاد المصري.
بحسب بيانات رسمية كشف البنك المركزي المصري عن ارتفاع معدلات طباعة النقود في مصر بنسبة 6.1% خلال الفترة من يونيو 2025 حتى فبراير الماضي، لتصل إلى 1.602 تريليون جنيه بما يمثل 8.03% من الناتج المحلي الإجمالي للبلاد.

تأثيرات طباعة النقود
بحسب تقارير وتصريحات خبراء اقتصاديون، ممن أكدوا تأثيرات توسع السلطات النقدية في مصر من عمليات الطباعة غير المنضبطة للنقود والتي من شأنها رفع معدلات التضخم في البلاد بالتوازي مع ارتفاع وتيرة الصراع الإيراني الأمريكي اقتصاديًا.
مع تأكيد مصادر مصرفية بأحد البنوك الحكومة لـ ليبرالي والتي تضمنت أن عمليات طباعة النقود تسير في معدلاتها الطبيعية وتستهدف إعطاء مرونة في الأسواق.
إلا أن معدلات إصدار أوراق النقد زادت من يونيو 2021 لتسجل 721.714 مليار جنيه لتصل في الوقت الحالي إلي 1.692 تريليون جنيه أي بزيادة بلغت 121.971% خلال 5 سنوات.
فئات من العملات المطبوعة
ارتفعت معدلات طباعة العملات الورقية من فئة الـ200 جنيه من 985.4 مليار جنيه في يونيو قبل الماضي ليصل إلي 1.041 تريليون جنيه في فبراير الماضي بزيادة تبلغ 54 مليار جنيه هي معدلات طباعة لتلك الفئة من النقد خلال 8 شهور.
بينما زادت تكلفة طباعة عملة الـ100 جنيه؛ لتصل إلي 477.74 مليار جنيه في فبراير الماضي بزيادة 39.74 مليار جنيه خلال 8 شهور.
وارتفعت عمليات طباعة عملة الـ10 جنيهات بفئتيها القديمة والبلاستيكية من 12.91 مليار جنيه في يونيو 2025 لتصل 13.1 مليار جنيه في فبراير الماضي بزيادة تبلغ 190 مليون جنيه.
و فئة عملة الـ20 جنيها فقد بلغت تلكفة طباعتها من 13.1 مليار جنيه في يونيو 2025 لتصل لـ12.9 مليار جنيه بتخفيض مقداره 140 مليون جنيه.

مخاوف من طباعة النقود
حذر حازم الشريف، الخبير الاقتصادي، من أن التوسع المفرط في إصدار النقود دون أن يقابله نمو حقيقي في الإنتاج والسلع والخدمات قد يتحول من أداة لدعم النشاط الاقتصادي إلى أحد مصادر الضغوط التضخمية.
أكد أن زيادة السيولة داخل الاقتصاد لا تمثل مشكلة في حد ذاتها، وإنما تكمن الخطورة عندما تتجاوز معدلات نمو المعروض النقدي قدرة الاقتصاد على استيعابها.
وأوضح الشريف لـ ليبرالي ،أن الاقتصاد يعمل وفق معادلة دقيقة بين السيولة والطلب والإنتاج، مشيرًا إلى أن ضخ كميات أكبر من النقود في الأسواق بينما تظل الطاقة الإنتاجية محدودة يعني أن أموالًا أكثر ستطارد كمية متقاربة من السلع والخدمات، وهو ما يرفع احتمالات زيادة الأسعار.
وقال إن التعامل مع مفهوم “طباعة النقود” باعتباره السبب الوحيد والمباشر للتضخم يمثل تبسيطًا للعلاقة الاقتصادية، موضحًا أن التضخم يتأثر بمجموعة واسعة من العوامل، من بينها أسعار الطاقة والسلع الأساسية، وسعر الصرف، وتكاليف الإنتاج، واضطرابات سلاسل الإمداد، إلى جانب السياسة المالية والنقدية.
وأضاف أن زيادة المعروض النقدي قد تكون ضرورية في بعض المراحل الاقتصادية، خصوصًا عندما يعاني الاقتصاد من الركود وانخفاض الطلب، إذ يمكن للسيولة الإضافية أن تساعد على تحريك الاستهلاك والاستثمار والإنتاج.
لكن المشكلة، بحسب الشريف، تبدأ عندما يستمر ضخ السيولة بوتيرة مرتفعة بعد وصول الاقتصاد إلى حدود قدرته الإنتاجية، إذ تصبح الزيادة في النقود أكبر من الزيادة في الناتج الحقيقي، فتنتقل آثارها تدريجيًا إلى الأسعار.
وأشار الشريف إلى أن التأثير الأكثر وضوحًا للتضخم الناتج عن التوسع النقدي يظهر في تراجع القوة الشرائية للعملة، حيث يحتاج المواطن إلى إنفاق مبالغ أكبر لشراء السلع والخدمات نفسها.
وأوضح أن ارتفاع الأسعار لا يمثل مجرد مشكلة رقمية في مؤشرات التضخم، وإنما ينعكس بصورة مباشرة على مستوى معيشة الأسر، خصوصًا أصحاب الدخول الثابتة، لأن ارتفاع الأجور عادة لا يتحرك بالسرعة نفسها التي تتحرك بها الأسعار.
وأضاف أن استمرار التضخم لفترات طويلة يمكن أن يؤدي إلى تغير سلوك المستهلكين والشركات، إذ يبدأ الأفراد في البحث عن وسائل للحفاظ على قيمة مدخراتهم، بينما تعيد الشركات تسعير منتجاتها بصورة متكررة تحسبًا لارتفاع تكاليف الإنتاج مستقبلًا.
ويرى الشريف أن المخاطر تصبح أكثر وضوحًا عندما يرتبط التوسع النقدي بتمويل عجز الموازنة العامة، خصوصًا إذا لم تكن هناك زيادة مقابلة في الإنتاج والاستثمار.
وأوضح أن الحكومة عندما تنفق أموالًا إضافية داخل الاقتصاد فإنها ترفع الطلب، وهو أمر قد يكون إيجابيًا في حالة وجود طاقات إنتاجية غير مستغلة.
أشار إلي أنه إذا كان المعروض من السلع والخدمات غير قادر على مواكبة هذا الطلب، فإن جزءًا من الإنفاق الإضافي قد يتحول إلى ارتفاع في الأسعار بدلًا من زيادة الإنتاج.
وأضاف أن استمرار هذه السياسة لفترات طويلة يمكن أن يخلق حلقة متكررة تبدأ بزيادة السيولة، ثم ارتفاع الطلب والأسعار، ثم زيادة الاحتياجات التمويلية، بما قد يفرض ضغوطًا جديدة على السياسة النقدية وسعر الصرف.
وأشار الخبير الاقتصادي إلى أن الاقتصادات التي تعتمد بدرجة كبيرة على الواردات تكون أكثر حساسية لتداعيات التوسع النقدي، لأن زيادة السيولة قد ترفع الطلب على السلع المستوردة والعملات الأجنبية.
وأوضح أن أي ضغوط على سعر الصرف يمكن أن تنتقل سريعًا إلى تكلفة الواردات، بما في ذلك المواد الخام ومستلزمات الإنتاج والسلع الوسيطة، وهو ما يرفع تكلفة الإنتاج المحلية ويدفع الشركات إلى تمرير جزء من هذه الزيادة إلى المستهلك.
أشار إلي أن تأثير التوسع النقديلا يقتصر على العلاقة المباشرة بين النقود والأسعار، وإنما يمكن أن يمر أيضًا عبر الطلب وسعر الصرف وتكاليف الإنتاج والتوقعات التضخمية.
وأكد الشريف أن استمرار معدلات التضخم المرتفعة لفترة طويلة لا يؤثر فقط على المستهلك، وإنما يمتد إلى قرارات الاستثمار والادخار.

وأوضح أن ارتفاع التضخم وعدم وضوح اتجاه الأسعار يجعل الشركات تواجه صعوبة أكبر في تحديد تكاليف المشروعات والعوائد المستقبلية، بينما يبحث الأفراد عن أدوات تحافظ على قيمة مدخراتهم بدلًا من الاحتفاظ بالسيولة النقدية لفترات طويلة.
وأضاف أن ارتفاع التضخم يمكن أن يؤدي أيضًا إلى زيادة تكلفة التمويل، مع اتجاه السياسة النقدية إلى رفع أسعار الفائدة لكبح الطلب والسيولة، وهو ما قد يبطئ الاستثمار والاستهلاك في محاولة لإعادة التوازن بين الطلب والعرض.
وشدد الشريف على أن معالجة التضخم لا يجب أن تقتصر على سحب السيولة أو رفع أسعار الفائدة، لأن التضخم قد يكون ناتجًا في بعض الحالات عن صدمات في جانب العرض وليس زيادة الطلب فقط.
وأوضح أن المواجهة المستدامة تتطلب زيادة الإنتاج المحلي، وتحسين كفاءة سلاسل الإمداد، وتطوير البنية التحتية، وخفض تكلفة الإنتاج، إلى جانب الحفاظ على استقرار السياسة النقدية والمالية.
وأشار إلى أن الاقتصاد الذي يستطيع زيادة إنتاجه بالتوازي مع نمو الطلب يكون أكثر قدرة على استيعاب السيولة الجديدة دون خلق موجات تضخمية حادة.

وقال إن السيولة التي تتجه إلى الاستثمار والإنتاج ورفع الطاقة الإنتاجية يمكن أن تدعم النمو الاقتصادي، بينما السيولة التي تتجه بصورة أكبر إلى الاستهلاك أو المضاربة في ظل محدودية المعروض قد تزيد الضغوط على الأسعار.
وأكد أن الحفاظ على استقرار الأسعار يتطلب تحقيق توازن بين نمو المعروض النقدي ونمو الناتج الحقيقي، إلى جانب إدارة العجز المالي وسعر الصرف والتوقعات التضخمية بصورة متناسقة.
اوضح أن طباعة النقد لا يتحول إلى أزمة اقتصادية لمجرد زيادة حجمها، وإنما عندما تنفصل الزيادة في السيولة عن قدرة الاقتصاد على إنتاج السلع والخدمات؛ فعند هذه النقطة تبدأ العملة في فقدان جزء من قوتها الشرائية، ويتحول الدعم النقدي للنشاط الاقتصادي إلى ضغط على الأسعار والاستقرار الاقتصادي.



