اقتصاد

«ودائع بالمليارات.. واقتصاد يبحث عن الإنتاج».. هل أخطأت الحكومة طريق مواجهة التضخم؟

مع اقتراب موعد حسم البنك المركزي المصري أسعار الفائدة في مصر خلال الشهر الجاري، وهو الاجتماع السادس، من المرجح أن تجري السلطات النقدية المصرية تحريكًا لسعر الفائدة لامتصاص الموجات التضخمية المحتملة، وفقًا لمصادر مطلعة لـ«ليبرالي».

سعر الفائدة والادخار

مع رفع الفائدة، تتجه السلطات النقدية إلى تشجيع العملاء على رفع معدلات الادخار داخل الجهاز المصرفي، وهو ما ظهر في زيادة حجم الودائع داخل البنوك المصرية.

ووفقًا لأحدث تقرير صادر عن البنك المركزي المصري، صعدت ودائع غير الحكومة بالعملة المحلية إلى 10.44 تريليون جنيه، بزيادة تبلغ 90 مليار جنيه على أساس شهري.

وارتفعت الودائع تحت الطلب بالعملة المحلية إلى 2.858 تريليون جنيه، مقابل 2.842 تريليون جنيه بنهاية يونيو الماضي، فيما استحوذ قطاع الأعمال العام على نحو 119.082 مليار جنيه من تلك الودائع، بينما بلغت ودائع القطاع الخاص 1.465 تريليون جنيه، وسجلت ودائع القطاع العائلي 1.274 تريليون جنيه.

ووصل حجم الودائع لأجل وشهادات الادخار بالعملة المحلية إلى 7.584 تريليون جنيه، مقابل 7.505 تريليون جنيه بنهاية يونيو، واستحوذ قطاع الأعمال العام على 78.771 مليار جنيه من تلك الودائع، بينما سجل القطاع الخاص 405.521 مليار جنيه، وبلغت ودائع القطاع العائلي 7.100 تريليون جنيه.

وسجلت جملة الودائع لأجل وشهادات الادخار بالعملات الأجنبية 2.557 تريليون جنيه، مقابل 2.436 تريليون جنيه بنهاية يونيو السابق، إذ توزعت هذه الودائع بين قطاعات مختلفة، حيث بلغ نصيب قطاع الأعمال العام نحو 186.252 مليار جنيه، وقطاع الأعمال الخاص نحو 576.067 مليار جنيه، واستحوذ القطاع العائلي على 1.794 تريليون جنيه.

كما ارتفع إجمالي ودائع البنوك بالعملات الأجنبية بنهاية يوليو 2026 إلى ما يعادل 3.425 تريليون جنيه، مقابل ما يعادل 3.264 تريليون جنيه بنهاية يونيو السابق عليه.

البنك المركزي
البنك المركزي

إجراءات استباقية

وفي سياق متصل، قالت مصادر مصرفية لـ«ليبرالي»، إن البنك المركزي يسعى إلى جذب أكبر قدر من السيولة لمواجهة تداعيات التضخم المحتملة، وتوجيهها إلى السوق وإعادة ضخها في القطاعات الاقتصادية، بغرض تخفيف التوترات التي خلفتها الأزمات الجيوسياسية الراهنة.

وألمحت المصادر إلى أن تلك الإجراءات تسعى إلى تقليص ارتفاع العملة الأجنبية من خلال مجابهة الارتفاع المحتمل في سعر الصرف.

وأضافت المصادر، أن إبرام مصر اتفاقيات سابقة لتبادل العملات الأجنبية، من بينها اتفاقيات مع مصرف الإمارات المركزي وبنك الشعب الصيني، جاء ضمن الإجراءات الاستباقية لمواجهة أي تداعيات محتملة في سعر الدولار، وبالتالي تقليل التأثير على استيراد السلع الاستراتيجية والخامات، ودعم الصادرات المصرية في الأسواق الأجنبية.

الودائع.. أزمة أم أداة حل؟

من جانبه، قال محمد جمال، المحلل الاقتصادي، إن ارتفاع حجم الودائع داخل الجهاز المصرفي لا يمثل في حد ذاته عاملًا سلبيًا على معدلات التضخم أو أسعار السلع والخدمات، موضحًا أن التأثير الحقيقي يرتبط بكيفية توظيف البنوك لهذه الأموال ومدى تحولها إلى إنفاق وائتمان داخل الاقتصاد.

وقال جمال، إن زيادة الودائع تعني في الأساس توجه جزء من أموال الأفراد والشركات إلى الادخار بدلًا من إنفاقها مباشرة في الأسواق، وهو ما يمكن أن يساهم في امتصاص جزء من السيولة وتقليل الضغوط الناتجة عن زيادة الطلب على السلع والخدمات.

وأضاف أن الصورة تختلف عندما تستخدم البنوك جانبًا كبيرًا من هذه الودائع في التوسع في منح الائتمان والقروض؛ إذ يمكن أن يؤدي ذلك إلى زيادة السيولة المتاحة للإنفاق والاستثمار، ومن ثم ارتفاع الطلب، خصوصًا إذا لم يكن الاقتصاد قادرًا على زيادة الإنتاج بنفس الوتيرة.

وأوضح جمال، أن المعادلة الأساسية ليست حجم الودائع فقط، وإنما سرعة دوران الأموال داخل الاقتصاد، مشيرًا إلى أن الأموال التي تبقى في صورة مدخرات مصرفية يكون تأثيرها التضخمي أقل من الأموال التي تتحول سريعًا إلى استهلاك أو استثمار أو تمويل لنشاط اقتصادي يرفع الطلب.

وأشار إلى أن ارتفاع أسعار الفائدة يمثل أحد العوامل التي تشجع المواطنين والشركات على الاحتفاظ بجزء أكبر من أموالهم في الجهاز المصرفي، خاصة عندما تكون العوائد المصرفية أكثر جاذبية، وهو ما يساعد على امتصاص السيولة المتاحة في السوق.

وأكد جمال، أن زيادة الودائع يمكن أن تكون ذات تأثير إيجابي على الاقتصاد إذا تم توجيهها إلى تمويل القطاعات الإنتاجية، مثل الصناعة والزراعة والمشروعات، بدلًا من استخدامها فقط في أنشطة قصيرة الأجل أو تمويل استهلاكي لا يصاحبه توسع مماثل في الإنتاج.

وأوضح أن توجيه السيولة نحو الإنتاج يخلق معادلة أكثر توازنًا؛ فزيادة التمويل تؤدي إلى ارتفاع الطلب، لكن في الوقت نفسه يرتفع المعروض من السلع والخدمات، ما يحد من الضغوط التضخمية مقارنة بالتمويل الذي يذهب بالكامل إلى الاستهلاك.

وأشار إلى أن الخطر يظهر عندما ترتفع السيولة والائتمان بوتيرة أسرع من قدرة الاقتصاد على زيادة الإنتاج، لأن هذه الحالة قد تخلق فجوة بين الطلب والمعروض، وتدفع الأسعار إلى الارتفاع.

وقال إن زيادة الودائع ليست مشكلة في حد ذاتها، بل إن القضية الأساسية هي إدارة السيولة وتوجيهها، موضحًا أن الاقتصاد يحتاج إلى تحويل المدخرات المصرفية إلى استثمارات منتجة ترفع الطاقة الإنتاجية وتزيد المعروض وتخلق فرص عمل، بدلًا من أن تتحول السيولة إلى طلب إضافي على سلع محدودة المعروض.

زر الذهاب إلى الأعلى