لم تعد صناعة السياحة في مصر مجرد قطاع خدمي يعتمد على المقومات التاريخية والطبيعية التي تمتلكها البلاد، بل أصبحت أحد المحركات الرئيسية للنمو الاقتصادي ومصدرًا مهمًا للعملة الأجنبية وفرص العمل.
وخلال السنوات الأخيرة، نجحت مصر في استعادة مكانتها على خريطة السياحة العالمية، بعدما تجاوز القطاع تداعيات الأزمات المتتالية، ليسجل أرقامًا قياسية في أعداد السائحين والليالي السياحية والإيرادات.
ومع وصول الحركة السياحية إلى مستويات غير مسبوقة، واستقبال مصر نحو 19 مليون سائح خلال عام 2025، يبرز الهدف الأكبر المتمثل في الوصول إلى 30 مليون سائح بحلول عام 2030، وهو ما يتطلب الانتقال من مرحلة جذب الأعداد إلى بناء تجربة سياحية متكاملة تعتمد على جودة الخدمات، وتنوع المقاصد، وزيادة متوسط إنفاق السائح، وتعزيز الاعتماد على التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي في التسويق والترويج.
وبينما تفتح المقاصد الجديدة، مثل العلمين الجديدة، آفاقًا مختلفة أمام السياحة المصرية، وتستمر الدولة في تطوير البنية التحتية وزيادة الطاقة الفندقية، يبقى السؤال الرئيسي: هل تمتلك مصر المقومات اللازمة لتحقيق هذا المستهدف؟ وما الخطوات المطلوبة لتحويل النمو الحالي إلى صناعة سياحية أكثر استدامة وقدرة على المنافسة عالميًا؟ وما التحديات التي تواجه صناعة السياحة المصرية؟

رحلة تعافي السياحة المصرية
شهد قطاع السياحة المصري خلال العامين الأخيرين تحولًا لافتًا من مرحلة التعافي إلى مرحلة النمو القياسي، مدعومًا باستراتيجية الدولة لتنويع الأسواق السياحية، وتطوير المقاصد، وزيادة الاستثمارات في البنية التحتية والخدمات.
وارتفعت أعداد السائحين لتصل إلى مستويات قياسية، واستقبلت مصر نحو 19 مليون سائح خلال عام 2025، بزيادة تقارب 21% مقارنة بعام 2024، فيما ارتفعت الليالي السياحية إلى نحو 179 مليون ليلة، مقابل نحو 154 مليون ليلة في العام السابق، بما يعكس زيادة الحركة السياحية وتحسن معدلات الإقامة.
كما سجلت الإيرادات السياحية نموًا ملحوظًا، لتصبح السياحة أحد أهم مصادر تدفقات العملة الأجنبية، حيث بلغت الإيرادات نحو 16.7 مليار دولار خلال العام المالي 2025-2026، وواصل القطاع تحقيق معدلات نمو قوية.
وواصلت السياحة المصرية خلال عام 2026 مسار النمو القياسي، مع استمرار ارتفاع الحركة السياحية الوافدة، وفقًا لبيانات وزارة السياحة والآثار ووزارة التخطيط والبنك المركزي المصري.
ويرى خبراء السياحة، أن الوصول إلى 30 مليون سائح بحلول عام 2030 يتطلب العمل على عدة محاور متوازية، في مقدمتها زيادة الطاقة الفندقية، وتحسين جودة التجربة السياحية، وتوسيع شبكة الطيران الدولي، وفتح أسواق جديدة، إلى جانب الاعتماد على التسويق الرقمي والذكاء الاصطناعي للوصول إلى شرائح أكثر تنوعًا من السائحين.
ويؤكد المتخصصون، أن التحدي خلال المرحلة المقبلة لا يتمثل فقط في زيادة عدد السائحين، وإنما في رفع متوسط إنفاق السائح، وإطالة مدة الإقامة، وتحويل الزيارة إلى تجربة متكاملة تجعل مصر مقصدًا متكررًا، وليس وجهة لزيارة واحدة.
وفي السياق نفسه، قال أحمد يوسف، الرئيس التنفيذي للهيئة المصرية العامة للتنشيط السياحي، إن فتح أسواق جديدة يأتي من خلال تعزيز الحملات الترويجية الدولية، والمشاركة في المعارض والحملات الترويجية العالمية الكبرى، بما يتيح فتح آفاق جديدة ومتنوعة أمام السياحة المصرية.
ومن جانبه، يؤكد القطاع الفندقي، أن المرحلة المقبلة تحتاج إلى زيادة الطاقة الاستيعابية وتحسين جودة الخدمات لمواكبة النمو المتوقع في أعداد السائحين، خاصة مع خطط الدولة للوصول إلى 30 مليون سائح.
ويرى خبراء السياحة، أن النجاح لن يقاس فقط بزيادة الأعداد، وإنما بقدرة مصر على تقديم تجربة سياحية متكاملة ترفع متوسط إنفاق السائح وتطيل مدة إقامته.

الخبير السياحي محمد كارم: المرحلة المقبلة ليست سباقًا في عدد السائحين.. بل في جودة التجربة وقيمة العائد
أكد الخبير السياحي محمد كارم أن وصول مصر إلى أرقام قياسية في حركة السياحة يمثل نقطة انطلاق لمرحلة جديدة أكثر أهمية، تتمثل في إدارة النمو المستدام، وليس الاكتفاء بتحقيق أعداد أكبر من الزائرين.
وقال إن الطلب العالمي على المقصد السياحي المصري يشهد نموًا واضحًا، مع دخول أسواق جديدة وارتفاع الاهتمام بالوجهة المصرية، إلا أن التحدي الحقيقي لم يعد يتمثل في عدد السائحين الذين تستقبلهم مصر سنويًا، وإنما في كيفية تقديم تجربة سياحية متكاملة تجعل السائح يطيل مدة إقامته، ويرفع حجم إنفاقه، ويغادر وهو يحمل انطباعًا إيجابيًا يجعله سفيرًا لمصر في بلاده.
وأضاف أن مصر تمتلك مقومات فريدة تمنحها قدرة كبيرة على مواصلة النمو، بفضل التنوع الكبير في منتجاتها السياحية، سواء السياحة الثقافية، أو الشاطئية، أو العلاجية، أو البيئية، أو الدينية، أو سياحة المغامرات والمؤتمرات واليخوت وغيرها، وهو ما يتيح استهداف شرائح متنوعة من الأسواق الدولية.
وأوضح أن الحفاظ على معدلات النمو الحالية يتطلب التوسع في فتح أسواق جديدة، مع رفع جودة الخدمات، والاعتماد بصورة أكبر على أدوات التسويق الرقمي الحديثة التي أصبحت عنصرًا رئيسيًا في المنافسة بين المقاصد السياحية العالمية.
وأشار إلى أن المؤشرات التي يجب التركيز عليها خلال السنوات المقبلة لا تقتصر على عدد السائحين فقط، وإنما تشمل متوسط مدة الإقامة، ومتوسط الإنفاق اليومي، ونسبة تكرار الزيارة، باعتبارها مؤشرات تعكس القيمة الاقتصادية الحقيقية للقطاع.
وأضاف أن تطوير التجربة السياحية هو مفتاح تحقيق هذه الأهداف، موضحًا أن السائح لا ينبغي أن يزور الأهرامات فقط، بل يجب أن يجد أمامه باقة متنوعة من التجارب تشمل التراث، والثقافة، والطبيعة، والمغامرات، والتسوق، والمنتجات المحلية، بما يشجعه على تمديد رحلته والتنقل بين القاهرة والأقصر وأسوان والبحر الأحمر وسيناء والساحل الشمالي وغيرها من المقاصد.
وأكد أن المرحلة المقبلة يجب أن تستهدف «السائح الأعلى قيمة»، وليس فقط «السائح الأعلى عددًا»، لأن زيادة الإنفاق ومدة الإقامة تحققان عائدًا اقتصاديًا أكبر، حتى مع استقرار أعداد الزائرين.
وأشار الخبير إلى أن نجاح أي مقصد سياحي لا يعتمد على جاذبيته منفردًا، بل على قوة الربط بين مختلف المقاصد السياحية داخل الدولة، من خلال شبكة متكاملة تضم مطارات حديثة، وطرقًا ومحاور سريعة، ووسائل نقل مريحة، وفنادق متنوعة، ومراكز استقبال ومعلومات سياحية، ومنصات حجز رقمية، بما يتيح للسائح التنقل بسهولة بين القاهرة والأقصر وأسوان والبحر الأحمر وسيناء والإسكندرية والعلمين وغيرها من الوجهات.
وأضاف أن السائح عندما يقارن رحلته في مصر بتجربته في أي دولة منافسة، فإنه لا يقيم الموقع الأثري أو الشاطئ فقط، وإنما يقيم التجربة الكاملة.
السياحة في مصر عام 2030
وفيما يتعلق بمستهدفات عام 2030، أوضح الخبير أن تحقيقها ليس مستحيلًا، لكنه يتطلب استعدادات تتناسب مع حجم الطموح، من خلال الاستمرار في التوسع في الطاقة الفندقية، سواء من حيث عدد الغرف أو جودة المنتج الفندقي، مع التوسع الجغرافي في المقاصد السياحية الجديدة، بما يضمن قدرة القطاع على استيعاب الزيادة المتوقعة في الحركة السياحية.
وأشار إلى أن المنافسة أصبحت تعتمد على جودة التجربة الكاملة، لأن السائح يقارن بين ما يراه في مصر وما يعيشه في مختلف الوجهات العالمية، وهو ما يستوجب الاهتمام بأدق التفاصيل، بداية من المطارات ووسائل النقل، مرورًا بالمواقع الأثرية والخدمات السياحية، وصولًا إلى الفنادق والعنصر البشري.
وشدد على أهمية الاستثمار في تدريب العاملين بالقطاع، ورفع كفاءتهم في اللغات الأجنبية، وفهم طبيعة الأسواق المصدرة للسياحة، والتعامل مع التكنولوجيا الحديثة، بما يسهم في تحسين جودة الخدمة وتعزيز القدرة التنافسية للمقصد المصري.
كما أكد ضرورة الإسراع في تنفيذ الاستثمارات السياحية المعلنة وتحويلها إلى مشروعات قائمة على أرض الواقع، حتى تواكب الطلب المتزايد على السياحة المصرية.

العلمين والحرب العالمية الثانية والسياحة
وفيما يخص مدينة العلمين الجديدة، أوضح أنها تمثل نموذجًا واعدًا لمقصد سياحي متكامل يمكن أن يجمع بين السياحة الشاطئية، وسياحة المؤتمرات، والاستثمار الفندقي، والترفيه، إلى جانب استثمار القيمة التاريخية لمنطقة العلمين المرتبطة بمعارك الحرب العالمية الثانية، وربطها بباقي المقاصد السياحية المصرية، من خلال بناء أجندة سياحية وثقافية ورياضية وترفيهية تمتد على مدار العام، بما يضمن استمرار الحركة السياحية في مختلف الفصول.
وأوضح أن المدن السياحية العالمية الناجحة لم تحقق مكانتها بسبب الشواطئ أو الفنادق فقط، وإنما لأنها تقدم للزائر سببًا جديدًا للزيارة على مدار العام، عبر مهرجانات دولية، وفعاليات رياضية، ومؤتمرات اقتصادية، ومعارض ثقافية، وحفلات فنية كبرى، وهو ما يخلق حركة مستمرة للطيران والفنادق والمطاعم والتجارة.
وأضاف: «إذا نجحنا في تحويل العلمين الجديدة من مدينة صيفية إلى مدينة تنبض بالحياة طوال العام، من خلال أجندة دولية ثابتة للفعاليات والمؤتمرات والمهرجانات والرياضة والترفيه والثقافة، فإنها لن تكون مجرد وجهة ساحلية، بل ستصبح بوابة مصر الرئيسية على البحر المتوسط، وأحد أهم مراكز السياحة والأعمال والمؤتمرات في المنطقة، بما يرفع من تنافسية المقصد السياحي المصري عالميًا».



