بعد 9.3 مليار دولار.. هل نجحت وصفة صندوق النقد في علاج الاقتصاد المصري؟

تختتم مصر خلال نهاية العام الجاري برنامج التسهيل الممدد بالتعاون مع صندوق النقد الدولي بقيمة 9.3 مليار دولار على مدار 3 سنوات لدعم عجز الموازنة العامة للدولة والاقتصاد المصري.
بالرغم من حالات اللغط التي سببها تعاون الحكومة المصرية مع مجلس إدارة صندوق النقد الدولي؛ باعتباره أحد وسائل التمويل المتسارع للخزانة العامة بالنقد الأجنبي؛ إلا أن الأوساط الاقتصادية ربطت إتاحة الأموال لحكومة الدكتور مصطفى مدبولي هو مشروط بسلسلة من الإجراءات الاقتصادية الأكثر صعوبة والتي يتحملها المواطن البسيط، كان من بينها رفع الدعم تدريجيًا على السلع التموينية والمحروقات وزيادة أسعار الكهرباء والطاقة وغيرها من الخدمات العامة.

موعد انتهاء البرنامج
من خلال برنامج المراجعة التي تتعهد الحكومة أمام صندوق النقد الدولي؛ والذي يتم إجراؤها كل ربع عام ميلادي «3 شهور»؛ لصرف شريحة جديدة عن مبلغ التمويل البالغ قيمته 8 مليارات دولار من الصندوق، بخلاف 1.3 مليار دولار أخرى مقدمة من صندوق الاستدامة التابع للصندوق.
في مقابلة صحفية، أكد الدكتور محمد معيط، وزير المالية السابق ومدير صندوق النقد الدولي عن المجموعة العربية؛ والذي كشف عن اعتزام الحكومة المصرية إجراء ترتيبات لزيارة وفد بعثة الصندوق خلال نوفمبر المقبل بهدف إجراء المراجعة الثامنة والأخيرة من برنامج التمويل الممدد.
أوضح «معيط»، أنه بحلول الفترة من ديسمبر إلى يناير المقبل؛ سيتم إجراء اجتماعًا لمجلس الإدارة التنفيذي للإعلان عن انتهاء ذلك البرنامج.

تأثيرات قرض صندوق النقد على الاقتصاد
بحسب تقارير حكومية، والتي رصدت ارتفاع معدلات التضخم السنوي في مصر بالتوازي مع بدء إعلان حصول مصر على قرض صندوق النقد الدولي في مارس 2023، ليتراجع من 39.51% بنهاية مارس 2023 ليصل إلى 14.7% في يوليو 2026؛ لكن معدلات ارتفاع أسعار السلع والخدمات ارتفعت من 11.302% بنهاية مارس الماضي لتصل إلى 11.4% في يوليو الماضي.
وارتفعت أسعار التضخم لبند الخضر والفاكهة من 34.5% في مارس الماضي لتصعد إلى 31.5% في يوليو السابق.
وارتفعت أسعار الطاقة والمحروقات على مدار 3 سنوات منذ بدء التعاون مع صندوق النقد الدولي في مارس الماضي بمقدار كسر حاجز الـ150% زيادة في المتوسط.
حيث زاد سعر بنزين 80 من 8.75 جنيهًا في مارس 2023 ليصل إلى 20.75 جنيهًا في يوليو 2026 بمقدار 12 جنيهًا زيادة، بما يمثل 137.1%، وبنزين فئة 92 من 10.25 جنيهًا في مارس 2023 ليصل إلى 22.25 جنيهًا بزيادة 12 جنيهًا، بما يمثل 117% زيادة.
وزاد بنزين 95 من 11.5 جنيهًا في مارس 2023 مقابل 24 جنيهًا في يوليو الماضي، مسجلًا 24 جنيهًا بزيادة تبلغ 12.5 جنيهًا، بزيادة تبلغ 108.7%، والسولار من 7.25 جنيهًا ليصل إلى 20.5 جنيهًا بزيادة تبلغ 13.25 جنيهًا بنمو 182.8%.
بينما ارتفعت معدلات زيادة شرائح الكهرباء خلال الـ3 سنوات الأخيرة بمتوسط 42% على مستوى 6 شرائح للطاقة دون استحداث للشريحة السابعة.

برنامج ولكن
وعلى سياق متصل، أكد سمير رؤوف، المحلل والخبير الاقتصادي؛ أن برنامج مصر مع صندوق النقد الدولي كان خطوة مهمة في استعادة قدر من الاستقرار الاقتصادي، خاصة فيما يتعلق بملفات التضخم وسعر الصرف والدين العام وعجز الموازنة والاحتياطي النقدي، لكنه شدد على أن الاقتصاد المصري يواجه تحديات أعمق تتجاوز هذه الملفات.
وقال رؤوف في تصريحات لـ«ليبرالي»، إن التعامل مع برنامج صندوق النقد يجب ألا يقتصر على اجتياز المراجعات الدورية والحصول على شرائح التمويل، وإنما ينبغي استغلال هذه المرحلة في بناء برنامج اقتصادي مصري متكامل يعالج المشكلات الهيكلية للاقتصاد من جذورها.
وأضاف أن الاقتصاد المصري يحتاج إلى زيادة قدرته على الإنتاج والتصدير وجذب الاستثمارات الحقيقية وتوفير موارد مستدامة من العملة الأجنبية، بدلًا من الاعتماد بصورة مستمرة على الاقتراض أو التدفقات قصيرة الأجل والأموال الساخنة لتوفير الدولار.
وأوضح أن أي برنامج وطني للإصلاح الاقتصادي يجب أن يضع دعم الصناعة والزراعة والتصدير في مقدمة أولوياته، إلى جانب تحسين بيئة الاستثمار، وتشجيع القطاع الخاص، وخفض تكلفة الإنتاج، بما يعزز قدرة الشركات المصرية على المنافسة محليًا وخارجيًا.
وأشار رؤوف إلى أن إدارة الدين العام تمثل أيضًا محورًا أساسيًا في أي برنامج اقتصادي مصري، مؤكدًا أن الهدف لا يجب أن يكون فقط السيطرة على أرقام الدين، وإنما تحسين هيكل الدين وتكلفة خدمته، بما يتيح توجيه موارد أكبر إلى الاستثمار والإنتاج والتنمية.
وأكد أن نجاح أي برنامج اقتصادي لا ينبغي أن يقاس فقط بتحسن المؤشرات المالية أو ارتفاع الاحتياطي النقدي أو اجتياز المراجعات الدولية، وإنما بالسؤال الأهم: هل تحسن الاقتصاد الحقيقي؟ وهل انعكس ذلك على المواطن والشركات وفرص الاستثمار؟
وأكد أن المرحلة المقبلة تحتاج إلى الانتقال من إدارة الأزمات إلى بناء اقتصاد قادر على إنتاج موارده، بحيث يصبح النمو قائمًا على الصناعة والزراعة والاستثمار والتصدير، وليس على الاقتراض والتدفقات المالية المؤقتة.
وأوضح أن تحقيق هذا التحول هو الاختبار الحقيقي لأي برنامج اقتصادي؛ لأن استقرار المؤشرات المالية يمثل خطوة مهمة، لكن الاستقرار المستدام يبدأ عندما يصبح الاقتصاد أكثر إنتاجًا، وأكثر قدرة على التصدير، وأقل احتياجًا إلى مصادر التمويل الخارجية لمواجهة أزماته المتكررة.






