من «سيدة القصر» إلى ساحات القضاء.. قوت القلوب الدمرداشية تشعل معارك الملكية الفكرية
بين اتهامات بالسطو الأدبي ونزاع جديد حول حقوق الاقتباس.. حكاية تراث أدبي لم تهدأ معاركه حتى بعد رحيل صاحبته بعقود

لم تعد حكاية الأديبة المصرية قوت القلوب الدمرداشية مجرد فصل منسي في تاريخ الأدب، بل عادت إلى الواجهة من بوابة المحاكم، بعدما أصبح تراثها محور نزاعين متشابكين حول حقوق التأليف والترجمة والاقتباس، فبعد قضية الكاتبة سهير عبد الحميد ضد وزيرة الثقافة السابقة جيهان زكي، والتي انتهت بحكم قضائي لصالح الأولى، ظهرت دعوى جديدة يرفعها المترجم والكاتب دسوقي سعيد، ضد سهير عبد الحميد، متهمًا إياها بالتعدي على حقوقه في ترجمة أعمال الدمرداشية.
وبين الاتهامات والردود، تفتح هذه القضايا ملفًا أوسع حول حدود الاقتباس المشروع، وحقوق المترجمين، وكيف يمكن أن يتحول التراث الأدبي إلى ساحة لصراع قانوني يحتدم بين أصحاب الحقوق والباحثين والناشرين.
من هي قوت القلوب الدمرداشية؟
إذا كانت أزمات الملكية الفكرية الحديثة قد وضعت اسم قوت القلوب الدمرداشية في صدارة المشهد الصحفي والقانوني مؤخرًا، فإن الشخصية الحقيقية خلف هذه المعارك تعد واحدة من أكثر نساء مصر إثارة للدهشة والغموض والريادة، حيث ولدت في القاهرة عام 1892 لعائلة من أثرياء ووجهاء المجتمع المصري، فهي ابنة الشيخ عبد الرحيم الدمرداش، مؤسس “الطريقة الدمرداشية” الصوفية الشهيرة بالعباسية، ونشأت الفتاة في بيئة تناقضية فريدة جمعت بين سحر القصور الأرستقراطية وبين نفحات التصوف والزهد، وهو ما شكل وجدانها وقدرتها على الغوص في خبايا المجتمع المخفي خلف الأسوار.
وفي وقت كانت فيه الحركة الأدبية المصرية تكتب بالعربية، اختارت قوت القلوب أن تبدع أعمالها الكاملة باللغة الفرنسية، ونشرت كتبها عبر دور نشر عريقة في باريس مثل “غاليمار”، وحظيت باحتفاء نقدي غربي واسع ومقدمات من عمالقة الأدب مثل فرانسوا مورياك.
وتضمنت مسيرتها أعمالاً بارزة مثل “حريم” (1937)، “زنوبة” (1947)، ورواية “رمزة.. ابنة الحريم” (1958)، فضلاً عن إشادة عميد الأدب العربي طـه حسين بأدبها، ومع قيام ثورة يوليو 1952 وتغير الخريطة الاجتماعية، اختارت الرحيل عن البلاد لتعيش في أوروبا حتى وافتها المنية في ديسمبر 1968، لتعود اليوم سيرتها لتشتعل في صراعات الملكية الفكرية.

عندما سقطت حصانة المنصب أمام مطرقة القانون
لم تكن قضية التعدي على حقوق الملكية الفكرية التي تورطت فيها وزيرة الثقافة السابقة جيهان زكي، مجرد خلاف أدبي عابر، بل تحولت إلى واحدة من أكثر القضايا التي هزت الأوساط الثقافية والسياسية في يوليو 2026، بعد أن وضعت القضاء في مواجهة مباشرة مع رمز من رموز السلطة التنفيذية.
وتعود جذور الأزمة إلى ما قبل تولي جيهان زكي حقيبة الوزارة، حين أصدرت كتابًا حمل عنوان “كوكو شانيل وقوت القلوب.. ضفائر التكوين والتخوين”، لتكتشف الكاتبة والباحثة سهير عبد الحميد أن كتاب الوزيرة تضمن اقتباسات واسعة ونقولاً حرفية وغير مبررة من مؤلفها الأصلي الصادر قبل سنوات “اغتيال قوت القلوب الدمرداشية.. سيدة القصر”.
لم تستسلم الكاتبة لسطوة المنصب أو ضغوط التنازل، بل سلكت الطريق القانوني الوعر عام 2025 مقيمةً دعوى قضائية أمام المحكمة الاقتصادية، ولم تجتز القضية درجات التقاضي بسلام إلا بعد أن استعانت المحكمة بلجنة ثلاثية من خبراء الملكية الفكرية، والتي أثبتت تقاريرهم القاطعة وقوع السطو الحرفي واقتباس أجزاء جوهرية من جهد سهير عبد الحميد، وتوجت هذه المعركة بحكم قضائي تاريخي وبات صادر عن محكمة النقض في يوليو 2026 برفض طعن الوزيرة وتأييد إدانتها، وإلزامها بدفع تعويض مدني قدره 100 ألف جنيه، فضلاً عن الحكم الحاسم بسحب الكتاب محل النزاع من الأسواق ومنع تداوله نهائيًا.
ولم تقتصر تداعيات الحكم عند حدود الغرامة المالية أو سحب الكتاب، بل أحدث زلزالاً سياسيًا، فما أن صدق القاضي على كلمة الفصل وأصبح الحكم نهائيًا، حتى تقدمت جيهان زكي باستقالتها من منصبها كوزيرة للثقافة في يوليو 2026 لرفع الحرج عن الحكومة، في مشهد يعلي من هيبة أحكام القضاء، وأكدت سهير عبد الحميد حينها أن معركتها لم تكن أبدًا خصومة شخصية مع منصب وزاري، بل دفاعًا عن عرق وسنوات من البحث المضني، لتصبح هذه القضية علامة فارقة ودرسًا قاسيًا يرسخ مبدأ أن حقوق الفكر لا تسقط بالتقادم.

جبهة جديدة.. المترجم دسوقي سعيد يلاحق الكاتبة سهير عبد الحميد قضائيًا
على الجانب الآخر من النزاع، ولم تكد إطارات أزمة الوزيرة تبرد، حتى فُتحت جبهة قانونية جديدة أمام محكمة القاهرة الاقتصادية، حيث أقام المترجم والكاتب دسوقي سعيد، دعوى قضائية مختصمًا الكاتبة سهير محمد عبد الحميد حسن نفسها، على خلفية اتهامها بالاعتداء على حقوقه الفكرية والأدبية والمادية المرتبطة بترجمته لروايتي “رمزة – ابنة الحريم” و”زنوبة”.
من الترجمة الألمانية إلى ساحات المحاكم
وتعود جذور هذه الأزمة بحسب ما أوضحه “سعيد” في بيانه الصحفي عبر وكيله القانوني الدكتور صلاح حسب الله، المحامي بالنقض والإدارية العليا إلى كتاب “سيدة القصر.. اغتيال قوت القلوب الدمرداشية” الصادر عام 2022 عن دار ريشة للنشر والتوزيع، ويؤكد المترجم أن الكتاب تضمن نقولات واقتباسات واسعة تجاوزت الحد القانوني المسموح به في الاستشهاد، مستمدة مباشرة من جهوده المضنية في نقل وتوطين روايتي الأديبة الراحلة قوت القلوب الدمرداشية من اللغة الألمانية إلى العربية أواخر تسعينيات القرن الماضي، بعد أن حصل على حقوق نشرها مباشرة من نجل الأديبة، الدكتور محسن صالح مختار الدمرداش.
وأشار “سعيد” إلى أن تراث الدمرداشية التي كانت تكتب بالفرنسية وظلت أعمالها بعيدة عن متناول القارئ العربي لسنوات طويلة لم يخرج للنور محليًا إلا بفضل رحلة بحث شاقة وجهد ترجمة وإعادة صياغة أدبية وإبداعية حملت طابعه الخاص، ودعّم دعواه بملف تحليلي وتقرير فني يرصد أوجه التشابه الحرفي والمطول في النصوص والوصف الدرامي والمعلومات التاريخي.

مفارقة درامية فصل كامل داخل كتاب الخصم
وفي تطور لافت يضفي على الأزمة طابعًا دراميًا معقدًا، كشفت تفاصيل النزاع عن مفاجأة تتمثلت في وجود فصل كامل داخل كتاب سهير عبد الحميد ذاته يحمل عنوان “دسوقي سعيد يحقق أمنية د. طه حسين”، خصصته الكاتبة للحديث عن أعماله النقدية وتحليل ومناقشة فصول رواية “قوت القلوب”، هذا الوجود المزدوج لشخصية المترجم بين دفتي الكتاب كخصم وموضوع للدراسة في آن واحد، فتح باب التساؤلات الواسعة حول طبيعة التداخل بين استدعاء إسهاماته السابقة وتجاوز حدود الاقتباس المشروع منها.
مشهد أخير
تؤكد هذه السلسلة المتشابكة من القضايا التي تموج بها الساحة الثقافية المصرية أن صراع الملكية الفكرية لم يعد مجرد نقاش نقدى أكاديمي، بل تحول إلى ساحة قانونية صارمة تفصل فيها المحاكم الاقتصادية ومحكمة النقض بحسم، لتضع حدًا نهائيًا لأي تجاوز بحق الإبداع والجهد التوثيقي، بغض النظر عن أسماء أصحابها أو مواقعهم.






